لا صوت يعلو على صوت الانتفاضة في فلسطين، ولا دماء تعلو على دماء الفلسطينيين الطاهرة، ولا قضية تجمع شتات هذه الأمة كما تفعل القضية الفلسطينية، ولا قِبلة تهوي إليها الأفئدة كما القدس.. القدس وحدها هي القاسم المشترك الأكبر للأمة.
الانتفاضة الفلسطينية الثالثة تمكنت من تغيير المزاج العربي العام بصورة شبه كاملة، خلال أيام قليلة من اندلاعها، وحولت أنظار العرب واهتمامهم إلى فلسطين التي غابت عن الأمة وتنحَّت عن سُلم الأولويات طوال السنوات الخمس الماضية، وخلال أيام قليلة من اندلاع الأحداث في القدس والأراضي الفلسطينية، كان من الممكن تسجيل المظاهر التالية:
أولاً: الاحتلال الإسرائيلي يواجه جيلاً جديداً من الفلسطينيين، جيلاً يخوض أولى تجارب المقاومة، فالشهيد مهند حلبي منفذ عملية الطعن الأولى، ومعلن «الانتفاضة الثالثة» عبر صفحته على «فيسبوك»، يبلغ من العمر 19 عاماً فقط، أي أنه كان يبلغ من العمر 4 سنوات فقط عندما اقتحم آرييل شارون الحرم القدسي في عام 2000، أي أن حلبي لم يقذف حجراً واحداً باتجاه الإسرائيليين، ولم يكن يعي ما الذي يدور حوله خلال انتفاضة الأقصى الثانية، كان طفلاً حينها، أما اليوم فهو يمثل جيلاً جديداً من الشعب الفلسطيني.
ثانياً: كشفت الانتفاضة الثالثة عورات العرب، وقامت بتعرية الأنظمة العربية كما لم تتعرَ من قبل، فالأنظمة التي كنا نعايرها على جيوشها النائمة، ودباباتها التي صدأت، تحركت لتحارب هذه المرة، لكنها تحارب شعوبها من أجل التمسك بالحكم، ولم تطلق رصاصة واحدة لردع الاحتلال الإسرائيلي عن عدوانه وجرائمه، بل حتى لم تهدد الإسرائيليين.. إنه العار ولا شيء سوى العار لهذه الأنظمة.
ثالثاً: أعادت الانتفاضة الجديدة توحيد الشعب الفلسطيني بعد ثماني سنواتٍ عجاف من الانقسام السياسي الحاد، ليثبت الفلسطينيون مجدداً أنهم فوق القيادة السياسية، وأنهم ليسوا قطيعاً يقوده زعيم أو فصيل، وأن الضفة الغربية وقطاع غزة وطن واحد لا يتجزأ، وأن الانفراد الاسرائيلي بأي منهما لا يمكن أن يمر مرور الكرام، رغم الحروب الدموية الثلاثة التي استهدفت القطاع، وكادت تؤكد على أن غزة وحدها في المعركة.
رابعاً: غرقت شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت بالأخبار والصور والفيديوهات القادمة من فلسطين، ما يعني أن بوصلة الأمة لا تضل الطريق، ولا تخون العهد، وأن الانشغال بالصراعات الداخلية في العالم العربي، لا يعني مطلقاً أن العرب تخلو عن قضيتهم الأولى.. رغم أن الحراك العربي المناصر لفلسطين في الشارع لا زال دون المطلوب والمأمول، ولا زال يبعث على الخجل، إلا أن ما تشهده صفحات الإنترنت يؤكد أن عدم الخروج إلى الشارع مرده موجة الاستبداد والقهر التي تشهدها الدول العربية، وحالة استعار الأنظمة ضد شعوبها، وليس عدم الاكتراث بفلسطين وانتفاضتها.
خامساً: بعد عشرة أيام فقط من اندلاع الانتفاضة الثالثة في القدس، وتصاعدها في مختلف المناطق الفلسطينية، بدأ الاقتصاد الإسرائيلي يتكبد خسائر قاسية، وهي الخسائر التي لا يتلفت اليها الكثيرون من خبراء الأمن والسياسة، لكنها أحياناً ما تكون الأكثر إيلاماً، خاصة إذا كان الحديث يدور عن نظام رأسمالي يعمل بنظرية السوق، والعجلة التي تدور ويجب أن لا تتوقف.
قبل أيام قليلة فقط أصدرت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني تقريراً توقعت فيه أن ينزلق الاقتصاد الاسرائيلي نحو الركود، ما لم ترفع الحكومة الاسرائيلية من الانفاق العام، خاصة في ظل التراجع المتوقع في ايرادات القطاع السياحي من الان وحتى نهاية العام الحالي. وخلال النصف الأول من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي (أسبوعين فقط) خسرت شركة الطيران الاسرائيلية «العال» أكثر من 8.5٪ من قيمتها السوقية، وسط توقعات بأن تتكبد المزيد من الخسائر إذا استمرت الأحداث، خاصة إذا اضطرت الشركة لإلغاء رحلات وإعادة جدولة رحلات أخرى، رغم أن الأحداث لم تصل إلى تل أبيب أصلاً، وإنما هي مجرد مخاوف حتى الان. أما الأهم من ذلك، فهو التقرير المرعب الذي صدر في تموز/ يوليو الماضي عن وزارة المالية الاسرائيلية، نشرته جريدة «ذا تايمز أوف اسرائيل»، وتحدث عن الخسائر المحتملة للاقتصاد الاسرائيلي في حال تصاعدت وتيرة مقاطعة اسرائيل دولياً، حيث تحدث التقرير عن خسائر سنوية تزيد عن 10.5 مليار دولار، إضافة إلى أن آلاف الإسرائيليين سوف يفقدون وظائفهم. صدر ذلك التقرير خلال الصيف وقبل الأحداث الراهنة التي جددت الدعوات لمقاطعة اسرائيل. هذه الدعوات التي تصاعدت وتيرتها خلال التظاهرات الأخيرة في لندن وباريس وروما واسطنبول وفي العواصم العربية. وربما يكون سلاح المقاطعة هو الأكثر إرعاباً للاسرائيليين من أي سلاح آخر.
يكشف التقرير المشار إليه، وهو من ست صفحات، أن اسرائيل كانت خلال السنوات الماضية تخسر 130 مليون دولار سنوياً، بسبب مقاطعتها اقتصادياً، وكان نحو 500 اسرائيلي يفقدون وظائفهم سنوياً للسبب ذاته، أما إذا تصاعدت وتيرة هذه المقاطعة فإن الخسائر سوف تتفاقم ككرة الثلج لتتجاوز العشرة مليارات دولار سنوياً وسوف يفقد آلاف الاسرائيليين وظائفهم.
تتجدد الانتفاضة الفلسطينية، وتتجدد دماء الفلسطينيين التي لا تجف، وتعود بوصلة الأمة إلى نصابها الطبيعي، بينما يعود أطفال فلسطين لتعرية الأنظمة العربية وجيوشها التي لم تعد تخجل عندما تحارب شعوبها بكل ما أوتيت من قوة وتترك الأطفال والنساء وحدهم في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش