يعرف أبو مازن أنه شفاف في نظر الاسرائيليين ومكشوف تماما. ليس له دقيقة من الخصوصية. لا يمكنه أن يتحرك، ان يجري حديثا بل وحتى أن يهمس لذاته خارج الرادار. وحتى عندما يجمع مقربيه، يمازح اطباءه أو يستضيف زوارا من العالم، كما اشتكى اكثر من مرة، «يجلسون» عليه. احيانا، في ذروة وقاحتهم، يحرص اصحاب الاذان الطويلة على تحذير الاجهزة الفلسطينية باننا «نعرف»، نشي به للدول والمنظمات ونسرب ضده لوسائل الإعلام.
يعرف «جامعو المواد» المزاج المتقلب لدى أبو مازن، وضعه الصحي، سلوكه المالي، التفاصيل الاكثر حميمية في دائرة العائلة، وكذا الخطوات التي يتخذها كي يمنع الخلافاء المحتملين من رفع الرأس. وخلافا لصورة الجد الطيب التي اجتهد لخلقها لنفسه، لدينا يرون ايضا جوانب اخرى.
عندما يهدد بتحطيم الاواني والذهاب إلى البيت، فان من يجلسون عليه مستعدون لان يقسموا بأن «المواد» تفيد بأن ليس له نية لتسليم المفاتيح. خليفة واحد، محمد دحلان، القي به ويدير ضده حرب تشهير. مدع آخر للتاج، مروان البرغوثي، يجلس في السجن الاسرائيلي وابو مازن لا يقلب من أجله السماء والارض. رئيس الوزراء سلام فياض أطاح به، عبدربه ذهب، بقينا مع صائب عريقات. ماذا سيحصل في اليوم الذي ستفعل الطبيعة فعلها؟ كابوس لاسرائيل، يوم أمر لقيادة حماس.
في الأيام الأخيرة وقع خلل: في الجانب الاسرائيلي قدروا، بفضل «المواد»، بأن ابو مازن سيستغل خطابه للدعوة إلى وقف انتفاضة السكين. هذا لم يحصل. خطاب الكذب الكبير للرئيس الضعيف، الذي يدير معركة بقائه، من تحت الرادار الاستخباري. هذا الخطاب، بالمناسبة، اثر ضده ليس فقط الاسرائيليون.
وهكذا بدأ هذا: في صيف 1993، قبيل التوقيع على اتفاقات اوسلو، وصل وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتس لزيارة عمل في مقر م.ت.ف في تونس. وخرج عملاء السي.اي.ايه لتنفيذ الفحص الاعتيادي في مكتب عرفات، للتأكد من أنه لا توجد أجهزة تنصت. فكل العالم اراد أن يعرف ماذا يحصل في الوقت الحقيقي. ابو مازن أصر على أن يجرى فحص مشابه في مكاتبه ايضا. فقلب العملاء الاثاث وخرجوا مع الغنيمة: جهاز تنصت في الكرسي وجهاز آخر في المصباح. عدنان ياسين، ضابط العمليات الخاصة في م.ت.ف اعتقل بصفته المشبوه الفوري. حقق معه واعترف بانه جنده «طبيب من مصر» في مستشفى في فرنسا واشترى بثمن لقطة من «تاجر اثاث فرنسي» كرسي طبي مناسب لالام ظهر ابو مازن، وايادي مهنية أدخلت اليه «جهاز تنصت». من غرس اجهزة التنصت ارادوا التأكد من ان شفتي وقلب «عراب اتفاقات اوسلو» متساويان. وانه يقول للاسرائيليين ويعدهم ما يفكر به ويخططه حقا. ابو مازن، كما هو مهم التأكيد، خرج نقيا. قال، قصد، قاد وتحدث بلغة واحدة.
مرت منذئذ 22 سنة. الزمن، الاحباط والجمود السياسي فعلت فعلها. نتنياهو سيلتقي هذا الاسبوع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في برلين كي يجد سببا لعقد قمة في قصر الملك عبدالله. الجميع يتجولون مع بطن مليئة: نتنياهو على كيري، على ابو مازن، وكذا على الملك الاردني الذي أعلن بان الهاتف الاحمر من القدس مقطوع من طرفه. واضح لابو مازن انهم لن يتحدثوا عن مسيرة سياسية يمكنه أن يسوقها لديه في البيت. الملك عبدالله يتجول مع ألم بطن بسبب ما قد ينفجر مرة اخرى في الحرم. من جهة عليه أن يهديء المظاهرات التي تتصاعد داخل المملكة، ومن جهة اخرى لديه اسباب، محفوظة عنده، كي لا يطرد السفيرة الاسرائيلية من عمان.
ابو مازن ليس غبيا. فهو داهية كعرفات، بلا كاريزما سلفه وأقل ذكاء منه. وحتى لو دعوه إلى قمة في الاردن، وحتى لو خرجت من هناك تصريحات نوايا لاستئناف المسيرة، يعرف أن الثمار إذا كانت على الاطلاق ستسقط في ايدي من سيأتون بعده. اما هو فلم يعد منذ الان شريكا.
سيكتب كاتبو سيرة الرئيس ابن الثمانين عن شخصيته المأساوية لمن بدأ مع النوايا الصحيحة، فوت الفرص، فقد القوة وهبط إلى الحفر. بعد الخطاب الاخير ينظرون اليه عندنا كمن لا صلة له. وحتى لو مدوا له اليد، فلن يعرضوا عليه حلا يصمد.
يديعوت 18/10/2015
سمدار بيري