منذ عقود طويلة ونحن على ارتباط وثيق ومد إنساني عميق مع جمهورية الهند العظيمة، الذاكرة نشيطة، والتاريخ لازالت تضاف عبر صفحاته أحداث مضيئة تشكّلت وتوِّجت في الحيز الواسع لعمق العلاقات النيِّرة الحميمة التي ركزت على تشجير الأنشطة المتبادلة تاريخياً وتجارياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعلى جميع الأصعدة.
وأظن أن الوقت حان لنزرع الفكر الهندي الشغوف بالحب والسلام في صحارى أفكارنا العطشة المليئة بتاريخ النزاعات، حان الوقت بعد تلك العقود الزمنية المديدة من توطيد للعلاقات الإنمائية المادية بين الخليج – الذي لازال في طور التشكّل التنموي – وبين قارة عظيمة ذات حضارات متعاقبة عريقة ضاربة في تاريخ الأرض وسابقة لموعد ميلاد التاريخ وكتابة الزمن، من حقنا أن نتساءل بجدية الآن أين يكمن موقع التبادل الثقافي والأدبي والفكري في ظل كل تلك العلاقات الإنسانية المتوّجة عبر السنوات بالانصهار التاريخي والمصيري والتدفق المادي والزمني؟ أين هو تاريخ التدفق (الفكري) وتقبّل تبادل الثقافة الروحية بين المنطقتين؟
من أكبر دعائم تشييد الحضارة هي مرونة الفكر وحرية الروح وتقبّل الاختلاف، إن أردنا بجدية إرساء قواعد عميقة للنهضة والتقدم، فينبغي أن نجرّب ذلك السجال المرن مع الأفكار الجديدة والمتجددة، التي من شأنها أن تجدد في تراثنا الخاص وتعيد التفكير فيه مع تكريس الجهد في ضرورة الاحتفاظ بانفتاح فكري أيضاً على الأفكار القديمة والعناصر المستقاة من مثاليات العلم وتجارب الإنسانية. يجدر بنا الاعتراف أننا لازلنا في طور النشأة المعرفية والإنتاجية، رغم مرور عقود طويلة في علاقتنا الممتدة مع أقدم بلاد في تاريخ الأرض وأكثرها تجدداً، نحن مقصرون ثقافياً وفكرياً في تبادلنا الرحيم المتسامح مع أفكار حضارة الهند المتجددة سنوياً في المحبة والتسامح وتقبل الفكر الحر، إن أردنا تحقيق التلاقح الصحي والسليم والمستنير مع هذه الأمة الشاهقة، فلابد أولاً من البحث الجاد عن مقومات نهضتها وتأويل عوامل ارتقائها الزمني وانتماء حاجاتها الشديدة للبقاء والتفتح للحياة.
لا يكفي أننا نستقطب جاليات من الهند لتشاركنا بسواعدها وإخلاصها وتضحياتها في بناء نهضتنا العمرانية، ثم نصف ذلك بأنه (تبادل إنساني)، ينبغي أن يكون حاضرنا حيوياً أكثر وذا رؤى إنسانية بعيدة الأمد، الهند أضحت اليوم ضمن النسيج الوطني للخليج بعلاقات الصداقة المتميزة والمخلصة، بعد أن كانت بوابة اقتصادية تجارية للمنطقة، نحن في أمس العطش إلى منهل المعلومات الفكرية والحقائق المشوّقة عن مفكري ومعلمي وفلاسفة الهند ورجال التاريخ وأصدقاء التأمل فيها، الهند أرض التأمل والصمت في الإنجاز وصناعة المجد بأناة وصبر، الهند أرض التواصل الحر مع الآخر المختلف، والتفاعل مع نقيضه وتقليب الحياة للعثور على سبل الانسجام معه، الهند بلد الأعجوبة والأساطير وعشق الحياة والتركيز على الجمال والفن.
جميل هو الوعي الخليجي بالسينما الهندية، والغناء الهندي، والنباتات الهندية، والدواء والعلاج الهندي، والزي والحليَ الهندية، لكن وعينا بالكماليات استمر لسنوات، إنه وعي خارجي فقط خاو من الداخل، شعوبنا بقيت في طور المستهلك المستقطب المتأثر. لم نؤثر، ولم نحاكِ الهند في إنتاجها الضخم رغم تعاقب الأزمنة وتغير الأحوال ووفرة الموارد والثروات في الخليج واتساع الفرص، ثم أنني أتساءل أدبياً أين هي جهود الترجمة عن آداب الهند التي يزيد عمرها عن أربعة آلاف سنة؟
الأدب يشكل رافداً مهماً لنهوض الحضارة بشكل واثق وعميق، لابد أن تؤسس حضارة خليجنا أيضاً على تجذير الاطلاع والفضول والشغف بقراءة التجارب الغزيرة لآداب الهند الخصبة التي هي ظاهرة غير عادية بين آداب العالم، إنها ملاحم إنسانية رائعة تجذرت عبر التاريخ، نبعت من وحدة الروح الأدبية والتسامي في الفكر والخيال البعيد والصبر في بناء الأدب، لاشك أن في داخلنا يولد كل مرة شغف التعرف على عباقرة الهند من الشعراء والرواة والمبدعين في كافة الأجناس الأدبية. الجهود الفردية في الترجمة لن تكفي، لابد من تضافر جهود المؤسسات الثقافية المعنية بالترجمة من الآداب العالمية، شرط أن تكون هذه الجهود جادة ومخلصة في انتقاء مترجمين ذوي حرص عال على صون روح الكلمة المتدفقة بعفوية من روح الكاتب، بمعنى أن تكون الترجمة ممتعة ومشوقة وبها من الخيال الممتد لخيال الكاتب ومنتمية لأصالة كاتبها، لا مغتربة عنه ولاذعة في الخطيئة التعبيرية النحوية والإملائية والدلالية.
نستجدي الجهود الخالصة جداً في الترجمة، وأشكر بعمق بعض الجهود الفردية الغزيرة لأدباء إماراتيين شكلوا لنا جسراً عذباً من محبة وشغف لرؤية الأدب الهندي المضيء من خلال العمل المخلص في رفد الساحة الثقافية الإماراتية بأعمال أدبية مترجمة عن الأدب الهندي، على سبيل المثال: «أسباب للانتماء» وهي مجموعة شعرية تحوي قصائد لأربعة عشر شاعراً هندياً معاصراً، قامت بترجمته الأديبة والمترجمة الإماراتية ظبية خميس، التي صدرت من إدارة الثقافة والفنون في قطر ـ الدوحة 2005 . وللمترجمة أيضاً «طفل الفجر» التي أخذتنا من خلال محطاتها العذبة في رحلة سحرية ومؤثرة جداً، حيث الطفل الضائع في البحث عن قوانين الروح السبعة للنجاح، وعبر مراحل عبّر فيها الكاتب الهندي جوتاما شوبرا، عن الواقع المعدم لأطفال الشوارع اليتامى في الهند، معتبراً أن الرواية تستطيع عبر طرق عديدة أن تعبّر عن الحقيقة بشكل أكثر مرونة من الأبحاث والدراسات، مرمزاً لنا بأن طفل الفجر هو بمعنى ما لكل حيواتنا: «إننا وحيدون، وفي يوم ما سنغادر وحيدين أيضاً، وفي المنتصف نلتقي كرحالة لدقائق قليلة غالية في رحلة كونية». «لقد أتينا إلى هنا في قطارات مختلفة، والتقينا في محطة القطار، وقبل أن نفترق في قطارات منفصلة من جديد، في رحلات مختلفة، دعنا نستمتع بالحياة!». «إننا وجدنا هنا من أجل هدف، وإن لكل منا هدية متميزة أو قدرة خاصة لمنحها للآخرين».
كما تبنى «مشروع كلمة» أيضاً ترجمة أعمال أخرى لمترجمين من الإمارات، مثل «رنين الثريا» وهو ديوان للشاعرة الهندية الشهيرة كملا ثريا من ترجمة الأديب الإماراتي شهاب غانم، الذي قام مسبقاً بترجمة أعمال شعرية كثيرة عن الهندية منها قصائد للشاعر والمسرحي والروائي والفيلسوف الهندي روبندرونات طاغور .
كاتبة من الإمارات
لولوة المنصوري