عمليا، وكما تبدو الامور في وسائل الإعلام، فان السيناريو الذي يخافون منه في اسرائيل على خلفية العمليات الاخيرة هو التدهور إلى انتفاضة ثالثة. إلا أن اسرائيل تعرف كيف تواجه الانتفاضة. يبدو أنه تحت الارض يوجد خوف من شيء آخر، حرب اهلية بين اليهود والعرب.
الطريقة التي اشتعلت فيها مناطق طبيعية مثل يافا في لحظة، والسرعة التي تحول فيها الطعن والاعدام في الشوارع إلى روتين، هي ضوء تحذير بارز. عندما نفكر باسرائيل على اعتبار أنها دولة غربية ديمقراطية، كما هي فعليا إلى حد كبير، فان تعبير حرب اهلية يبدو غير صحيح. لكن عندما نصفها بأنها دولة شرق اوسطية كما هي فعليا إلى حد كبير، فان مسألة اندلاع الربيع الفلسطيني في اطار الربيع العربي تبدو اكثر ملموسية.
على خلفية ذلك يمكن صياغة استنتاج واحد مؤكد: الاحداث الاخيرة تعني انتهاء خيار الدولة الواحدة. وقد تحول هذا الخيار إلى موضة في السنوات الاخيرة وبالتحديد في الاكاديميا، ومن هناك وصل إلى النخبة والجيل الشاب عند القوميتين. في اليسار واليمين الراديكالي اليهودي، وايضا في اوساط عرب اسرائيل والفلسطينيين، يعتبرون الذين يؤيدون خيار الدولتين قدماء. البروفيسور نديم روحانه ود. أريج صباغ خوري اللذان يعتبران الصهيونية مشروعا استعماريا واستيطانيا يصفان المراحل التي مر بها العرب في اسرائيل في الطريق إلى تبني هذا الموقف. حتى 1966 عاشوا تحت النظام العسكري. وفي الفترة بين 1967 وحتى 1980 أيدوا الدولة الفلسطينية وسعوا إلى المساواة في الحقوق في اسرائيل والاستعداد للتعايش مع التوتر بين اعتبار الدولة يهودية وبين اعتبارها ديمقراطية. منذ التسعينيات وعلى خلفية خيبة الأمل من اتفاقات اوسلو، وبالذات منذ احداث تشرين الاول 2000، كان التوتر بين عنصر اليهودية في تعريف اسرائيل وبين عنصر الديمقراطية يعتبر تناقضا غير ممكن، ويمكن تجاوزه فقط في حال اصبحت اسرائيل دولة جميع مواطنيها.
تبخر آمال اوسلو والازمة السياسية منذ الانتفاضة الثانية، دفع الكثيرين من اليسار الصهيوني إلى استنتاج مشابه. وحتى يتم تحقيق المساواة الكاملة ويشمل ذلك التنازل عن الامتيازات الممنوحة لليهود في اسرائيل لن يكون هناك تعايش حقيقي. معروف أن خيبة الأمل السياسية من فشل محاولات اليسار الكلاسيكي في الوصول إلى الحكم، دفع إلى البحث عن آفاق جديدة.
لكن الاغراء في الحياة المشتركة والمتساوية الكامن في خيار الدولة الواحدة غير قابل للتطبيق. هذه وصفة نظرية فقط، والاحداث الاخيرة تثبت امكانية اشتعال العلاقات بين اليهود والعرب التي تحمل اثقال تاريخية ودينية قوية. الدولة الواحدة لن تنهي الصراع بل ستزيد من السلوك المعادي بين الجماعات، حتى وإن كان من يقوم بذلك أقلية متطرفة.
الحاجة إلى الفصل تبرز في السياق الاوسع. لو كان يمكن بعد اقامة الجسم الاوروبي التفكير بأن العالم يسير باتجاه تشويش الهويات القومية، فان بداية القرن الواحد والعشرين تثبت أن الهويات القومية مع تداخل الهويات الدينية الغريبة، آخذة في القوة. دولة جميع مواطنيها التي يمكن التغاضي فيها عن التجربة التاريخية لليهود ستنتهي مثل يوغسلافيا. لذلك، رغم تحول موضوع اخلاء المستوطنين إلى أمر معقد مع مرور الوقت، فانها ما زالت مهمة سهلة مقارنة بمواجهة الحرب الاهلية.
فكرة التقسيم طرحت للمرة الاولى من البريطانيين في 1936، بعد التمرد الوطني الفلسطيني الاول. وقد خرجت هذه الفكرة من الموضة بعد 18 عقدا. لكن سهولة العنف الحالي لا تترك خيارا آخر.
هآرتس 18/10/2015
آفي شيلون