مثل الكثير من الفنانين في شمال المغرب، تأثر الفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد بالمدرسة التصويرية/التشخيصية في الفن، إلا أنه وبالتدريج، انفتح على عالم مغاير، بعيدا عن المناظر التقليدية والمساحات العامرة بالألوان.
أعماله الجديدة الثلاثية الأبعاد على السند، تعتمد في الأساس على مركبات/كتل من خيوط أجهزة ميكانيكية أو كهربائية، تنتج عبر تركيب دراماتيكي مذهل، ما يمكن تسميته حضارة آلية، أعمال بوزيد بوعبيد الجديدة التي تعتمد وتستند في غالبيتها إلى اللون الواحد أو اللونين متبعة تدرجاتهما الصباغية، واللعب على الضوء وسط اللوحة، كتركيز على جوهر الرسوم التصويرية التي يضعها غالبا وسط العمل. رسومات غالبيتها جموع بشرية متحلقة حول أمر ما.. أطفال مجتمعون وكأنهم أنهوا حصة اللعب، وآخرون يجلسون على مقاعد في ساحة عمومية.. شباب متكدس داخل قارب.. شيوخ وعجزة بجلابيبهم وطاقياتهم وعكاكيزهم ينتصرون لعزلتهم القسرية، هي مواضيع ما فتئ الفنان بوزيد يعالجها بحساسية لونية تعبيرية ذات مضمون اجتماعي.. فهو يحاول من خلالها سكب أفكاره وبلورتها داخل العمل الفني..
مسار الفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد، عامر بالترحال والتنقل، ترحال جغرافي وآخر فني في أقطار أوروبا، وداخل مدارس الفن (التصويرية، التجريدية، الواقعية الجديدة، النحت، وأخيرا الواقعية-البرنامجتية). فالفنان بوعبيد بوزيد من مواليد مدينة تطوان سنة 1953، أستاذ تاريخ الفن والحضارات والرسم القديم في المعهد الوطني العالي للفنون الجميلة في تطوان، وأستاذ لتاريخ الفن والبلاستيك المغربي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تطوان، عضو مؤسس لمتحف الفن المعاصر في تطوان، عضو الجمعية المغربية لفنون البلاستيك. التحق بعد دراسته الابتدائية والثانوية بالمعهد الوطني للفنون الجميلة في المدينة نفسها، بعدها هاجر إلى الديار الأوروبية، حيث استقر في العاصمة البلجيكية بروكسيل، ليتابع دراسته في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة، وحصل منها على دبلوم استحقاق في فن الرسم، كذلك على شهادة الدروس العليا في الرسم. مسار عامر بالفن والتجدد داخله وخلاله، منذ أواسط سنوات السبعينيات، من خلال أولى معارضه سنة 1974في قاعة وزارة الثقافة في تطوان، على خلفية اليوم العالمي للغابة.
التعبيرية الجديدة والبرنامجتية: روسيكلاج
قد تكون أعمال الفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد، عامرة بالتغيرات والمفاجآت واللااستقرار، إلا أنه يمكننا بقوة الآن، حصر أعماله الجمالية، داخل ما يمكنني الاصطلاح عليه بـ»الواقعية الجديدة- البرنامجتية»، فالشق الأول من المصطلح، الواقعية الجديدة: في تعريفها المبسط هي، مدرسة تصوير فنية تقترن بالأدب على أنه نقل للواقع، وقد أصبح هذا المصطلح شاملا وواسعا لا يدل على شيء بعينه..! ولهذا أضيفت إليه صفات حتى أصبحت هذه المدرسة تضم أنواعا مختلفة من الواقعية. هذا يعني نقل الآراء من لغة علماء الاجتماع إلى لغة الفنان.. وبمعنى آخر من لغة محكية إلى لغة مرسومة، إلا أننا يمكن القول بأنه، الفنان في هذه المدرسة يرى فيها أنها تنادي بفن يقيم شكله من خلال عملية التجميع واللصق لأشياء متنافرة، حسب الناقد بيير رستاني.
أما الشق الثاني من المصطلح، الذي وصفنا به أعمال هذا التشكيلي الماهر: البرنامجتية، فهي مدرسة تُعنى بالنظام الحسابي للوحدات النمطية، مقوماتها الضوء والطيف اللوني ونسج الرسوم بعدد كبير من الافتراضات لتحقيق أعداد مختلفة من الاقتراحات تعطي الفنان حق اختيار الرسم المخرج بالشكل الذي يريده. فبعيدا عن كل هذا الشرح الأكاديمي الجاف، فالفنان يمزج بين هاتين المدرستين بشكل ماهر، يعتمد داخله على اللعب الفني بالضوء، لعب أقول: رديف للمصطلح الإنكليزي Play، الذي لا يعد فقط بمعناه اللعب الطفولي، بل إلى أبعد، إلى ما هو إنساني وحميمي وجوهري وذاتي وفردي، مصطلح يجمع بين هذا وذاك، وأعمال بوعبيد بوزيد، تجمع بين هذا وذاك وأكثر.. فهي إن تجمع بين الواقعية المتجددة (الجديدة) والبرنامجتية، فهي أيضا توظف الواقعية الاجتماعية، الملتزمة برسم أحوال المجتمع الذي ينتمي إليه الفنان، وقضياه الراهنة، ليس بالمعنى الإيديولوجي، أو الانتمائي الإنحيازي، بل هو نوع من إطلاق العنان للمشاعر الجياشة التي كونها الفنان من خلال احتكاكه بالمنظومة الاجتماعية التي ينتمي إليها. قد نلاحظ جاهدين ذلك من خلال لوحته الفنية الباهرة والأخاذة التي عنونها: LAS ESPALDAS MOJADAS (الرجوع المبلل)، إذ يصور من خلالها، فوق تلك الكتل الإلكترونية والكهربائية إشارة إلى العالم الحديث، إلى عصر المعلوماتية والعولمة، والتواصل السريع بسرعة الضوء، يصور جماعة من الناس (أطفالا، نساء، رجالا…) متكدسين داخل قارب صغير للصيد، كأنهم عائدون من صيد خاو فاشل، أو هم ـ وهذا في الغالب- يعبرون البحر راحلين إلى الضفة الأخرى من العالم، من الشمال إلى الشمال، من شمال إفريقيا إلى شمال الأرض.
وهذا الفنان متشبث بأصوله الشمالية المغربية، انتماء وفنا، فهو القائل في أحد حواراته إن همه الأساس في حياته الفنية الطويلة والحبلى بالتجارب هو التنقيب عن مجمل الرصيد الفني في شمال المغرب حتى يتم توثيقه وإشعاعه واكتشاف الأسماء والأعمال الفنية المنسية٬ التي قد تغني الرصيد الثقافي للفن التشكيلي في المغرب.
هذه المزاوجة بين الواقعية والبرنامجتية، يمكن اختزالها عبر مصطلح تشكيلي دقيق، ألا وهو الروسيكلاج تصويري .Recyclage figuratif
روسيكلاج والتجريد: كولاج.
لا يتوقف الاشتغال الفني عند الفنان التشكيلي بوعبيد بوزيد عند ما ذكرناه من روسيكلاج تصويري فقط، بل يتعداه إلى روسيكلاج خالص، أو ما يمكن تسميته أيضا بالكولاج، يعتمد على إعادة تدوير تلك الخامات الفنية، التي كانت بلا روح، قبل أن ينفخ فيها الفنان من روحه داخل العمل الفني، واضعا إياها فوق سنده. فإعادة تدوير المتلاشيات (كابلات، أدوات موسيقية… إلخ) ليس بالأمر السهل، فالأمر يحتاج لحس فني عميق ورؤية فلسفية دقيقة. كما هو ملحوظ في لوحاته العديدة مثل لوحة (الأمطار الرمادية). فإن قسم أحدهم الناسَ إلى فنان عاشق للفلسفة وفيلسوف عاشق للفن، فبوعبيد بوزيد يصحّ لي أن أقول عنه «الفنان الفيلسوف»، ليس هذا المصطلح مدحا من أجل المدح فقط، فهذا الفنان، إلى جانب أعماله الخلابة والأخاذة، مثقف يندر الحصول على مثله، إذ يجمع بين تدريس الفن والتنظير له، ونقده..
التجريدية والتشخيصية: التعدد.
عودة إلى ذلك المزج الماهر والباهر الذي يوظفه هذا الفنان، محافظا على تلك التشخيصية في الرسم، التي مازال وفيا لها، فهو في أعماله التجريدية الأخرى، تنقسم الأشغال عنده بين تجريدية صرفة، وتجريدية عامرة بالرموز (الأمازيغية خاصة، حروف تيفيناغ)، إلى تجريدية يوظف فيها كتلا صباغية/رسومات تشخيصية، إلا أنه لا يتخلى أبدا في تلك الرسومات الصباغية، على رسم جماعة من الأشخاص داخل دوائر، وقد ذهب إلى عنونة بعض أعماله بهذا العنوان
. تحضر في أعمال بوزيد تلك القدرة على المزج ما بين التجريد والتشخيص الفني، إذ نلاحظ في الهيئات المرسومة عملية توزيع منتخبة فوق السند، وكأننا إزاء تشظٍ مقصود فوق إطار مكاني يشبه لحد بعيد عملية ترتيب قطع «البزل» لإتمام وجودها.. فقد توفق في خلط بين السطح التجريدي وكل تلك الصبغة التشخيصية بعناصرها الممتدة الواضحة، كما لو كانا صوتين متحاورين ومتفاعلين، يتمازجان بصخب، أو حتى بكل الطاقة الممكنة للصمت المطبق.. إن الواقع الذي يداور هذه الأعمال الفنية هو أكبر بكثير مما تحويه اللوحات للوهلة الأولى. فالفنان بوعبيد بوزيد، سواء كانت أعماله تحتفي بالتشخيصية الصرفة، أو التجريدية الصرفة، أو تجمع بينهما، داخل البعد الواحد، أو ثلاثية الأبعاد بالرسم 3Dأو الخامات En relief فهو يطوّع الفضاء والمساحة لصالح الفكرة التي تكون قد اختمرت في ذهنيته مسبقا، أو أثناء العمل.
ناقد تشكيلي مغربي
عزالدين بوركة