صفعة المصريين على وجه نظام السيسي؟

حجم الخط
38

تنوعت آراء المراقبين بشأن ضعف الاقبال القياسي في المرحلة الاولى من الانتخابات البرلمانية المصرية التي انتهت امس وسط حالة من الذهول والتخبط التي لامست حدود الهيستيريا احيانا لدى بعض الابواق الاعلامية المؤيدة للنظام.
ولم يتورع بعض اولئك المحسوبين زورا وبهتانا على مهنة الاعلام عن توجيه اهانات وشتائم للشعب بسبب احجامه عن المشاركة، وهو ما كشف غضب تلك الابواق من افتضاح فقدان مصداقيتها عند اغلب المصريين، وتحولها عبئا على النظام نفسه، كما اشرنا في هذا المكان من قبل.
وشملت التعليقات محاولات يائسة لانقاذ ماء وجه النظام بعد ان تحولت الانتخابات إلى «صفعة» عليه، بدلا من ان تنتج صورا تخبر العالم ان مصر تعيش «عرسا ديمقراطيا»، وهو الهدف الرئيسي من اجرائها.
ومثال ذلك ما بدأ البعض في ترويجه من ان «الشعب اختار عدم التصويت لأنه يخشى ان يقوم البرلمان بعرقلة عمل الرئيس السيسي». ويجادل هؤلاء بأن السيسي نفسه كان حذر المصريين من «خطورة» هذا البرلمان(..). الا ان هذا في الواقع كلام يسهل الرد عليه، اذ ان السيسي نفسه ظهر في خطاب عشية التصويت، وقد بدت عليه علامات القلق، وهو يحث المصريين بشدة على التصويت. واذا كان الناخبون قلقين من هذا البرلمان حقا فلماذا لم ينزلوا لاعطاء اصواتهم إلى قائمة «في حب مصر» التي اصبح واضحا انها «قائمة السيسي»، دعما له في مواجهة الاخطار المحتملة؟
الواقع ان هذا الموقف التاريخي للشعب المصري، انما يعود إلى حزمة من العوامل والمعطيات الثقافية والسياسية والاقتصادية لا يمكن اجمالها في هذه العجالة، لكنها تثبت بما لا يدع مجالا للشك مدى ما يتمتع به من وعي تلقائي، ومناعة ضد الاحتواء والانجرار وراء الحملات الاعلامية، سواء من هذا الطرف او ذاك في الصراع السياسي. ومن بينها:
أولا: ان نظام السيسي فشل في تهدئة مخاوف متعاظمة لدى كثير من المصريين بأن الانتخابات البرلمانية ما هي الا خطوة في العودة إلى الوراء، وليست حلقة تستكمل «خارطة المستقبل» كما يفترض ان تكون. بل انه اسهم في تقوية تلك المخاوف عندما سمح للفلول ليصبحوا مجددا قيادات ووزراء ونجوما في العديد من القطاعات والمؤسسات، وكذلك ترك ابواقا اعلامية لا تخفي عداءها لثورة يناير تتحدث باسمه، ولا تتورع عن ان تلوح بعصا الأمن الغليظة ليس فقط ضد «الاخوان» او الارهابيين بل ضد كل من تسول له نفسه معارضة النظام، حتى اذا كان اصلا من المشاركين في الثلاثين من يونيو. وهكذا وجد الشعب نفسه مدعوا إلى انتخاب اعضاء لمجلس النواب لا يعرف اغلبهم، اما المعروفون لديه فهي وجوه قديمة من التي شاركت في نهب البلاد وتجريفها سياسيا لسنوات طويلة في عهد الرئيس الاسبق حسني مبارك.
ثانيا: لا يمكن اهمال دور الخلل والتعقيدات غير المسبوقة في العملية الانتخابية، والتي تستعصي على فهم كثيرين، في اضعاف نسبة التصويت. اما السبب فيعود إلى «السيرك القانوني» الذي ادى إلى تعطيل اجراء الاتخابات التي كانت مقررة اصلا في شهر آذار / مارس الماضي، ثم افرز قانونا انتخابيا «مهلهلا»، يتوقع كثيرون ان يؤدي إلى ابطال البرلمان الجديد بسبب شبهة عدم الدستورية. ومن المثير للسخرية ان مصر التي طالما اشتهرت بفقهاء دستوريين اسهموا في كتابة دساتير العديد من الدول غير قادرة على صياغة قانون لتقسيم الدوائر الانتخابية لا يتناقض مع الدستور، ولا يحير الناخبين. ناهيك عن ان الابواق الاعلامية المنشغلة بالتطبيل للنظام فاتها ان تخصص بعض الوقت لشرح القانون الانتخابي المعقد في بلد تبلغ نسبة الأمية فيه ثلاثين في المئة.
ثالثا: ان المصريين لم يغيروا عقيدتهم السياسية منذ سبعة آلاف عام، فالدولة هي حكم الرئيس أو الملك أو الفرعون ايا كان اسمه، وليست دولة البرلمان. وسواء كانوا من المؤيدين او المعارضين لنظام السيسي، فان اغلبهم اصبح يشعر باحباط عميق، تتوزع المسؤولية عنه بين النظام وابواقه الاعلامية التي طالما رفعت سقف التوقعات الاقتصادية في اطار ترويجها الهيستيري للنظام. وفي كل مرة بالغت في ربط المشاركة السياسية بتحقق حالة من الرخاء، كان الشعب يشعر بالمزيد من المعاناة الاقتصادية بشكل خاص، دون ان ينفي هذا حدوث تقدم على الصعيد الأمني، وبعض الخدمات مثل الكهرباء.
واخيرا فان هذه الصفعة من المصريين على وجه النظام لا يجب ان تمنح ثقة او سببا للاحتفال إلى مناهضي النظام او معارضيه، الذين فقدوا حتى اشعار آخر، مكانتهم كبديل واقعي، لكنها رسالة انذار واضحة وغير مسبوقة بأن هذا الشعب لن يعود إلى الوراء، وانه لن يتردد في ان يفاجئ النظام مجددا ان لم يستوعب فحواها.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية