يمكن وصف التطورات الجارية في كردستان العراق، بأنها أزمة تلد أزمات، ولن تتوقف عند حدود المظاهرات، والخطوات الانقلابية المضادة من قبل رئيس الإقليم مسعود بارزاني الذي منع رئيس برلمان الإقليم المنتخب، يوسف محمد، وأعضاء البرلمان عن حركة التغيير ووزرائها في الحكومة، من دخول أربيل وممارسة عملهم، رغم أن رئيس البرلمان والنواب يحظون بحصانة دبلوماسية!
وبدا واضحا أن بارزاني المنتهية ولايته، أصدر أوامر بمنع ممثلي الشعب الكردي من التنقل في بلدهم بحرية، وأداء واجبهم الدستوري، ليوجد أزمة جديدة بدلا من السعي لحل الأزمة الأولى التي اندلعت في العشرين من اب/أغسطس الماضي لتفتح معها نقاشا عريضا عن شرعية رئاسة الإقليم.
في هذا التاريخ انتهت ولاية السنتين لرئيس الإقليم مسعود بارزاني التي مددها له البرلمان بعد ولايتين دستوريتين بدأتا عام 2005.
وبينما يصف معارضو بارزاني منع رئيس البرلمان وأعضائه من ممارسة عملهم في أربيل، بـ«انقلاب» كامل الأركان على الديمقراطية والشرعية، يقلل أنصار مسعود من أهمية «هذا الاشكال» وهم يروجون لمقولة يكررها «المستبدون» في حالات مشابهة: إن المنع جاء لأغراض الأمن والسلامة!
وقال مسؤولون في أربيل إن «حكومة إقليم كردستان حكومة ائتلافية يشترك فيها الجميع ولا يمكن لأي حزب مشترك في الحكومة ولديه وزراء ان يقوم بتحريض الشارع الكردي على الخروج في تظاهرات ومهاجمة مقرات لأحزاب أخرى». وقد كثف حزب بارزاني من حربه الإعلامية في هذا الاتجاه وذكر أن عدم السماح لرئيس برلمان كردستان بدخول مدينة أربيل جاء لعدة أسباب، منها أن رئيس البرلمان نفسه كان له دور مشارك في افتعال الأزمة التي يشهدها الإقليم، وأن «الحزب الديمقراطي الكردستاني يخشى من غضب المتظاهرين في أربيل الذي قد يهدد سلامة رئيس البرلمان»!
في المقابل يرد المعترضون على مسعود أن رئيس برلمان كردستان يمثل أعلى سلطة تشريعية في الإقليم، ولا يمكن منعه من دخول أربيل، وأن الحجة بأن المنع جاء لغرض الحماية،«ضحك على الذقون»!
ويسخر المعترضون من هذه «الذريعة» ويتساءلون:«لو كان هذا الكلام صحيحا، فأنه يمثل مشكلة كبيرة ليست من مصلحة كردستان، لان أربيل إذا كانت لا تستطيع حماية رئيس برلمان كردستان فكيف تحمي المواطنين العاديين»؟!
انقلاب
عموماً «إنقلاب» بارزاني هذا لم يبدأ بمنع رئيس البرلمان من دخول أربيل، وهو نفسه الذي استدعى رئيس النظام السابق صدام حسين، واستعان بقواته ضد أشقائه الكرد من قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة منافسه جلال طالباني، وطردها من أربيل في 31 اب/أغسطس العام 1991.
ومنذ ذلك اليوم باتت قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني تتحكم بالكامل في أربيل، وتفرض إجراءات «الدولة المستقلة» فيها، ولم تسمح لأحد بالدخول إليها والعيش فيها إلا بموافقة الحزب «الديمقراطي» وأجهزته الأمنية.
وبدا واضحا أيضاً أن زعماء وقادة الاتحاد الوطني وحركة التغيير، من جهتهم لا يثقون بـ«ديمقراطية» خصمهم، وأبقوا على مكاتبهم الرئيسية في السليمانية، ويبررون ذلك بالخشية من «التصفيات» والاختراقات الأمنية، ورصد تحركاتهم وإتصالاتهم.
ومنذ ذلك التاريخ، «استعانة» بارزاني بصدام الذي قتل الأكراد بالكيميائي دون أن يرف له جفن، لم يسمح بارزاني بدخول شرطي أو جندي واحد، من قوات الاتحاد الوطني الكردستاني إلى أربيل، عدا الحمايات الشخصية لقادة الاتحاد الوطني وبقية الأحزاب الكردستانية. وتصرف مع المدينة، كأنها جزء من أملاكه الشخصية هو وعائلته. ولهذا يمنع من يشاء من دخولها، ودخول برلمان الإقليم، الذي يقول معارضوه ان بارزاني تجاوزه بـ«ديمقراطية» الأسرة الحاكمة!
التمديد المرفوض
يصر المعترضون على بارزاني، أن منع رئيس البرلمان وهو من حركة التغيير «كوران» من دخول أربيل، وعزل أربعة وزراء تابعين للحركة، ليس رد فعل إعتباطيا، وليس وليد لحظته، وإنما هو مخطط دُبِّر بليل، تم التخطيط له بعناية حتى قبل اندلاع المظاهرات الأخيرة والمستمرة.
كما أن استهداف «ديمقراطية» بارزاني، حركة التغيير دون غيرها، يثير تساؤلات عن خطة بعيدة المدى لتكريس «امبراطورية العائلة» وتعزيز سلطة «الأسرة الحاكمة» في أربيل والمدن التابعة لها أو الملحقة بها فيما لو فشل الكردستاني، بارزاني، من إقصاء حركة التغيير التي ترفض بشكل قاطع، التمديد مرة أخرى لمسعود بارزاني، فيما الاتحاد الوطني والجماعات الإسلامية، قبلوا وفق صيغة توافقية «تقسيم الكعكة» بالتمديد لبرزاني.
هكذا يقولون
حركة التغيير المعروفة بكوران برئاسة نوشيروان مصطفى هي ثاني الأحزاب الكردية تمثيلاً في البرلمان بأربعة وعشرين مقعدًا، وهي تعمل وفق اسمها، على إيجاد تغيير جدي في الحياة السياسية والاجتماعية للأكراد، بعيداً عن النظام العائلي والعشائري والاقطاعي السائد. ولهذا فان حركة التغيير ترفض حتى الآن تأسيس ميليشيا عسكرية، كما هو الحال مع الحزب الديمقراطي بزعامة بارزاني والاتحاد الوطني ليواجه بارزاني.
ويواجه قادة التغيير ما يصفونها محاولات بارزاني زرع الخلاف بين أحزاب المعارضة الكردية، وأن تجاوز «الشرعية» يأتي أيضاً لإظهار العين الحمراء مع أحزاب المعارضة الأخرى لتنأى بنفسها عن حركة التغيير، وتقبل بالتمديد لرئاسة بارزاني مدى الحياة، وبالتوريث الأسري!
حلم يتهاوى
ما لم تتدخل أطراف إقليمية ودولية (ربما إيران)، لنزع فتيل أزمة تلد أزمات، فان المرجح في المدى المنظور أن لا يهدأ كردستان العراق، وستستمر أطراف الأزمة الراهنة بالتمسك بمواقفها، بما يكشف هشاشة الدعوة إلى إقامة دولة كردية مستقلة في شمال العراق.
صحيح أن تقسيم الإقليم إلى إقليمين وارد تماماً في ضوء التصعيد من الطرفين، وهذه واحدة من الأزمات الجديدة التي ستفرزها أزمة رواتب الموظفين، وما تلاها من أزمة «الشرعية «، إلا أن بناء الجدران وحفر الخنادق مع السليمانية، سيطيح وإلى الأبد بحلم الأكراد في إقامة دولة كردية مستقلة، وستكون كل إدارة من الإدارتين، قابلة للتقسيم أيضاً، مادام في داخل كل عراقي يملك شيئا من نفوذ وسلطة، يقبع دكتاتور اسمه صدام.
تطهير المالكي
وإذْ نجح مسعود بارزاني في أن يجعل النار تحت الرماد في كردستان العراق، إلى حين، ومنع إلى حد كبير ظهور «الاحتجاجات» في سنوات حكومة نوري المالكي، وتمكن من استغلال النزعة القومية الطاغية لدى الكرد، وتوظيف صراعه مع رئيس الوزراء السابق لصالح التمدد أكثر «حقوق الشعب الكردي» وبالتالي الظهور كبطل قومي لا يتخلى عن «الحقوق المسلوبة» من حكومة بغداد، فانه اليوم وخصوصاً بعد توقيع الاتفاق النفطي مع بغداد- كان في صالح الإقليم تماما- وبعد مجيء رئيس وزراء جديد في بغداد هو حيدر العبادي الذي أذعن بشكل كامل لمطالب حكومة الإقليم بالرغم من عدم مشروعيتها الدستورية، يفقد أوراقاً قوية للبقاء في الحكم، مع وجود دستور وقانون لإقليم كردستان يلزم مسعود بارزاني بان يتخلّى عن رئاسة الإقليم بعد انتهاء مدة التمديد التي منحت له من قبل برلمان إقليم كردستان قبل سنتين. وإذا لم يفعل …فلن يكون في نظر شعبه الكردي سوى صدام كردي، ليس في السليمانية وحدها التي تبدو على شفا «الاستقلال»عن الإقليم، بل في نظر الأكراد كلهم، وفي أربيل التي لن تتحمل حكم «الأسرة الواحدة»، وهي تتطلع للتغيير.
فالتغيير ليس إلا سنَّة الحياة أو أزمة تلد أزمات.
نجاح محمد علي