لم يحظ صدور التقرير السنوي الخارجية الامريكية حول الحريات الدينية قبل يومين باهتمام سياسي او اعلامي في العالم العربي، رغم انه جاء هذا العام وسط هبة فلسطينية كان المسجد الاقصى السبب المباشر لاندلاعها، الى جانب احداث دولية عديدة يشكل اضطهاد المسلمين قاسما مشتركا بينها.
صحيح ان التقرير نفسه اصبح من دون قيمة سياسية او عملية تذكر، كما ان اصرار الولايات المتحدة على ان تنصب نفسها «محاضرا» للآخرين في شأن الحريات الدينية او غيرها، اصبح فكرة تثير مزيجا من السخرية والاشمئزاز حول العالم، الا ان صدوره يمثل مناسبة مهمة لا يجب تفويتها لفضح ازدواجية المعايير في علاقات واشنطن مع حلفائها وخصومها على السواء.
واعتبر التقرير الذي يصدر سنوياً منذ 17 عاماً أن «جهات غير حكومية مثل المتمردين والمنظمات الإرهابية، قد ارتكبت مجموعة من أكثر الأعمال فظاعة وانتهاكاً لحقوق الانسان وتسبباً في إضرارٍ للوضع العالمي المتعلق بالحريات الدينية».
وأشار إلى أنه «في دول مثل سوريا والعراق ونيجيريا وبورما فإن فشل الحكومة، والتسويف، وانعدام الكفاءة في مكافحة هذه الجماعات (المسلحة) وغيرهم من المؤثرين اجتماعياً، كانت له عواقب وخيمة على الناس».
وسجل التقرير «انتهاكاً للحريات الدينية في الشرق الأوسط يقوم به تنظيم داعش ضد المسيحيين والشيعة والايزدية والأكراد بالإضافة إلى العديد من أعضاء الطائفة السنية ممن لا يتفقون معهم في سوريا والعراق، منذ مطلع حزيران/ يونيو من العام الماضي».
وذكّر التقرير بقيام جبهة النصرة بإعدام قيادات دينية بينهم سبعة من رجال الدين الدروز في محافظة درعا، وكذلك القس اليسوعي «فان دير لوت» في محافظة حمص بسوريا، في وقت سابق.
كما وأفرد التقرير مساحة للميليشيات الشيعية في العراق والتي اتهمها بمنع بعض المهجّرين السنة في العراق من العودة لديارهم.
وفيما اسهب التقرير في التنديد المحق بجرائم جماعات وتنظيمات ارهابية مثل «الدولة» و»بوكو حرام» و»القاعدة» و«جبهة النصرة»، وغيرها فقد تجاهل ارهاب الكيان الصهيوني الذي ارتكب جرائم لا تقل بشاعة، ليس قتل نحو الفي مدني بينهم اكثر من خمسمئة طفل اثناء العدوان على غزة العام الماضي، وحرق العائلات احياء والاعدامات الميدانية سوى نماذج قليلة منها.
واذا شكك احدهم في علاقة تلك الجرائم الاسرائيلية بالحريات الدينية، عليه ان يراجع التعليقات والشعارات الدينية العنصرية التي رافقتها، والتي عكست صعودا كبيرا في اليمين الديني سواء سياسيا او امنيا او اجتماعيا.
وحسب تقرير في مجلة «انتلجنس أون لاين» في عددها الاخير، فان «التوقعات تشير الى ان تصاعد نفوذ اليمين الديني في حكومة بنيامين نتنياهو سيفرض ارادته عندما يحين الوقت لتعيين رئيس جديد لجهاز الاستخبارات الاسرائيلي قبل نهاية العام».
وهكذا فان الكراهية الدينية تمثل قاسما مشتركا بين جرائم المؤسستين الامنية والعسكرية في اسرائيل. وقد انعكس هذا جليا في تزايد الاقتحامات العسكرية والشرطية للمسجد الاقصى بشكل خاص، وهي التي وصلت ذروتها بفرض عملي لمخطط التقسيم الزماني، مع عمليات التدمير والحرق لابواب المسجد الاقصى ومحتوياته، وهو ما لم يحدث منذ جريمة الحرق الشهيرة في العام 1969.
الواقع ان السكوت الامريكي عن صعود هذه «الداعشية السياسية والامنية الاسرائيلية» لا يمكن الا ان يصب في مصلحة الجماعات المتطرفة والارهابية ليس في الشرق الاوسط فحسب بل حول العالم ايضا، دون ان يبرر هذا اي اعمال ارهابية، وبغض النظرعن هوية من يرتكبها.
وتغاضت الخارجية الامريكية في تقريرها تماما عن تصاعد مشاعر العداء للمسلمين داخل الولايات المتحدة نفسها، الى جانب العديد من الدول الاوروبية بشكل خاص. ولا نحتاج في هذا المقام الى سرد احداث موثقة وغير مسبوقة اصبحت تمثل عارا حقيقيا على بلاد تزعم انها ترفض الاضطهاد الديني.
لكن التقرير حاول للمرة الاولى هذا العام الربط ضمنيا بين صعود «التطرف الاسلامي» والعداء للسامية، وهكذا فان كل من ينتقد اسرائيل وجرائمها يصبح معرضا للاتهام بالتطرف او الارهاب.
ولم يجد كاتب التقرير من الحياء ما يمنعه من ادراج الانتقادات لاسرائيل بسبب الجرائم المروعة اثناء العدوان على غزة العام الماضي تحت بند «معاداة السامية»، اذ قال «شهدت فرنسا والمانيا موجة من المشاعر ضد اسرائيل، تخطت حدود معاداة السامية»، في خضوع فضائحي لضغوط سياسية اسرائيلية، مع ان تلك الانتقادات كانت ومازالت تقتصر على الجرائم ضد الانسانية التي ترتكبها اسرائيل ضد المدنيين، ولم تتطرق ابدا بسوء الى الديانة اليهودية التي يشكل احترامها، والايمان بنبيها موسى عليه السلام، وضرورة العدل تجاه اتباعها جزءا اصيلا من عقيدة المسلمين.
واخيرا فان الولايات المتحدة التي اسهمت في خلق اكبر التنظيمات الارهابية بينما كانت تزعم انها «تحارب الارهاب» خلال السنوات الماضية، يبدو انها مصرة على توسيع الاضطهاد والتطرف الديني عبر مثل هذا التقرير وما يعكسه من سياسات مشوهة.
رأي القدس