لندن ـ «القدس العربي»: حتى الآن يظل المستفيد من الحملة الروسية على سوريا هما: «تنظيم الدولة» والتوتر الطائفي السني – والشيعي. ففي الغارات المتواصلة التي شنها الطيران الروسي منذ 30 أيلول/سبتمبر لم يحقق النظام السوري إلا تقدما بطيئا.
وبات من الواضح أن روسيا لم تأت لقمع الإرهاب الذي يمثله التنظيم الجهادي الذي يسيطر على تجمعات سكانية تمتد من الموصل شمال العراق إلى تدمر وسط سوريا.
وجاءت سيطرة التنظيم على قرى في ريف حلب مقدمة لما ينظر إليه خططا له للسيطرة على المدينة التي تعتبر استراتيجية خاصة أنها تمثل شريان الحياة له بسبب قربها من الحدود التركية.
ويرى ديفيد بلير في صحيفة «صنداي تلغراف» أن الحملة العسكرية التي يدعمها الطيران الروسي والقوات البرية الإيرانية ومقاتلو «حزب الله» إلى جانب قوات النظام السوري قد تعبد الطريق أمام سيطرة التنظيم على مناطق في غرب سوريا. ويقول بلير إن الحملة العسكرية التي دخلت أسبوعها الثالث تهدف لفتح الطريق أمام قوات النظام لاستعادة أهم مدينة في البلاد وهي حلب. ونشرت إيران حوالي 2.000 مقاتل من الحرس الثوري وقوات من «حزب الله».
ويتركز القتال في المنطقة الجنوبية للمدينة وعلى طول الطريق السريع الذي يربطها بالعاصمة دمشق.
واستعاد النظام السيطرة على ثلاث قرى يوم السبت، فيما تدور معارك في جبهة ثانية شرق المدينة وتهدف لتخفيف الضغط على القاعدة العسكرية التي يحاصرها المقاتلون المعارضون لنظام الأسد.
مخاوف
وينقل بلير عن دبلوماسيين غربيين مخاوفهم من العمليات العسكرية الروسية والإيرانية التي تستهدف مناطق ليست خاضعة لـ»تنظيم الدولة» بل تقع تحت سيطرة المعارضة.
ويرى الدبلوماسيون إنه في حالة تكبد هذه خسائر فادحة على يد التحالف الروسي- الإيراني فإنها ستعطي فرصة لـ»تنظيم الدولة» للسيطرة على مناطق جديدة خاصة في شمال حلب.
ونقل التقرير عن دبلوماسي غربي قوله «نشعر بالقلق من استهداف الحملة المدعومة من روسيا جماعات المعارضة المعتدلة بشكل يضعفها وسيستفيد «تنظيم الدولة» ويسيطر على مناطق أخرى».
ولاحظ المسؤولون الغربيون أن روسيا وضعت ملاحقة الجهاديين في سوريا على هامش حملتها العسكرية. فرغم تأكيد فلاديمير بوتين على أولوية قتال الجهاديين إلا أن نسبة 85% من الغارات استهدفت حركات المعارضة غير الجهادية.
ولم يشن الروس في الأيام الست الأولى من العملية أي هجوم ضد أهداف التنظيم في الرقة عاصمة ما يطلق عليها «الخلافة».
وبدلا من ذلك أصبح هدف الغارات هو مدينة حلب وما حولها. ويقول بلير إن الدعم الروسي يتجاوز الغارات الجوية ويشمل قصفا مدفعيا على مواقع المقاتلين ويتم تنسيق الهجمات من غرفة عمليات عسكرية مشتركة في بغداد وبتمثيل روسي وعراقي وإيراني وسوري. وأصابت الصواريخ الروسية مناطق مدنية حيث قتلت الطائرات الروسية في الأيام الستة الأولى 274 مدنيا وجرحت 700 آخرين، وذلك بحسب إحصائيات قدمتها منظمة «الخوذ البيض» وهي مجموعة متطوعين تقوم بعمليات الإنقاذ.
ويقول بلير إن الطيران السوري استغل العمليات الروسية وكثف من طلعاته ورمي البراميل المتفجرة على مناطق المدنيين.
وألقى النظام 356 برميلا متفجرا منذ بداية العملية العسكرية الروسية. وحاولت روسيا استعراض عضلاتها العسكرية بإطلاق صواريخ من بوارج حربية في بحر قزوين. ويرى محللون أن الكرملين يحاول تجريب آخر منتجاته العسكرية، خاصة طائرة السوخوي «سو-35» وهي مقاتلة متعددة المهام على السوريين. واستخدم الروس القنابل العنقودية.
وقامت منظمة «هيومان رايتس ووتش» بتوثيق استخدام القنابل هذه والتي تحظر المواثيق الدولية استخدامها. ومع ذلك فقد ألقت الطائرات الروسية هذه القنابل في 4 تشرين الأول/أكتوبر على جنوب- غرب حلب.
وينظر للتحركات على الجبهة الشمالية في حلب بنوع من القلق، فقد ظلت هذه الجبهة وطوال العام الماضي ساكنة تمترست فيها قوات المعارضة في المناطق التي تسيطر عليها فيما تمسك الجيش التابع للنظام بمناطقه.
وهذا هو الجانب الذي يشهد تحركات ولهذا السبب تشعر المعارضة بالقلق مما تشاهده حسب مارتن شولوف في صحيفة «أوبزيرفر».
نزوح جماعي
ونقل الصحافي عن زكريا الملفجي أحد مقاتلي «الجيش الحر» قوله إن النظام تقدم 6 كيلومترات يوم الجمعة واستعاد 3 قرى.
وقال «لقد أمطرنا الطيران الروسي بالقنابل وضرب حتى المدنيين، فهو يريد تعبيد الطريق أمام الدبابات السورية والقوات البرية أيضا».
ويواجه المقاتلون أكبر قوة يتمكن نظام بشار الأسد من تجميعها منذ بداية الحرب الأهلية في عام 2011 وتضم كتيبة إيرانية تمركزت على بعد 20 كيلومترا جنوب المدينة إلى جانب أعداد من مقاتلي «حزب الله» والميليشيات الشيعية القادمة من العراق وجيش النظام. وأصبح الوجود الإيراني واضحا فلم تعد طهران متحرجة من الحديث عن وجود لقواتها في سوريا.
وانضم مقاتلو «حزب الله» الذين شاركوا في المعارك في جبال القلمون إلى الجبهة الجديدة وسافروا جماعات إلى حلب. ونقل شولوف عن مواطن في الضاحية الجنوبية معقل «حزب الله» في بيروت «كل واحد من الإخوة الذين أعرفهم سافر إلى هناك» مضيفا «هذه هي المرة الأولى التي يختفون بهذه الطريقة وهم يقصرون مدة إجازاتهم».
وينقل التقرير عن مقاتلين في الجزء الشرقي من المدينة أن لديهم السلاح الكافي والعزيمة لمنع سقوط حلب الشرقية والتي يسيطرون عليها منذ عام 2012.
ويقولون إن شحنة من الصواريخ المضادة للدبابات وصلت إليهم من داعميهم السعوديين والقطريين والأتراك. ومع ذلك يواجه المقاتلون أزمة لأنهم سيواجهون تقدما عسكريا من ثلاث جهات.
ويقول الملفجي أن ما تبقى من سكان في الجزء الشرقي وظلوا عرضة للغارات السورية بدأوا بمغادرة المنطقة وفروا إلى القرى المجاورة.
ويقول أسامة أبو زيد وهو مستشار بارز للجيش السوري الحر إن الأيام الثلاثة الماضية شهدت زيادة في الهجمات حتى في المناطق التي يتقدم فيها «تنظيم الدولة».
وأضاف «تعتبر حلب مهمة لكل طرف، فبالنسبة لنا فهي خط الإمداد من تركيا لإحضار الطعام والسلاح.
وتحمل كذلك قيمة ثورية لنا، ففيها مقر قيادة الجيش السوري الحر ولهذا السبب يتقدم نحوها الروس». وأضاف أن النظام و»تنظيم الدولة» حاولا السيطرة على حلب العام الماضي وفشلا. ويعطي الروس تنظيم الدولة خدمة كبيرة .فهم يقدمون لهم غطاء جويا لضربنا من الأرض». ويشير شولوف إلى النقاش الدائر بين المقاتلين في حلب وإدلب خاصة بعد دخول الإيرانيين الحرب بشكل علني.
وتجنبت إيران الإعلان عن نفسها رغم الدور الذي لعبته منذ بداية الحرب في دعم نظام الأسد خشية ان تزيد من حساسية المشاعر الطائفية المتوترة أصلا. وقالب محمد الشيخ من الفرقة رقم 1 التابعة للجيش الحر «نعرف أنه إن قام الإيرانيون بقصفنا فستندلع الحرب العالمية الثالثة لأن كل واحد في العالم العربي سينضم إلينا ضد الحرب الفارسية، ولهذا السبب كان النظام ذكيا عندما استدعى الروس».
وقال «تعتبر حلب بالنسبة للنظام عصب الاقتصاد، ولو خسرنا حلب فلن نخسر الحرب وتعني أننا خسرنا مرحلة.
و الشيء نفسه يحدث للنظام. كل يوم نكسب جزءا ونخسر جزءا آخر». ويضيف «يفهم أصدقاؤنا فداحة الوضع، ولكن أيديهم مقيدة بسبب السياسة والاتفاقيات الدولية، والذين يخسرون يوميا هم السوريون بسبب هذه السياسات».
ويضيف أيضا أن «تنظيم الدولة» يسيطر على شرق سوريا وهي منطقة صحراوية لا قيمة لها مع انه يتحكم بالنفط والماء. أما المعارضة فتسيطر على جوهر سوريا ولهذا السبب طلب الأسد المساعدة من الخارج.
وفي الوقت الذي يصور الروس حملتهم بأنها لدعم الجيش السوري إلا أن سجل هذا في العام الماضي ظل فقيرا ولهذا السبب استدعت إيران دعم روسيا لخشيتها من انهيار النظام، تماما كما حصل في عام 2012 عندما واجه نظام الأسد إمكانية الانهيار.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه قوات التحالف الروسي – الإيراني نحو حلب تخلى المقاتلون عن أي عمل لدور أمريكي «لا نعرف ماذا يريد الأمريكيون» و»نشاهدهم نشطون فقط في المناطق الكردية».
أهداف روسية
وفي هذا السياق ذكر نيكولاس بلانفورد في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» أن الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش السوري بدعم إيراني تعبر عن أهداف التدخل العسكري الروسي. فقد بدأ الجيش السوري بعد أشهر من النكسات بالرد على جماعات المعارضة مدعوما بشكل غير مسبوق من إيران وروسيا.
وتحدث الكاتب عن جبهات أربع أو خمس يخوض الجيش السوري الحرب عليها وتهدف لإخراج المعارضة السورية من كل شمال سوريا حتى الحدود مع تركيا لتأمين المناطق الرئيسية للنظام على ساحل البحر المتوسط.
وتحدث الكاتب عن حالة الثقة بالنفس لدى مقاتلي «حزب الله» حيث نقل عن أحد قادتهم «انتهى وقت القتال الدفاعي فنحن نهاجم الآن».
واعترف القيادي المجرب والذي قاتل في سوريا في أكثر من مهمة بإمكانية تكبد الحزب خسائر «ولكن اللعبة ستنتهي سريعا وسنصل إلى حدود تركيا».
ويقول بلانفورد إن ما سيأتي بعد إن تحقق ما يريد الجيش السوري وحلفاؤه غير معروف. وتساءل بلانفورد عما ستفعله روسيا بعد نهاية الحملات العسكرية. هل سيتقدم التحالف الجديد بقيادتها والمكون من العراق وسوريا وإيران و»حزب الله» نحو الشرق لاستعادة ما خسره النظام للمعارضة غير الجهادية و»تنظيم الدولة»؟
أم سترضى بتحقيق هدف تقوية وضع الأسد في تسوية محتملة للأزمة السورية التي مضى عليها أكثر من أربع سنوات وبناء على شروط تخدم مصالح روسيا الإستراتيجية؟
ويحذر نيكولاي كوزانوف، الزميل الباحث في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) في لندن من «أفغانستان جديدة « إن حاول بوتين استعادة كامل البلاد. فعندها سيسطر النظام بدعم من الروس على المدن الرئيسية فيما تبقى البلدات والقرى في «حالة حرب أهلية دائمة».
وكان الجيش الروسي قد بدأ حشوده في آب/أغسطس ونقل مقاتلاته ومعداته العسكرية إلى اللاذقية.
أما الجبهات التي يقاتل عليها الجيش فهي جبهة محافظة حماة التي تركز على بلدة كفر زيتا وسهل الغاب وثالثة في الجزء الشمالي الشرقي من محافظة اللاذقية حيث يحاول الموالون للنظام طرد مقاتلي المعارضة الذين يسيطرون على الجبال المطلة على المناطق.
وهناك جبهة رابعة فتحت في حمص وحماة عندما قصف الطيران الروسي منطقة للمقاتلين تربط الطريق الرئيسي بين المدينتين الواقعتين تحت سيطرة النظام. وشهدت بلدة تلبيسة معارك حامية حيث حاول الجيش ومقاتلو «حزب الله» كسر خطوط دفاع المقاتلين.
وفي حالة نجاح النظام على الجبهات الأربع فسيتمكن من تأمين خطوط الإمداد بين حمص وحماة وسيجبر المقاتلين في شمال حلب وإدلب وشرق اللاذقية على الانسحاب. والجبهة الخامسة هي محاولة استعادة المناطق في حلب والتي تبعد 30 ميلا عن الحدود مع تركيا.
وبحسب التقرير فقد حشد «حزب الله» حوالي 3.000 مقاتل من جنوب لبنان ووضعهم على أهبة الاستعداد كي يتم نشرهم في أي وقت في سوريا بالإضافة لـ5.000 موجودين هناك.
ورغم التقدم البطيء للأسد ومقتل قادة بارزين من «حزب الله» ومن الحرس الثوري الإيراني إلا أن الجبهة الواسعة والمتعددة هي كما يقول دبلوماسي غربي «لعبة الشطرنج الجديدة في الشرق الأوسط» والتي تلعبها موسكو وطهران.
وأضاف «ستكون هناك عمليات مضادة وسيتعرص الروس والإيرانيون لمفاجأت بشعة ومقاومة شديدة تنتظرهم» و «لكن التعاون بين حلفاء الأسد يظل قويا كما كان وعملياتيا ولكن الروس هم الذي يتخذون القرارات الآن».
توتر طائفي
ويحذر مراقبون من تداعيات التدخل الروسي على النزاع الطائفي في المنطقة والذي رفعت إيران من وتيرته بسبب حادث وفاة الحجاج في وادي منى الشهر الماضي.
وكانت مملكة البحرين قد أمرت السفير الإيراني بمغادرة البلاد بعد اتهام المملكة طهران بنقل أسلحة إلى أراضيها لإشعال «الفتنة الطائفية».
وكرد على التدخل الروسي في سوريا دعت مجموعة من علماء السعودية للجهاد ضد ما رأوه عدوانا روسيا على التراب السوري.
وفي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» جاء فيه إن أحداث الأسابيع الماضية زادت من مخاوف مواجهة بين السنة والشيعة في المنطقة خاصة بعد هجمات «تنظيم الدولة» ضد الشيعة في السعودية والحروب الجارية في سوريا واليمن والعراق. وقالت الصحيفة إن القادة الدينيين على جانبي النزاع يقومون باستخدام خطاب طائفي واضح يخرج النزاع عن طبيعته السياسية ويعطيه غطاء دينيا وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان وقفه. وينقل التقرير عن رامي خوري، الزميل الباحث في معهد عصام فارس في الجامعة الأمريكية ببيروت قوله إن ما يجري غير مسبوق «وليس لدينا خريطة طريق».
وأضاف أن الناس يتجهون نحو الدين عندما «تفشل الديناميات السياسية» و»نحن نعيش هذه اللحظة الرهيبة التي لا تزال الطائفة مهمة في عقول الناس»، وأضاف أن متشددين أفرادا يقومون وبقصد بتأجيج العنف. وأضاف أن حكومات غير مسؤولة تسمح بحدوثه.
وظهر النزاع الطائفي مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ولكنه زاد مع اندلاع الانتفاضة السورية. وبدخول السعودية الحرب ض الحوثيين في اليمن منذ آذار/مارس العام الحالي زادت إيران المتهمة بدعم المتمردين هناك من حدة النبرة الطائفية.
وبدخول الروس الحلبة إلى جانب إيران و»حزب الله» لدعم النظام السوري تنادت أصوات سلفية في السعودية وكذا من جماعة «الإخوان» للانتقام من الروس.
ووصف علماء سعوديون التدخل الروسي بأنه «حملة صليبية أرثوذكسية روسية» وأن الروس يبدأون من هزيمة السوفييت في أفغانستان قبل عقود.
وحذر 55 عالما في بيان نشر على الإنترنت أنه في حالة هزم المجاهدون في سوريا فستنهار الدول الإسلامية الدولة بعد الأخرى.
ونقلت الصحيفة عن مضاوي الرشيد، الأستاذة في مدرسة لندن للاقتصاد أن النبرة الطائفية القوية للبيان تجعل من الصعوبة بمكان السيطرة على المشاعر الطائفية وتجعل من الصعوبة بمكان إجراء حوار والتوصل لحلول سياسية.
ولاحظت الرشيد أن استعادة أفغانستان في البيان فهو يقدم صورة عن الشهادة وقتال الكفار. ويرى حسن حسن الزميل الباحث في «تشاتام هاوس» إن دخول الروس قد يصبح عامل حشد للسنة.
إبراهيم درويش