عالم يحرره هاتف محمول!

حجم الخط
0

مهما حاول جهابذة الخوف من المجهول ومستعبدو الشعوب أن يؤخروا دخول الإنترنت والحاسوب والهاتف المحمول إلى عالمهم، خوفاً من دور الطفرة التكنولوجية في قض مضاجعهم وفضح تصرفاتهم وتهديد حكمهم فإنهم لن يفلحوا في ذلك بعد اليوم.
محاولات مستميتة جرت في العديد من دول العالم، التي حاول جلادوها أن يؤخروا دخول التقانة لأسباب واهية، أو فرضوا رقابة مستميتة ومعلنة على كل ما يدور في فلك العالم الافتراضي. فوظفوا أحياناً إعلاماً غير إعلامهم ليشيروا إلى حجم الرقابة التي يفرضونها على رعاياهم، أو من يحتلونهم عنوة وذلك بغرض الترهيب والتخويف.
فانتشار الهاتف المحمول اليوم في حياة الناس، وحسب تقرير جديد للاتحاد الدولي للاتصالات، قد تعدى حاجز الـ96′ من سكان العالم. ليكون الاختراع الوحيد في عمر البشرية وتاريخها المدون، الذي شكل سرعة انتشار ضخمة وكبيرة جداً، من حيث الزمن الفاصل ما بين خروجه إلى حيز الوجود ووصوله إلى نسبة الانتشار المسجلة اليوم.
ومع الهاتف المحمول تنازلت منصات الإعلام التقليدية عن جودة الصوت والصورة، خاصة أن 60′ من الصور الواردة إليها جاءت من هواتف محمولة. فما عادت البي بي سي مثلاً تقطع تقاريرها أو مقابلاتها لرداءة الصوت أو الصورة، الأمر الذي سبق أن اعتدنا عليه، بل إنها ذهبت إلى القبول برداءة الصورة، بعد أن اعتاد الناس على ذلك فصارت تسمح لنفسها باستضافة الناس عبر خطوط الإنترنت الأقل سرعة وعبر تناقل الصوت والصورة على بروتوكولات الإنترنت ‘كسكايب’ وغيرها، رغم ضعف الجودة المرتبطة أحياناً بهذا النوع من التواصل.
وبهذا بات حضور المحتوى أهم من جودة الشكل والإخراج، أي أن الجوهر بات يتفوق على المظهر. وهنا بدأت تقنية الهاتف المحمول في اختراق حواجز تقليدية لتصدر للعالم صور القصف والاعتقالات والاغتيالات والكوارث الطبيعية واللحظات التاريخية والاعتداءات والانقلابات والمناسبات الاجتماعية، وحتى الفضائح والمواقف المحرجة.
لم يعد استلال القلم أو الكاميرا الفوتوغرافية وحتى الفيلمية التقليدية الحاضر الأول، فالهاتف المحمول هو ملك ‘الاستلال’ اليوم. ومع ازدياد تطبيقاته فإنك قريباً ستكون ربما قادراً على تغيير المشهد السياسي في عالمك من دون خروجك من المنزل.
فلم يعد الهاتف المحمول وسيلة للاتصال وتصفح الإنترنت، ولا حتى كتابة هذا المقال فحسب، وإنما هو محيط واسع من التطبيقات، التي إن شئت عرضها لقرر رئيس تحرير ‘القدس العربي’ شطب مقالي لطوله. فالتطبيقات المتاحة تحتاج لوحدها لمقال مرتاح المساحة وواسع في الاستزادة.
أذكر في سنوات الحرب الأهلية في لبنان وفي عصور الحديد والنار في دول سقطت أو تتساقط اليوم، كيف كان الناس يخشون المتسلح بمسدس على خصره باعتباره مالكاً للسلطة وللرصاصة، فإن أغضبته إما مت من رصاصه أو من ضرب من ورائه.
اليوم تخشى دول القمع المتسلحين بهواتفهم المحمولة والمتربعة على خصور رعاياهم والساكنة الجديدة لجيوبهم. لأن الفاصل ما بين التقاط الصورة أو الفيلم وعرضه للبشر على الشبكة العنكبوتية لا يتعدى في المعدل ساعة واحدة. فلم تعد هناك حاجة للبث عبر الأقمار الصناعية أو حتى الدخول في عالم المونتاج وإنما نقل الحدث بتجرد تام مباشرة وعبر الإنترنت. وقد قامت إحدى المؤسسات الكندية ذات يوم وقبل خمسة أعوام تقريباً بنشر أول خارطة واضحة للدول التي تراقب الحراك الإلكتروني وبدرجات مختلفة. ولو أنني أنشر قائمة الدول المتصدرة لقائمة ‘القمع الإلكتروني’ في هذا المقال لتسببت في أزمات دبلوماسية، وربما لتعرضت هذه الصحيفة للقصف المعنوي والكلامي وغيره، مما عهده وشهده العالم من عقوبات مختلفة. لذلك تجنيباً لعبد الباري عطوان وطاقم ‘القدس العربي’ من ‘زعل’ البعض عليهم سأترك للقارئ الكريم فرصة الإبحار في عالم الإنترنت للبحث عن تلك القائمة.
إسرائيل طبعاً حاضرة وبقوة في عالم الافتراض والرقابة عليه، بعد أن أرتاحت نوعاً ما من الطرق التقليدية للرقابة على الفاكس والمكالمات الهاتفية التقليدية. فبفضل شبكات التواصل الاجتماعي تصل دولة الاحتلال إلى بيوت الناس، خاصة أننا والحمدلله، وأقولها تهكماً نتبرع بمعلومات عما يدور في بيوتنا وحياتنا. فعاطفيتنا ‘سكر زيادة’، وبالتالي تجد دولة الاحتلال فرصة سانحة للحصول على المعلومات وبسهولة ويسر. لذلك كثيراً ما أحذر الناس من مخاطر التطوع بالمعلومات.
المفارقة الأكبر ستكون في حال وظف الفلسطيني هاتفه المحمول وعالم التقانة من حوله في نقل الصورة والحدث الذي يعبر عن محطات البؤس المتعددة التي يعيشها يومياً تحت الاحتلال بكثافة أكبر، بحيث يساهم في قلب المعادلة وتغيير اتجاه الأمور.
نحن اليوم نعيش في عالم لم يعد للصاروخ النووي حضور كالذي تشكله حناجر الناس وما يلتقطونه من صور وأفلام.. لذا يجب ألا نستغرب يوماً من أن يكون الهاتف المحمول الوسيلة الأقوى في تحرير عالمنا! فكرة مجنونة؟ من قال بأننا نعيش في زمن العقلاء!

‘ كاتب فلسطيني
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية