مهمة متعذرة

حجم الخط
0

ما يخيف الإسرائيليين ليس بالضرورة يخيف الأمريكيين. بما في ذلك اولئك الذين بحكم رزقهم يتابعون عن كثب مشاكل الشرق الاوسط. فأمام صور القتل في سوريا، في العراق، في تركيا وفي افغانستان تتقزم الصور من إسرائيل.
الرعب، الغضب، التعابير الحماسية، السكاكين الفلسطينية، المسدس الإسرائيلي، تشويش الحياة، فقدان السيطرة، كل ما يقض مضاجعنا هذه الايام، لا يقول الكثير للاجانب. فموجات الإرهاب في الماضي أثارت الهزة لانها هددت بهدم مسيرة استثمرت فيها الادارات الأمريكية افضل قواها. اما في الوضع الحالي فليس ثمة ما يهدم، ليس ثمة ما يعزز، ليس ثمة ما ينقذ.
انتفاضات تخبو، موجات إرهاب تنسى؛ هذا ما علمتنا اياه تجربة الماضي. فتواتر العمليات وانتشارها عسير على الهضم، ولكن مثلما في كل روتين، كلما تواصلت الاحداث، تقل الصدمة، وكلما قلت الصدمة، هبط الدافع لمواصلة الاصابة. هذا هو السيناريو الايجابي الوحيد الذي يمكن تصوره.
السؤال الكبير هو في أي وضع سنكون عندما ستخبو الموجة، ما الذي ستحدثه للمجتمع الإسرائيلي، لحصانته الداخلية، للقيم الاخلاقية، لمكانته في العالم، ما الذي ستحدثه للفلسطينيين. في هذه الاثناء فانها تخرج من الطرفين اسوأ ما لديهما.
عندما يقتل الفلسطينيون والإسرائيليون، الزبونان اللذان يعتمدان على طاولة الولايات المتحدة، الواحد الاخر، يفترض بالادارة أن تفعل شيئا ما. هذا ما هو متوقع منها، هذا ما درجت على عمله في الماضي. ليس هكذا الان. سمعت هنا من أكثر من شخص واحد التقدير العسير التالي: «ينبغي أن يكون الحال اسوأ بكثير كي يكون افضل لاحقا».
المسؤول الكبير الوحيد في الادارة الأمريكية الذي لا يزال يؤمن بانه يمكن الوصول إلى اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو وزير الخارجية جون كيري. لكيري حلم، وهو لن يدع الواقع يخربه. عشية لقائه بنتنياهو، في برلين أمس، دعا إلى استئناف المفاوضات الان، بل وعلل: زمن إدارة أوباما محدود، والوقت يلح.
الوقت يلح لكيري ولكنه لا يلح لأوباما. فاحدى القواعد الحديدية في الادارات الأمريكية تقول ان كل قوة وزير الخارجية تكمن في أن الرئيس يقف خلفه. فبلا دعم الرئيس فانه شمشون بلا قوة، وبوباي بلا سبانخ. ولكن في كل ما يتعلق في هذه اللحظة بنزاعنا، كيري في جهة، وأوباما في جهة اخرى.
أوباما مقتنع بانه طالما كان نتنياهو على رأس حكومة إسرائيل، فلن يكون أي تقدم ايجابي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. خسارة على الوقت. ووافق على السماح لكيري بالسفر إلى برلين وعمان فقط لان انعدام العمل كان سيجر انتقادا. والمهامة التي اخذها كيري على عاتقه كانت العمل على نشر تصريح يكون مقبولا من نتنياهو، ابو مازن والملك عبدالله. وسيتضمن التصريح التزاما بالحفاظ على الوضع الراهن في الحرم.
إلى أن انطلق كيري على الدرب، حتى اصبح التصريح غير ذي صلة. وحتى لو تحقق، فانه لن يعيد أي سكين إلى المطبخ. فهل يمكن للضغط الأمريكي أن يلطف التحريض، سألت احد موظفي الادارة. ذكرت في هذا السياق التصريحات الاخيرة لابو مازن. فاجاب: البشرى الطيبة هي أن احدا لم يعد يستمع إلى ابو مازن». انت مخطيء، قلت. نتنياهو يستمع اليه. هو الوحيد الذي يستمع ويقتبس كل كلمة.
التحريض هو بالفعل سلاح فتاك. فهو يسمم نفوس الفلسطينيين منذ عهد المفتي الحاج أمين الحسيني وحتى اليوم. ولكنه ليس وحده: من حرض ناخبيه على التوجه إلى صناديق الاقتراع بسبب باصات العرب التي لم تكن، لا يمكنه أن يدعي التفوق الاخلاقي على ابو مازن. هذا يحرض وذاك يحرض. وكلاهما فقدا القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، بين الإعلام والتحريض. واحد ينفي الإرهاب. والاخر يشوه الكارثة. والبشرى السيئة هي انه خلافا للفلسطينيين، الذين كفوا منذ زمن بعيد عن الاستماع إلى ابو مازن، فان إسرائيليين غير قليلين يستمعون إلى نتنياهو، ليبرمان، بينيت، لفين، بركات. وهم يقنعون أنفسهم بانهم مثل جيمز بوند. الحكومة أعطتهم رخصة للقتل. إذن ما الذي مع ذلك يمكن عمله؟ في المداولات الداخلية في الادارة الأمريكية طرحت افكار مختلفة، وكلها استبعدت تماما. مبادرة من الرئيس الان ستعود اليه كالسهم المرتد: الرد الوحيد سيكون عمليات اخرى وشماتة لدى خصومه الجمهوريين. الرئيس يمكنه أن يلقي خطابا يرسم فيه رؤياه للمستقبل. مسودة مثل هذا الخطاب موضوعة لدى كيري منذ فشل مبادرته.
يوم الخطاب سيأتي، على لسان كيري أو لسان أوباما. وهما لن يحزما الحقائب قبل أن يقولا كلمتهما. ولكن ليس عندما تلاحق العملية العملية الاخرى. في الوضع الحالي ليس لرئيس، فما بالك لوزير خارجته إلى أين يوصلان صوتهما.

آخر العزف

مسألة واحدة يمكن لنتنياهو أن يسجل لنفسه فيها نجاحا. الكفاح العنيد الذي أداره في الكونغرس ضد الاتفاق مع إيران أجبر أوباما على ان يتعهد للسناتورات الديمقراطيين بمنح إسرائيل رزمة تعويض أكبر بكثير، اكثر سخاء مما قصد منحها اياه في البداية.
كان الثمن باهظا: شرخ عميق داخل قيادة الجالية اليهودية، ابتعاد قسم كبير من الديمقراطيين في المجلسين عن إسرائيل والمس بقوة ومكانة ايباك، اللوبي المؤيد لإسرائيل. ومع ذلك، فلا يمكن تجاهل المردود.
لقد تعهد نتنياهو امام الادارة بان يشطب الموضوع الإيراني عن جدول الاعمال. وكان الخطاب في الجمعية العمومية للامم المتحدة آخر العزف. وقد أوفى بتعهده. عشية اقرار الاتفاق هدد الجمهوريون باقرار عقوبات جديدة ضد إيران. ولكن التهديدات لم تتحقق. فالجمهوريون منشغلون إلى ما فوق رؤوسهم بالنزاعات الداخلية، والإيرانيون ينفذون حاليا بطاعة كل بنود الاتفاق.

يفقد الكوابح

التصريحات البائسة التي اطلقها نتنياهو في موضوع مسؤولية مفتي القدس عن الكارثة أدت هنا، في واشنطن إلى رفع حاجب بابتسامة، من النوع الذي يحصل عندما يفشل سياسي ما بزلة لسان محرجة أو تلتقط له صورة بينما الناظور مسدود. يخيل لي ان في هذه الحالة يمكن البحث عن الاسباب في مستوى أعمق. فالميل لتحميل العرب أو الإسلام الذنب في كل خطايا اوروبا ليس غريبا عن اليمين المتطرف الاوروبي. هذه لاسامية بلباس آخر: فهي تستبدل ذنب اليهود الساميين بذنب العرب الساميين. كم هو بسيط. كم هو مريح. كم هو كاذب.
نعم، الشارع الفلسطيني يكره الإسرائيليين. مأساة مسيرة أوسلو هي أنه بدلا من تبديد الكراهية، فاقمتها فقط. نعم، الفلسطينيون يرون في اليهود جهة غريبة، استعمارية، في الشرق الاوسط، جهة مصيرها الاختفاء.
هذا صحيح للاولاد في المدارس وصحيح للمندوبين الفلسطينيين إلى المفاوضات. جلست ذات مرة في حديث مع اولاد في مدرسة في شرق القدس. كان الموضوع هو السلام. «انا اصلي للسلام»، قال ولد لطيف، ذكي. «كل يهودي جاء إلى البلاد بعد 1920 يغادر، وعندها نصنع ببهجة السلام مع الجميع».
الكراهية لإسرائيل حقيقية. نحن نعود ونكتشف بين الحين والاخر بان الكراهية لإسرائيل أقوى من التطلع إلى الحياة الطبيعية، اقوى حتى من التطلع إلى الاستقلال. ولكن المشاعر في جهة وحسابات الضرر في جهة اخرى. العرب اسوأ من الالمان، كتبت ذات مرة، فنانة بارزة في اليمين الإسرائيلي. لقد نسيت بان عدد كل الإسرائيليين الذين سقطوا ضحايا في كل سنوات الدولة لا يصل إلى انتاج ساعة عمل في محارق اوشفتس.
نتنياهو حصل في الانتخابات الاخيرة على 30 مقعد. وكان الانجاز مثيرا. ولكنه فقد ايضا شيئا ما ـ الكوابح التي ساعدته لان يضع سدا امامه. لقد حصل له هذا في الاشهر التي سبقت اغتيال رابين ويحصل له مرة اخرى في الاشهر الاخيرة. بلاغته أقوى منه. كراهياته، مخاوفه، حساباته الشخصية والسياسية تفوق المسؤولية الوطنية، تفوق الحقيقة ايضا.

يديعوت 23/10/2015

ناحوم برنياع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية