انتفاضة

حجم الخط
4

السكاكين الـ 28 التي طعنت الإسرائيليين منذ 4 تشرين الاول، نجحت في الكشف عن الحقيقة المؤلمة أمام الاجهزة الامنية: «البطن الضعيفة» لدولة إسرائيل، الجبهة الداخلية قابلة للاصابة أكثر مما اعتقدنا. الحديث لا يدور فقط عن الخوف الذي تسببت به السكاكين لشعب كامل وتأثير هذا على مجريات الحياة والمعنويات الوطنية. حظي غياب الأمن الشخصي بالعناوين، لكن تحت الرادار الإعلامي كان رؤساء الاجهزة الأمنية خائفين من انكشاف نقاط الضعف في الاستعدادية الوطنية للجبهة الداخلية.
مثلا الامكانية الواقعية بأن يتم إغلاق طرق رئيسة في الدولة من قبل مُخلين مُحرضين. وبالنسبة للجيش هذا الدرس لا يقل خطورة وأهمية عن دروس مواجهة الذئب الوحيد والتهيئة لامكانية اندلاع انتفاضة ثالثة.
اغلاق طرق داخل دولة إسرائيل، اضافة إلى التشويش على جاهزية الجيش، الحاق الضرر بتجنيد الاحتياط والبنى الاستراتيجية، كل هذه الامور تم أخذها في الاعتبار في السابق، لكن في سياق الاعمال الإرهابية المنظمة أو اطلاق الصواريخ من الجانب الثاني للحدود. وامكانية أن يقوم مواطنون إسرائيليون مُحرضون بالحاق الضرر بالجهد الامني اثناء الحرب، تم ابعادها إلى هامش الوعي. وفي التدريبات العسكرية الاخيرة التي تمت قبل بضعة اسابيع وتطرقت إلى اغلاق الشوارع، تم التعاطي مع هذا السيناريو بشكل بسيط. الآن، بعد أن وصلت موجة الإرهاب الحالية إلى داخل الخط الاخضر، يجب ايجاد خطط تنفيذية من اجل تقوية قدرات الجبهة الداخلية كي تستطيع، إلى جانب الشرطة، قمع أي تشويش كهذا.
هذا التهديد لم يولد في الشهر الاخير. فاثناء عملية الجرف الصامد تم اغلاق شارع 6 لفترة قصيرة بسبب مظاهرات العرب الإسرائيليين. وفي «عمود السحاب» عندما جند الجيش عدد كبير من جنود الاحتياط ونقل السلاح الثقيل من الشمال إلى الحدود في غزة، اختار تجاوز شوارع معينة. في انتفاضة الشباب الحالية عاد هذا الموضوع وظهر بخطورته. الشباب العرب الإسرائيليين قاموا باغلاق الشوارع وتصادموا مع الشرطة. وفي حالات الطواريء، حيث يفترض أن يتم نقل وسائل عسكرية ثقيلة بسرعة إلى منطقة الشمال أو إلى غزة، ستعلق ساعات طويلة في الشوارع بسبب اغلاقها من المواطنين. وهذه مشكلة استراتيجية. واذا علق مواطنون تم اخلاءهم من الجبهة في الشوارع بسبب تلك الاغلاقات، فان هذه المشكلة هي مشكلة وطنية موضوعة أمام رئيس الاركان.
في الشهر القادم ستقيم هيئة الاركان دورة تلخيصية تتعلق بالامور الاساسية في مبنى القوة العسكرية. ومعقول جدا الافتراض أن موضوع غياب السيطرة على المواطنين الإسرائيليين اثناء حالة الطواريء سيُطرح هناك، وسيكون على قيادة الجبهة الداخلية اعطاء الاجابات.

العمى الاستخباري

بعد اسبوعين على اندلاع الموجة الإرهابية، ما زالت الصورة غير واضحة، والاجهزة الأمنية لا تعرف كيف تسمي هذه الموجة الحالية. فهي لا تشبه الانتفاضة الاولى أو الثانية، لهذا لم تتم تسميتها بعد.
مصدر رفيع المستوى يعتقد أنه إذا لم يدخل عنصر جديد إلى المعادلة في الايام القادمة، مثل عملية كبيرة أو خطأ إسرائيلي ضد الفلسطينيين، فان تراجع العنف سيستمر. لكن هذا شيء تكتيكي ومؤقت ومن شأنه أن يتغير خلال يوم أو شهر أو نصف عام. حتى وإن تراجع العنف فان المسألة مسألة وقت إلى أن تندلع الاحداث القادمة. كم من الوقت؟ المجربون والخبراء لا يتجرأون على التنبؤ.
الاحداث الحالية، كما قال مصدر عسكري رفيع المستوى، لها كوابح: في غزة حماس تكبح وفي يهودا والسامرة تقوم بذلك السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية، حيث أن التنظيم لا يشجع العنف. وهم لا يقومون بذلك لاسباب انسانية. حماس والسلطة والحركة الإسلامية في إسرائيل يريدون تأجيج الوضع، لكن ليس في مناطقهم لأنهم غير مستعدين لدفع ثمن فقدان السيطرة على جمهورهم. لهذا من المريح لهم أن يتركز العنف في القدس وحول موضوع الحرم.
خطاب الأمة الذي ألقاه أبو مازن أول أمس يعكس التناقض بين موقفه الداعي إلى العنف وبين ضعفه وضعف شرعية سلطته. فهو يخشى من أن الشارع إذا لم يخرج ضد إسرائيل سيخرج ضده. والنتيجة: التضامن علنا مع المتظاهرين إلى جانب تعليمات واضحة للاجهزة الأمنية لكبح العنف.
حماس من ناحيتها بدأت في يوم الاربعاء الماضي العمل على ابعاد المتظاهرين عن الشريط الحدودي في غزة قبل أن تفقد السيطرة عليهم. جهاز الحفاظ الحدود المسؤول عن حماية الشريط الحدودي مع إسرائيل الذي اختفى، عاد إلى المكان وأعاد المتظاهرين إلى داخل القطاع.
حماس وأبو مازن يتعرضون في الآونة الاخيرة للضغط من المصريين والاردنيين لوقف التدهور. وقد كان للقيادة الإسرائيلية دور كبير في هذا الامر. في المقابل توجد لإسرائيل قنوات اتصال مستقلة مع حماس بوساطة القطريين وغيرهم، ونقاش التهدئة يدور في هذه القنوات ايضا. تصعب معرفة إذا كان هذا الكبح سيعمل لفترة طويلة. لكن هناك شيئا واضحا: في الاتفاقية بين المواطن والدولة، الدولة لم تفي بالتزاماتها. كل مواطن يتوقع أن يخرج إلى الشارع بدون خوف، وهذا لم يحدث. لأن دولة إسرائيل لا تريد أن تواجه فعليا اسباب موجة العنف الحالية ولا تستطيع تقدير الاتجاهات واعطاء جدول زمني. الحل الذي لديها هو حل القوة بجميع الوسائل التي تملكها.
حينما يقرر شخص أو مجموعة فعل شيء بدون تحضيرات سابقة، لوجستية أو غطاء من تنظيم إرهاب ممأسس، فالاستخبارات لا تملك الافضلية. في هذه الحالة الطريقة الوحيدة لمنع الإرهابيين من الوصول إلى موقع العملية هي بواسطة الفصل الفيزيائي والجغرافي. وقد قرر الكابنت في هذا الاسبوع وضع الحواجز في الاحياء في القدس وفحص من يدخل اليها ويخرج منها مع امكانية منع الدخول أو الخروج بشكل كامل.
الشرطة لا تعرف كيفية الاغلاق والحصار. ومن اجل الحصار الناجع على منطقة معينة هناك حاجة إلى معلومات تكتيكية: مشاهدات من الجو والارض، ملف معلوماتي يشمل المباني والشوارع الرئيسة والنقاط الاستراتيجية وما أشبه. ومن اجل جعل عمل الشرطة أكثر فاعلية فقد تبرع الجيش بوحدات لجمع المعلومات تشمل المراقبين والطائرات بدون طيار وغيرها. هذا الامر انشأ اشكالية حيث أن قوات الجيش الإسرائيلي تجمع المعلومات عن الذين يحملون بطاقات الهوية الزرقاء، والجيش يساهم ايضا، اضافة إلى «الشباك»، في موضوع معالجة الشبكات الاجتماعية. إلا أنه محظور على الجيش فعل ذلك أمام المواطنين دون الاعلان عن حالة الطواريء.
وزير الدفاع أصدر توجيهاته للقيام بجهود كبيرة لمنع انتشار الاحداث من القدس إلى الضفة الغربية وغزة. وفي اطار هذه السياسة قدمت قيادة المنطقة الوسطى ومنسق العمليات في المناطق موقفا واضحا يقضي بعدم فرض الحصار على الضفة الغربية، وعدم تقييد خروج العمال الفلسطينيين للعمل، سواء في إسرائيل أو في المناطق الصناعية المشتركة، رغم طلب وزراء في الكابنت فرض الحصار على المناطق، حيث تم تبني موقف الاجهزة الأمنية بشكل كامل.
سياسة وزير الدفاع فرضت ايضا الرد على اقتحام الحدود في غزة: طالما أن هذا الاقتحام لا يُعرض غلاف غزة للخطر، فان اطلاق النار يتم على الأرجل. وقد أصيب العشرات في غزة بأرجلهم.
حتى الآن، سياسة الفصل بين القدس وبين باقي المناطق، تؤتي ثمارها، حيث لم ينضم سكان غزة والضفة الغربية إلى المظاهرات بشكل واسع. كانت في غزة اخلالات بالقرب من الحدود لكن لم يتم اطلاق الصواريخ على إسرائيل، والمظاهرات في الضفة موضعية، وفي بعض الحالات وقفت اجهزة السلطة الأمنية بين المتظاهرين وبين الجيش الإسرائيلي.
ظاهرة اختراق الحدود الخطيرة في غزة تم النقاش فيها بشكل منفصل. وفي اعقاب الاحداث الاخيرة قرر الجيش اقامة جدار جديد بطول 65 كم، يشبه الجدار الذي أقيم في الحدود المصرية. وهذا الجدار سيشمل وسائل الكشف عن الانفاق.

30 منزلا مُعرضة للهدم

يتبين أن الهدف الإسرائيلي ليس فقط محاصرة الاحياء في القدس الشرقية، بل فرض النظام فيها ايضا. عندما قرر الكابنت وضع 20 وحدة لحرس الحدود في القدس، كانت الفكرة أن تكون هذه القوة الكبيرة جاهزة للدخول إلى تلك المناطق في شرقي المدينة التي غاب فيها النظام. قلندية مثلا هي منطقة لا تهتم بها السلطة الفلسطينية لأنها تابعة للقدس، وبلدية القدس لا تجرؤ على الدخول إلى هناك، والشرطة ايضا لا تدخل إلى هناك. قصد الكابنت هو أن تقوم بلدية القدس، بمساعدة حرس الحدود، بالدخول إلى هذه المناطق لجباية الضرائب وهدم المنازل الغير مرخصة والاهتمام بالبنى التحتية. هذا الموقف صحيح: المكان الذي فيه فراغ سلطوي تحدث فيه الفوضى ويخرج منه الإرهابيون. لكن مشكوك فيه أن أحدا ينوي الدخول إلى هذه المناطق بشكل جدي، والتي تم اهمالها لسنوات تحت شعار توحيد المدينة.
بعض الاعمال المطلوبة داخل الاحياء تستوجب الاعلان عن منع التجول الليلي. وهذا الامر يحتاج إلى تقنيات حربية وأدوات لا توجد في حوزة الشرطة والى اعداد كبيرة من القوة البشرية لفترة طويلة. اثناء الانتفاضة الثانية حينما فرض الجيش منع التجول والحصار مرات عديدة اضطر إلى تجنيد قوات الاحتياط. فهل تستطيع الشرطة القيام بمهمات كهذه في مناطق معادية ومكتظة بالسكان؟ هذا أمر مشكوك فيه. لو كانت الحكومة جادة في كل ما يتعلق بالاهتمام بهذه الاحياء لكانت أعلنت حالة الطواريء وألقت هذه المهمة على الجيش. في الوقت الحالي تقرر أن جنود مدرسة الضباط سيرافقون الشرطة، الامر الذي سيُمكن الشرطة من توفير قوة بشرية في مناطق الاحتكاك مع السكان العرب في المدينة. إلى جانب الفصل الفيزيائي والاهتمام بالفراغ السيادي، اتخذ الكابنت عدد من القرارات لردع المخرب المحتمل. الخطوة الاولى هي اختصار اجراءات هدم منازل المخربين. وتوجد لدى الشرطة قائمة لـ 30 منزلا سكن فيها المخربون الذين قاموا بالطعن في الآونة الاخيرة، وكذلك منازل عدد من الإرهابيين من الماضي القريب.
المخرب الذي كان يقف من وراء العملية في «الدولفيناريوم» في 1 حزيران 2001، سكن مع عائلته في مبنى مكون من اربعة طوابق تعيش فيه 8 عائلات. وحينما دخل الجيش الإسرائيلي إلى قلقيلية في عملية «السور الواقي» قام بهدم المنزل. وبعد عملية «السور الواقي» وعلى مدى اشهر طويلة قامت قوات الأمن وبشكل يومي بتفجير عشرات منازل الإرهابيين – المخربون الانتحاريون ومن يرسلهم. كان لهذا الامر تأثير كبير حيث رفض الناس تأجير الشقق السكنية لنشطاء الإرهاب. اضافة إلى هدم المنازل تمت مصادرة الاموال التي أرسلت للعائلات لاعادة بناء ما تم هدمه. حكومة إسرائيل تخضع في الوقت الحالي لامتحان: هل ستقوم بالفعل بهدم منازل المخربين؟ ليس منزلا واحدا كل شهر بل عشرات المنازل في اليوم؟ إن اغلبية المباني التي تنتظر الهدم توجد في داخل إسرائيل وتسري عليها قوانين مختلفة. يضاف إلى ذلك أنه تم انشاء لجنة عسكرية برئاسة الجنرال المتقاعد غيورا آيلاند. وقد أبلغت اللجنة محكمة العدل العليا أن هدم المنازل هو أمر غير ناجع. كيف يمكن الآن اقناع المحكمة أنها كانت مخطئة.
اذا كانت قرارات الكابنت قد تم اتخاذها لاعتبارات داخلية من اجل تهدئة الجمهور، وستختفي خلال فترة قصيرة ـ نحن في مشكلة. إن ظهور أي ضعف وعدم التصميم هما استدعاء للمواجهة القادمة.

قنبلة موقوتة

كشف كل من «الشباك» والشرطة، مثل الجيش، عن نقاط ضعف في مجال الأمن الداخلي، حيث هناك خطر الفوضى والعنف في الاوساط المختلفة في الجمهور الإسرائيلي. الجميع يهتمون بالتحريض في الشبكات الاجتماعية التي أغرقت سكان المناطق وشرقي القدس. لكن الجهات التي تتابع الشبكات الاجتماعية في إسرائيل كانت متفاجئة من حجم التحريض والكراهية باللغة العبرية.
التحريض في الوسط اليهودي وجد تعبيره في مظاهرات المتطرفين في المدن، وفي الاعتداء على العرب. بعد قتل الزوجين هنكن نفذ اليهود أكثر من 160 اعتداء عنيف ضد الفلسطينيين في المناطق ـ بدء بالحاق الضرر بالممتلكات واحراق المزروعات ومرورا بالدخول إلى المناطق الفلسطينية وانتهاء برشق الحجارة على السيارات واخراج المسافرين منها والاعتداء عليهم. وقد اتسعت دائرة المشاركين في ذلك ولم تقتصر على شبيبة التلال أو «تدفيع الثمن».
عشية العيد بدأ تراجع الاعمال اليهودية المعادية في الضفة، وانتقل الغضب إلى داخل الخط الاخضر. ومن خلال الشبكات الاجتماعية خرجت مجموعات على أساس كراهية العرب والأغيار. وهنا نشأ التواصل بين الكهانيين في الخليل وشباب هامشيين من القدس، لم تكن بينهم صلة في الماضي، بدأوا ينسقون فيما بينهم عمليات الاعتداء على العرب.
التحريض ليس ضد العرب فقط، بل ضد ضباط في الشرطة وموظفي النيابة العامة واعضاء كنيست ووزراء، وايضا ضد رئيس الحكومة. إن التحريض الإسرائيلي في الشبكات الاجتماعية تضاعف منذ بداية السنة قياسا بعام 2014. ونجاح «الشباك» في الكشف عن المتمردين الذين يؤيدون مئير ايتنغر، أدى إلى افشال محاولات قيام اليهود بالعمليات. لكن موجة الكراهية في الشبكات الاجتماعية وعمل تلك المجموعات في المدن الكبرى وداخل الخط الاخضر، كان وما زال قنبلة موقوتة في المجتمع الإسرائيلي.

يديعوت 16/10/2015

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية