المال ‫«‬السايب‫»‬ وحال مصر السياسي والاقتصادي عشية الانتخابات‫!‬

مقدمة لا بد منها ونحن نتناول الانتخابات النيابية؛ تؤكد ما ذهبنا إليه وتناولناه مرارا وتكرارا‫..‬ وقلنا إن الاستفتاءات والانتخابات التي جرت وتجري تحكمها أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية شاذة؛ أعقبت ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013‫‬.. وكان رأينا وما زال أنها نقلتنا من السيئ إلى الأسوأ؛ ما استمر ميزان القوى على اختلاله وميله لصالح الثورة المضادة، وقد نجحت في إعادة إنتاج حكم عائلة مبارك؛ حتى عادت له عافيته، وصار أقوى مما كان‫..‬ وهذه صورة مختصرة ومركزة عن حال القوى المتحكمة والقابضة على المال والسلطة والنفوذ‫!.‬
والوضع يختلف نسبيا بين الشباب وفي الشارع‫..‬ وتطلعه إلى التغيير وسعيه إلى التخلص من الاستبداد ومن الفساد، والقضاء على الفقر، والحد من التبعية وما يثير الجدل المصحوب بالقلق هو ذلك الإصرار على تجاهل أهداف الثورتين وشعاراتهما، وعدم ولوج مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية‫،‬ والسير على خط عائلة مبارك‫.‬
ومن الفروق بين الوضع الحالي والوضع السابق هو ابعاد شبح التوريث عن منصب رئيس الجمهورية، وإن استمر في مناصب ووظائف أخرى؛ مثل القضاء والنيابة والعمل الأكاديمي والتمثيل الدبلوماسي والطب والشرطة‫ والإعلام وغيرها‬، أما الثروة فبقيت مركزة في يد رجال الأعمال الأكثر توحشا وفسادا؛ من القدامى والجدد‫..‬ وأضاف إليها صديق ما أسماه ‫«‬البورجوازية العسكرية‫»..‬ ووجود جيب مكون من رجال أعمال عسكريين؛ قدامى وجدد‫..‬ انضموا إلى ‫«‬رجال أعمال أمْنَجِيّة‫»؛‬ تماهوا مع الأمن بمعناه البوليسي الذي تجاوزه الزمن‫..‬ وهم من صناعة جهاز أمن الدولة السابق‫؛‬ وعادوا إلى الحياة بعد ثورة 30 ثورة يونيو، وصالوا وجالوا في الجولة الأولى من الانتخابات الأخيرة‫!.‬
وأفق هؤلاء أضيق من استيعاب معنى وماهية التنمية، وفهمهم قاصر على المضاربات و‫«تصقيع‫» الأراضي وتوكيلات البضائع والسلع الاستهلاكية والترفيهية المستوردة، واعتماد الأنشطة الريعية بعائدها السريع‫..‬ وذلك في أغلبه نشاط طفيلي يحتقر الإنتاج ويتعالى على الخبرات الوطنية؛ ويقصرها على العمالة غير الماهرة والمهارات العادية؛ قلقا من عودة مشروعات التنمية الغائبة‫..‬ وتأتي اختيارات وتعيينات المسؤولين وأصحاب القرار على هوى هؤلاء‫..‬ وهو هوى لا يقبل بدور الدولة، ويستعجل استئناف برامج الخصخصة مرة أخرى، ويعمل على رأب الصدع، الذي قد يكون حدث في العلاقة مع واشنطن ومع عواصم الغرب الكبرى‫.‬
وأجزم بأن أكثر من تسعين في المئة من وزراء مصر ومسؤوليها الكبار؛ يجدون مصلحتهم في إعلاء وتعظيم المصالح الخارجية؛ بما فيها المصالح الصهيونية، وهم يهملون عن عمد الإمكانيات والقدرات الذاتية الهائلة في الموارد الطبيعية والبشرية ويقللون من وزنها‫.‬ وهم من أجهضوا بسرعة شديدة الحماسة المصاحبة لدعوة الرئيس السيسي للمواطنين لتمويل مشروع «ازدواج‫»‬ قناة السويس، فقدم الشعب 64 مليار جنيه في ثمانية أيام‫..‬ صُرف منها ما بين 23 و30 مليارا في الحفر والتكريك وشق الفرع الجديد للقناة وتوسعته وازدواجه، ومن المتوقع أن يوجه المبلغ المتبقي لتمويل ‫«‬تنمية محور قناة السويس‫»..‬ وبدلا من تحويل ذلك المبلغ إلى أسهم في شركة مساهمة عملاقة؛ تكون مالكة للقناة ملكية وطنية خالصة؛ تحول إلى ‫«‬شهادات استثمار‫» كالمودعة في مكاتب البريد بفوائد أعلى من فوائد المصارف‫..‬ وشهادات الاستثمار غير الأسهم؛ لا علاقة لها بالملكية أو التنمية، ولا تعدو أكثر من وعاء ادخاري توظفه المصارف لصالحها؛ قد يؤدي إلى إنتقال الملكية إلى شركات متعددة الجنسية، أو إخضاعها لعوار الخصخصة بكل مصائبه‫!.‬
ويرى البعض الفريق مهاب مميش أحد رموز ‫»‬البورجوازية العسكرية‫»‬ الناشئة، وما يبديه من تعاطف مع بيوت المال الكبرى وشركات الملاحة العملاقة، وبعده عن الاهتمام بالاقتصاد الوطني أو خدمته‫..‬ وهذا يقلل من جدوى ‫«ازدواج‫»‬ القناة‫..‬ ويبدو أن دور مميش مركز على إعتماد التسهيلات ومنح الامتيازات للأجانب؛ بدعوى جلب الاستثمارات وجذب المستثمرين‫!..‬
وليس هذا جديدا إنما استمرار لما سبق، ولم تظهر بادرة واحدة؛ من فبراير 2011 وحتى الآن؛ تعيد مصر إلى التصنيع والإنتاج‫.‬ ولم ينشأ مصنع إنتاجي واحد‫..‬ ولا تأهلت المصانع والوحدات الإنتاجية المستردة بأحكام القضاء؛ أهملتها الحكومات المتعاقبة، ولم تعدها إلى العمل لتخفيف حدة البطالة المتفاقمة‫..‬ ويبدو أنها تنتظر ‫ـ‬ كالعادة ‫ـ‬ فرصة بيعها خردة و‫«خرائب‫»‬ بـ‫«‬تراب الفلوس‫»..‬ وتتصور أنها بذلك تكسب رضى‫ المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي. ‬
‫ونكرر القول ‬بأن ‬مَن ‫رفض‬ ‫«عون‫» هذه المؤسسات المالية نجا ونجح وخرج من دوائر الفقر، في طول العالم وعرضه؛ من الصين شرقا إلى أمريكا اللاتينية غربا.. و‬القبول بتلك الشروط من مظاهر التبعية الاقتصادية المعطلة للتنمية، والاعتماد على الاستثمار الأجنبي وطلب الهبات والقروض لا يصنع تنمية؛ سبق وجلبت الاحتلال البريطاني لمصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر‫.‬
والانتخابات تمت في ظروف بائسة، وغلبت فيها اللامساواة، وزاد فيها التمييز في الوظائف والمناصب، وما يتوفر من فرص عمل ووظائف محدودة تذهب إلى غير مستحقيها بطرق خفية؛ برع فيها ‫«‬خبراء الفساد الحكومي‫»..‬ وكان لهذا انعكاساته على الحضور والتصويت‫..‬ وجاء الإحجام كأبسط أنواع الاحتجاج على الأوضاع المرتبكة والعشوائية‫.‬ ولنا أن نتخيل أثر ارتفاع سعر الدولار عشية إجراء الانتخابات، والهم والكرب الذي خيم على منازل ومساكن الأسر الفقيرة والمتوسطة؛ كانت لم تلتقط أنفاسها بعد من إرهاق مصروفات المدارس، وتكاليف عيد الأضحى بجانب جنون الأسعار المستمر مع كل طلعة شمس‫..‬ ولأول مرة يتجاوز سعر كيلو الطماطم سقف العشرة جنيهات‫..‬
الحكومة تمارس أخطر أنواع التمييز، وتغمض عينيها عن الفئات ‫»‬المتميزة‫»‬ في رفضها تطبيق الحد الأقصى للأجور مخالفة بذلك أحكام الدستور، الذي لم يجف حبره بعد‫.‬ وكنت أتصور أن وزير العدل أحمد الزند يمارس أعلى درجات التمييز، منذ أن رفض تعيين الخريجين المتفوقين الفقراء ومتوسطي الحال في سلك النيابة والقضاء‫!.‬
وبينما أتهيأ للإشارة إلى جيش المستشارين والمساعدين العاملين بمكتب وزير العدل‫.‬ وإلى ‫«‬العيدية‫» التي مُنحت للقضاة بمناسبة عيد الأضحى، وقيمتها خمسون ألف جنيه لكل منهم‫..‬ هاتفني أحد علماء مصر، من الأكاديميين المخضرمين بجامعة القاهرة‫..‬ قال وهو غاضب ومنفعل‫:‬ هل قرأت ما نشرته صحيفة ‫«الفجر»‬ ‫ـ ‬القاهرية‫ـ‬ اليوم ‫(‬الخميس الماضي‫)‬ كان ردي بالنفي‫.‬
وقرأ النص، وملخصه‫:‬ إلزام اتحاد الإذاعة والتلفزيون بصرف 842 ألف دولار «مكافآت» لأعضاء مجلس إدارة شركة القمر الصناعي نايل سات عن أرباح الشركة لسنة 2014، وهذا بالإضافة إلى مرتباتهم الشهرية الكبيرة، وتم صرفها للأعضاء الثمانية؛ كان المبلغ الأعلى من نصيب حمدي منير وقيمته 168 ألف دولار، يليه ثروت مكي وأسامة هيكل، وحصل كل منهما على 98 ألف دولار، أما أحمد أنيس رئيس مجلس الإدارة وإبراهيم العراقي عضو المجلس فحصل كل منهما على 70 ألف دولار، و56 ألف دولار صُرفت لكل من صلاح الدين حمزة ومحمد عبد الله.. و42 ألف دولار لمحمد فوزي.. ونشرت الصحيفة رقم الصك الموجه من رئيس مجلس الإدارة لعصام الأمير رئيس إتحاد الإذاعة والتلفزيون في هذا الشأن‫.‬
ويتبقى ذلك الضجيج وتلك المبالغات حول مشروع ‫«العاصمة الإدارية‫»‬ الجديدة‫..‬ والسؤال هو هل مصر تحتاج هذا المشروع، وهناك آلاف الأطفال يهيمون على وجوههم في الشوارع بلا مأوى ومثلهم من العاطلين الباحثين عن مصدر عمل أو رزق‫..‬ فهل أصيب المسؤولون بالعشى فيمنعهم من رؤية ما يحيطهم من بؤس وفاقة؟‫!‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية