هل تعصف أزمة خلافات الأحزاب بالتوافق السياسي في إقليم كردستان؟

بغداد ـ «القدس العربي»:شهدت الأوضاع في إقليم كردستان العراق تطورات غير متوقعة وتصعيدا للعلاقات المتأزمة بين الأحزاب الكردية على خلفية الاخفاق في التوصل إلى حلول لأزمات الإقليم السياسية والاقتصادية والأمنية.
وعكست الاتهامات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني وحركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى حقيقة وعمق الخلافات بين الأحزاب السياسية في أربيل والسليمانية التي لم تمنع حساسية الظروف الأمنية والاقتصادية السائدة في الإقليم، من ظهورها إلى العلن.
ورغم إلقاء حزب الديمقراطي، مسؤولية التحريض على أحداث العنف ومهاجمة مقراته في السليمانية على حركة التغيير التي حققت ثاني أعلى رصيد من مقاعد الانتخابات النيابية الأخيرة، فإن رد الفعل السريع للحزب الديمقراطي من خلال ابعاد وزراء التغيير الأربعة عن حكومة الإقليم ورئيس مجلس البرلمان عن منصبه، إضافة إلى طرد القنوات الفضائية الكردية المتهمة باثارة الأزمة من أربيل ودهوك، كل ذلك عبر عن خلفية عميقة للخلافات بين أحزاب أربيل وأحزاب السليمانية.
وبغض النظر عن الجهات المحرضة على العنف، فقد كشفت التظاهرات وأعمال العنف واستهداف مقرات الأحزاب الحاكمة، عن غضب جماهيري لعدم قدرة تلك الأحزاب الاتفاق على حل مشاكل الإقليم.
وإذا كان العامل الاقتصادي وقطع رواتب الموظفين لعدة أشهر هو السبب الأقوى في إثارة التظاهرات بهذا الشكل، فإن هناك أسبابا أخرى لموقف الجمهور في الشارع الكردي ظهر من خلال تبادل التهجم والانتقادات بين الأحزاب نفسها. فقد اتهم الحزب الديمقراطي بزعامة بارزاني، حركة التغيير بأنها وراء تحريض المتظاهرين على مهاجمة مقرات الحزب في السليمانية، ولكن التغيير نفى أي علاقة له بذلك بدليل تعرض بعض مقراته للهجمات عازيا موقف الجمهور إلى تراكم الأزمات في الإقليم وسيطرة حزب بارزاني على مقاليد السلطة وتمسك بارزاني بمنصب رئيس الإقليم، بل إن رئيس كتلة التغيير في مجلس النواب هوشيار عبد الله، أعلن أن «الحزب الديمقراطي لديه أجهزة بوليسية في أربيل منعت أي تحرك للمواطنين وهذا يعد نوعا من الكبت» معتبرا أن «منع رئيس برلمان كردستان من دخول أربيل يعتبر انقلابا على الشرعية والقوانين»، منوها إلى أن «الأنظمة الرئاسية في المنطقة تتحول إلى نوع من الدكتاتورية والكارثة ونحن نخشى من ذلك». ومن الأسباب الأخرى هي سوء العلاقة بين الإقليم والمركز منذ سنوات وغياب الحلول وخاصة في ملف تصدير النفط من الإقليم وكركوك وعائداته، حيث انعكس الخلاف على شكل قطع بغداد رواتب الإقليم لأشهر عديدة منذ العام الماضي بعد تبادل الاتهامات بين الطرفين بعدم الالتزام بالاتفاقيات المعقودة بينهما، وهو ما شكل ضغوطا على المواطن الكردي. يضاف إلى ذلك التحدي الأمني المتمثل بتنظيم الدولة الذي لديه حدود مشتركة مع الإقليم تصل إلى ألف كيلومتر، وضغوط أكثر من مليون ونصف المليون نازح من مناطق القتال يقيمون في الإقليم منذ أكثر من عام.
ويشير القيادي الكردي المخضرم محمود عثمان، إلى ان من أسباب تأزم الوضع هو انعدام الثقة بين الأحزاب وعدم وجود موقف موحد تجاه الأزمات، معبرا عن اعتقاده بأن هناك تأثيرات على قادة الأحزاب من بغداد وإيران وتركيا وغيرها.
ويذكر ان الخلافات بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني مرت بفترات كان من أخطرها عام 1995 و 1996عندما وقع صراع مسلح بين قوات البيشمركة التابعة للطرفين ذهب ضحيتها الآلاف من الشعب الكردي.
ومن ناحية أخرى، ومع تأزم العلاقة بين الحزب الديمقراطي وحركة التغيير ووصولها إلى القطيعة بعد ابعاد الوزراء الأربعة من حكومة الإقليم ورئيس برلمان الإقليم (الأعضاء في الحركة)، وتسرب أخبار عن نية الحزبين الديمقراطي والاتحاد الوطني على تشكيل حكومة جديدة لا مكان فيها لحركة التغيير. وإذا ما تم تنفيذ ذلك فانه سيكون مؤشرا على تعمق الأزمة السياسية في الإقليم بعد مرحلة التوافق السابقة.
ويعتقد مراقبون أن الاتحاد الوطني بزعامة جلال طالباني هو أكثر المستفيدين من الأزمة الأخيرة، وأنه سيحاول الاتفاق مع حزب بارزاني للتخلص من حركة التغيير التي تعتبر المنافس الأكبر للاتحاد في السليمانية خاصة وانها حققت تقدما على حزب طالباني في المحافظة وفي كركوك خلال الانتخابات النيابية الأخيرة.
وجاءت تصريحات القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي احمد بيرة لتؤكد ذلك عندما أشار إلى «ان الحزبين الديمقراطي والوطني هما من يتوليان حماية إقليم كردستان وانهما مقربان إلى بعضهما أكثر من الجهات الأخرى».
وبالنسبة لموقف الأحزاب الأخرى من الأزمة مثل الجماعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي الكردستاني، فهي تجامل الحزبين الكبيرين لتواجدها في مناطق الطرفين ولقلة مقاعدها النيابية. الخاسر الأكبر في هذه الصفقة إذا حصلت، هي حركة التغيير من خلال ابعادها عن الحكومة ورئاسة البرلمان. إلّا أن ذلك من ناحية أخرى قد يكون عامل قوة للتغيير لأنها ستأخذ موقع المعارضة في برلمان الإقليم والبرلمان الاتحادي، حيث يمكنها التسبب في احراج حكومة الإقليم من خلال التركيز على السلبيات والأخطاء في سياستها، كما ستتمكن من بناء قاعدة جماهيرية تعزز موقفها في الانتخابات المقبلة عام 2017.
أما موقف حكومة بغداد من الأزمة الأخيرة فقد اكتفت بمراقبة الوضع من بعيد وإجراء اتصالات هاتفية من رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الحكومة حيدر العبادي بمسعود بارزاني وتأكيده على الحوار بين الأحزاب الكردية وكذلك فعل رئيس مجلس النواب سليم الجبوري الذي أبدى الاستعداد للتوسط بين الطرفين. ولكن الموقف الأخطر صدر من رئيس كتلة دولة القانون نوري المالكي الذي أعلن أنه لو كان رئيسا للحكومة لأرسل قواته لفض الخلافات في الإقليم. ولا تخفي الكتلة الشيعية عبر وسائل إعلامها وتصريحات نوابها، ارتياحها والتشفي بأزمة الإقليم وتوجيه الانتقادات إلى مسعود بارزاني لتمسكه بمنصب رئيس الإقليم وعدم حل المشاكل مع بغداد.
ولم يكن العامل الخارجي بعيدا عن أزمة الإقليم، حيث قام وفد أمريكي كبير بزيارة إلى أربيل للقاء بمسعود بارزاني والإعلان عن دعمه له لأهمية استقرار الأوضاع في الإقليم وتفرغه لمحاربة تنظيم الدولة مع تأكيده على الحوار بين الأطراف في الإقليم. كما قام ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق بزيارة أربيل ولقاء بارزاني مبديا الاستعداد للمساهمة في حل الأزمة. وانتقدت بعض المقالات في وسائل الإعلام في أربيل الدور الإيراني في تأجيج الخلافات بين الأحزاب في الإقليم التي ساءت علاقة حكومته مع حكومة بغداد الحليفة لإيران.
وفي كل الأحوال، فالمؤكد أن التطورات السياسية المقبلة على إقليم كردستان ستشهد مزيدا من التأزم والتشنج بين الأحزاب الرئيسية وتؤثر على التوافق السياسي الذي كان الإقليم يتباهى به عند المقارنة مع وضع بغداد الذي يتسم بانعدام الثقة وتبادل الاتهامات والصراع على السلطة.

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية