المهلكة السورية… البشرية في طورها الأفظع

حجم الخط
1

سوريا باتت أكثر من رقعة ساخنة، تدور عليها أكثر حروب الشرق الأوسط ضراوةً، فقد حولتها صروف الأقدار البشرية، لتكون الشاهد الكوني المعاصر على اختلال العالم، والبلد الذي كشفت فجيعته المدوية، عن عودة التاريخ البربري، مرتدياً كل اسلحة الحداثة، وجارفاً بلا هوادة كل الخطوط الحمراء، التي وضعها حراس القوانين السماوية والأرضية، منذ بزوغ فجر الحضارة. ما يجري في سوريا ليس صراعاً سياسياً وعسكرياً، متعدد العناوين الداخلية والخارجية فحسب، إنه محطة فارقة ومفصلية في نظرة الشعوب المُستباحة، لتحولات فلسفة الحقوق والحريات، التي لا حدود لانتهاكها اليوم على مذبح التنكر والحياد والنفاق. محطة لا تكف منذ خمس سنوات عن امتحان الأفكار والقيم والمشتركات، التي قام عليها المجتمع الإنساني في تمثلاته الدولية الراهنة، وبوسع أي جماعة فكرية أو سياسية على وجه البسيطة، أن تطلق تساؤلات وجودية في غاية الوضوح المأساوي، بعد أن كشفت المأساة السورية العالقة بين أنياب الوحوش، محنة الحضارة وتناقضاتها الخُلقية الكبرى، ومفارقات اللاعقلانية السياسية، في عالم يرى بعين المصالح وحدها، ويسير بلا بصيرة على إيقاع الفوضى القاتلة.
هنا حيث يُعاقب شعب بالموت الجماعي وبكل صور القهر والإفناء، فقط لأنه أراد أن يتحرر من عسف الاستبداد والفساد، فإذ بالمحارق تحاصره من كل حدبٍ وصوب، واللاعبين على دمه وآلامه، يشنون حروبهم المقدسة تحت سقف الوطن، الذي هندسه الأسد الأب كي يكون بوابة الجحيم، لكل من يفكر بالخلاص من سجن السلالة الحاكمة. هنا في سوريا التي تدفع ضريبة تفجر ألغام التاريخ وأحقاده السوداء، وأثمان شرقية وغربية تصالبت على حلمها الثوري الغض، تنهض لعنة القوة العارية في تجلياتها الأعنف، وتذوب لغة الثارات الدينية في مطاحن الأطماع السياسية، ومن وضعوا حجر الأساس لتعويذة «الإرهاب الإسلامي»، يكتبون الفصل الأخير من مكر التاريخ، في ما الدم السوري المهراق يستصرخ بلا جدوى، بعد أن دشنت فلسفة الزوغان عن مناصرة الضحية، عصر الثورات اليتيمة.
يقين السلام في الردع المتوازن الذي كاد يترسخ بعد الحربين العالميتين، وقبل أفول القرن المنصرم، ذهب أدراج الرياح، مذ فشلت الإرادة الدولية في وقف المجازر الأسدية ابتداءً، فكيف والصمت على جرائم إيران، وتالياً روسيا بعد عدوانها المباشر على سوريا، لا يقوض ما تبقى من أي اعتبار أو مكانة لضمير المجتمع الدولي، الذي كانت أمريكا في دفاعها المستميت عن جرائم إسرائيل التاريخية بحق الفلسطينيين، وفي عدوانها على العراق عام 2003، أكثر من وجهت له صفعات الإذلال والاستضعاف بلا تردد. هكذا يحصد الشعب السوري دفعةً واحدة، وبما يتجاوز كل طاقته على احتمال عسف الاستبداد والتاريخ معاً، الثمن الدموي الباهظ لتلاعب الدول النافذة، في قضايا الشعوب التواقة للعدل والحرية، ولتغييب منطق القانون وآلياته القضائية، في محاكمة المسؤولين عن الجرائم الدولية، في معمعان المساومات السياسية القذرة. وبدلاً من التعامل مع الحالة السورية، بما يصحح الاختلال الفاضح، في السياسات الدولية الموروثة عن الحرب الباردة، يتواصل مسلسل المظالم والكوارث الناجمة عنه في الواقع السوري، كما لم يشهد العالم من قبل أزمةً
دوليةً، على هذا القدر الحاد من الاستنزاف والخذلان، تحت ستار كثيف من التحايل السياسي، كرمى مصالح وحسابات اللاعبين بالفعل أو الامتناع عنه عمداً .في ضوء ذلك ثمة ما يسوغ للقول: إن إسقاط الربيع العربي في المستنقع السوري، مصلحة مضمرة، يتقاطع عليها كل من يخشى نجاح أطروحة التغيير في العالم العربي، ومن نافلة القول ذاته: لم تبدد دول الغرب في سلوكها حيال تجارب الربيع العربي، من سطوة الهواجس التاريخية من أدوار الهيمنة والتبعية، التي وسمت علاقتها بالدول العربية، بل أن القرائن والأدلة على تطبيقات «الفوضى الأمريكية البناءة» يحدونا لفهم ما يريده الغرب، من ربيع عربي ينهض على جماجم من يحلمون به ويسعون إليه. هذا ما يفسر معضلة الثورة السورية، في وقوعها بين حلف متراص، من الأعداء المتفاوتين في الخلفيات والمصالح، وبين حلف عائم من الأصدقاء المتناقضين، في تعريف هوية الثورة، وكيفيات التعاطي معها، وفي إسار تلك المعضلة المزمنة، لا ثقة لدى السوريين بالمبادرات السياسية، التي تُطرح بين الفينة والأخرى لوقف القتل والدمار، إذ لم تعد لديهم ثقة أصلاً بكل المنظومة السياسية والأخلاقية العالمية. ما يدعو للصدمة أيضاً من ردود الأفعال على المهلكة السورية، تحول تضامن الرأي العام الغربي مع قضية اللاجئين السوريين، إلى مصاف التعويض النفسي عن حقيقة الرواية الكاملة للكارثة السورية، وفي تضييع متن الرواية بأولوية الحرب الكونية ضد «داعش»، كيما يبقى إرهاب الأسد وإيران وروسيا الذي يتغذى على وجوده الإرهاب الداعشي، متسقاً مع الفزاعة الأمريكية من الإرهاب الأصولي متعدد الوظائف والأدوار، تلك الخديعة الكبرى التي ساهمت في تزييف الوقائع السورية، والتغطية على مخاضاتها وأوجاعها، تقـــــودها مخيلة مشبعة بصدام الحضارات، وتعليب مفهوم نيــــو امبريالي للشرق المريض، لا يَضيره مباركــــة أرثوذوكسية روحية، لمشاركة الدب الروسي، في إبادة أقدم وأعرق حضارة في تاريخ البشرية. المعضلة الأكبر في هذا السيل الجارف لمعنى الكرامة الإنسانية، تكمن في تكرار إنكار البشرية لسقوطها الأخلاقي المُدوّي، مع سقوط كل ضحية يطويها التجاهل والنسيان، من دون أن يدفعها الدم السوري الراعف، لمواجهة حقيقتها المؤلمة، وحقيقة من أسهموا في صنعها بكل شراهة و دهاء، إنها البشرية في طورها الأفظع.

٭ كاتب فلسطيني

أيمن أبو هاشم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية