عمان ـ «القدس العربي»: تعرض الهيئة الملكية الأردنية للأفلام الفيلم الوثائقي الأردني «المجلس» في السادسة من مساء اليوم في العاصمة الأردنية عمان، ويلي العرض نقاش مع المخرج يحيى العبدالله وعدد من الشخصيات الرئيسية.
يلقي الفيلم نظرة قريبة للتحديات التي يمر بها النظام التعليمي المجاني في العالم العربي، حيث يدور حول عبدالغني وعمر وهما طالبان في المرحلة الأساسية، يدرسان في إحدى مدارس الأونروا على أطراف مدينة الزرقاء، يسعى كلاهما للانضمام إلى «المجلس النيابي» في المدرسة، في محاولة منهما لتحسين بيئتهما التعليمية. رحلة حلم يتخطى أسوار المدرسة ليصبح على تماس مع الحياة العامة.
الفيلم الذي تم الانتهاء من تصويره عام 2013 وعرض عام 2014 بدعم من «إنجاز»، يتمحور حول قيام مجموعة أطفال من مدرسة تابعة لـ»الأونروا»، في مخيم السخنة الفلسطيني في الأردن، بتشكيل برلمانين، أو مجلسين، واحد للذكور وآخر للإناث، بغرض تطوير «مجتمع» المدرسة، وحل المشكلات والصعوبات التي تعترض الطلبة.
ويتميز الفيلم بعناصر الكوميديا التي فرضت نفسها جراء صلابة وجدية هذا الأمر السياسي، بأن يتم تطبيقه من مجموعة من الأطفال الذين يأخذونه على محمل الجد، أي أن يؤدي الصغار لعبة الكبار. وتظهر الكوميديا جلية من خلال سلوكيات الأطفال وممارستهم لهذه العملية السياسية وتعاملهم مع المفاهيم الكبرى مثل الديمقراطية والحقوق والمسؤوليات، حيث يرون فيها أداة ناجعة لتغيير واقع الحال، فتبدأ الحملات الانتخابية وينهمك الأطفال في إعداد لوائحهم وبرامجهم الانتخابية. يترافق ذلك مع تغيّرات واضحة على مستوى العلاقات بين الطلاب أنفسهم، فالترشح يقتضي علاقات تحكمها «السياسة».
يلتقي المرشحون ويتحدثون عن أهدافهم وآمالهم ووتطلعاتهم، بالإضافة إلى أهم التحديات التي يواجهها الطالب المدرسي ومنها عنف الأساتذة مع التلاميذ، الاكتظاظ الطلابي، المشاكل الداخلية التي تتم بين الطلاب المتناحرين، وغيرها. وحينما تنتهي الانتخابات، يبدأ الأطفال بالتفكير بحل مشكلات مدرستهم، فيصطدمون بمشاكل متغلغلة داخل سور المدرسة، ويبدأون بمواجهة قضايا عنف وتحرش من دون أي كلل أو ملل. تبدأ المواجهة مع المعلمين والمسؤولين، يحاكمونهم ويشيرون بأصابع الاتهام إليهم، وهو ما وجد معادلاً بصرياً له من خلال استحواذ الأطفال على غالبية المشاهد المشتركة، مقارنة بمشاهد الكبار.
ومن أهم المشاكل التي يتوجب على الطلاب حلها، الدخان المنبعث من حاوية النفايات الملاصقة للمدرسة، واستحداث صفوف جديدة لاستيعاب الطلاب. فتضعهم رحلتهم خارج سور المدرسة أمام بيروقراطية قاتلة، وملفات فساد قديمة؛ أهمها أن المبلغ الذي تبرعت به إحدى الدول الأجنبية لبناء مدرستهم قد نُهب بسبب عملية تزوير قديمة في إحدى مؤسسات الدولة الأردنية، لتبقى المدرسة ملكاً خاصاً تدفع «الأونروا» تكاليف إيجارها.
وعلى الرغم من أن الفيلم عمد، في نصفه الأول، أي خلال فترة الترشّح للانتخابات المدرسية، الموازنة ما بين حضور المُرشحات من البنات، والمُرشحين من البنين، وأخذ كل منهم لنصيبه على الشاشة، مع الميل الواضح إلى أن البنات هنّ الأكثر وعياً ورصانة، والأقوم سلوكاً، إلا أن كل شيء يميل في النصف الثاني من الفيلم، إلى الحضور الأوسع للبنين، وممثليهم، وتحرّكاتهم، وتنقلاتهم، بل أن خاتمة الفيلم ذاتها جاءت بناء على ما آل إليه سعي ممثلي البنين، مع خفوت حال صوت البنات، وسقف مطامحهن إلى الحدّ الأدنى، تكيفاً مع ما يُفرض عليه.
بالتوازي مع رحلة الأطفال الذكور نحو مساعيهم، تبقى الفتيات رهينات المدرسة؛ يحضرن داخل أسوارها ليقدمن اقتراحات عدة لتطوير واقعهن، من الرغبة في تغيير اللباس الموحّد، إلى الدخول في النقاشات الجريئة مع معلماتهن. والمرة الوحيدة التي سنراهن فيها خارج المدرسة، ستكون حين يتدربن على الدبكة لتنفيذ استعراضات أمام مسؤول سيزور المخيم لمناسبة مرور 60 عاماً على تأسيس «الأونروا».
هذه التحضيرات يراقبها رجل بلحية وزي سلفيين، يفتي بجواز مشاركة الفتيات دون الحادية عشرة في الدبكة، كما يقدم نفسه بصورة الشخص الذي يقطع الشك باليقين حول ما إذا كانت كلمات الأغاني ورقصات الطفلات «حلالاً» أم لا. في القسم الأخير من الفيلم، تحضر «البيئة الفلسطينية» لتخليد هذه المناسبة «العظيمة»، لكن وفق ما يسمح به «الشرع»: تخرج الفتيات الماء من «البئر الفلسطينية» الاصطناعية أمام المسؤولين، ويمثلن مشهد طلب يد إحداهن في خيمة اصطناعية ويزغردن فرحاً بزواجها، وتعقد الطفلات، دون العاشرة، حلقة الدبكة.
وفي نهاية الفيلم، يختتمه العبد الله بمشهد الحاوية المليئة بالنفايات المحروقة والطالب الذي فقد الأمل بحل المشكلتين الرئيستين، فيضرب، وهو في طريق العودة إلى البيت، طفلاً آخر يمر بجانبه. اختار العبدالله مواقع التصوير في الصفوف الدراسية ومكتب المدير واستراحة المعلمين وغرفة النشاطات بتركيز خاص على جدار المدرسة الذي يتسلقه الطلبة بين حين وأخر قبل ان يتنبه أعضاء المجلس من الطلبة إلى ضرورة تهيئة باحة المدرسة الخارجية من الركام والنفايات بعد جهد وعناء وحيوية في الاتصالات والمتابعة التي يجريها طلبة المجلس مع القائمين على الخدمات في المنطقة طارحاً الكثير من الأسئلة.
يأخذ فيلم «المجلس» المشاهد إلى ما هو أبعد من «لعبة صغار». فهو ليس مجرد فيلم توعوي وتنموي يدرب على ممارسة الفعل الديمقراطي، من خلال ثنائية الترشيح والانتخاب، ولكنه على المستوى الأبعد في المشاهدة، أو الأعمق في الرؤية والقراءة، يذهب إلى فضح التناقض بين النظري والعملي، بين القول والفعل، بين ما نقدّمه للبنين والبنات من خلال المناهج التعليمية النموذجية الصياغة، وما نجسّده أمامهم من ممارسات ومواقف عملية في الواقع، لا علاقة لها أبداً بالنموذج الذي نسعى إلى تعليمهم، وفي الحقيقة تلقينهم. يذكر ان الفيلم حاز جائزة تظاهرة «النسخة الأخيرة» في مهرجان البندقية الدولي للأفلام في 2014، ونال تنويها خاصا في مسابقة المهر للأفلام الطويلة في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2014. كما شارك في أيام بيروت السينمائية 2015 ونال تنويها خاصا ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان الإسكندرية السينمائي.
وُلد المخرج يحيى العبد الله في ليبيا عام 1978، ونشأ في السعودية. وهو كاتب ومخرج ومنتج وناقد أدبي. فاز فيلمه الروائي الطويل «الجمعة الأخيرة» بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة أفضل ممثل، وموسيقى، في مسابقة المهر العربي في الدورة التاسعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي. في رصيده العديد من الأفلام القصيرة الحاصلة على جوائز منها «ست دقائق» 2004، و«رجل في كأس» 2006، و«بوملي» 2008، و«رسالة قصيرة» 2009.
آية الخوالدة