بيروت ـ «القدس العربي»: زهرة مرعي: فرقتهم السياسة، تحاربوا على الجبهات، توقفت الحرب، فجمعتهم الدرّاجات النارية. أربعة رجال لبنانيين هم أبطال فيلم «عجلات الحرب» الذي فاز بالجائزة الأولى عن فئة الأفلام الوثائقية في الدورة الـ15 لمهرجان بيروت الدولي للسينما. ولأن الظروف الراهنة لم تسمح بحضور لجنة التحكيم الخاصة بالمهرجان، شكل الجمهور لجنة الحكم، ولكافة فئات الجوائز.
52 دقيقة زمن «عجلات الحرب» شريط جميل بمشاهده. فقد شكلت الطبيعة مسرحه الأساس، وتخللته مشاهد داخل مناطق منكوبة لا تزال شاهدة على فعل الحرب. هم أربعة رجال يدورون في فلك الخمسينيات من أعمارهم، وحدها الدراجات ساعدتهم على التصالح مع حاضرهم عبر محاكمة ماضيهم ذاتياً. وتركتهم يعترفون من دون أي ضغوط أو إملاءات وبكل راحة ضمير وقناعة: «كانت حرب مجرمة فوق التصور».
وثائقي اتخذ من أربعة ينتمي ثلاثة منهم لنادي مالكي درّاجات هارلي ديفيدسون في لبنان، والذي نال ترخيصاً رسمياً في سنة 2006 محور السيناريو، والرابع من هواة المغامرات مع دراجة الموتوكروس المخصصة للطيران وبخاصة فوق الرمال. جميعهم اختبر الحرب الاهلية. شاركوا بالقتال على الجبهات في بيروت والجبل، ومنهم من كانت له مساهمات ولو استطلاعية في محاربة الإسرائيليين، عندما حصاروا بيروت، ودخلوها سنة 1982. أبطال هذا الوثائقي هم مروان طرّاف مؤسس النادي في لبنان، غسان حيدر، جورج جريج، وجمال قهوجي هاوي درّاجة «الموتوكروس» منذ طفولته. في هذا الوثائقي لجأ المخرج رامي قديح إلى تقنية الرسوم المتحركة لتجسيد مشاهد عدة، شكلت ما يشبه الذاكرة الخاصة بأبطال فيلمه. واستعان كذلك بجزء من فيديو يمتلكه جمال قهوجي يخلد مغامراته مع «الموتوكروس» خلال الحرب الأهلية، وحين كان في بداية عمر الشباب. خلال الحرب الأهلية شكل قهوجي اقصى طموحات طرّاف، ومثاله الأعلى. يصفه بالقول: «ما عندو قلب بيعمل المستحيل مع دراجته». رغم المخاطر المحدقة بالتجول خلال القصف العشوائي، كان قهوجي يمارس هواية الطيران في شوارع بيروت، وعلى رمال الرملة البيضاء، في أوجها. «كنا نتمنى القصف لنمارس هوايتنا» بحسب قوله. وربما شكلت الدراجة حاجة إدمانية له، إذ يعبر عن ذلك «بدنا نعبي راسنا». ولأن قهوجي مجنون دراجات نارية، اجتهد قديح في تقديم مشهد ترصده عبر كمين من قبل رجال قوى الأمن على شاطئ الرملة البيضاء في بيروت، حيث قفز من ارتفاع شاهق وسطهم، وكأنه هدية نزلت من السماء. صرخ الضابط «اقتلوه»، وانهمر الرصاص خلفه دون أن يصيبه، بقدرة قادر. مشهد جسدته الرسوم المتحركة بنجاح.
من الحرب إلى الحرية، يصف مروان طرّاف الدراجة النارية بأنها تمنح الحرية لمن يركبها، «ففي الاحتكاك مع الطبيعة إحساس لا يفسر». أما صلته بالسلاح كمراهق وشاب فيحددها ببضع كلمات مؤثرة: «تورطت في لعبة السلاح.. فيها إثارة.. الحرب لعبة.. بياخدونا وبيجبونا.. كثير شباب ماتوا كرمال مصالح وأشخاص ولا وجود للعقيدة». وإن كان غسان حيدر حمل السلاح، «فقد كان لكل سلاحه حينها ولما أنا لا احمله»؟ جورج جريج حمل السلاح «للدفاع عن المسيحيين رغماً عن والدي الذي كان يفضل دخولي الجيش اللبناني».
بشيء من الطرافة يتناول هؤلاء الرجال صلتهم ببعضهم وبالحرب. بخاصة غسان حيدر حين يصف زياراته وآخرين على متن درّاجات الهارلي لما كان يعرف بالمناطق الشرقية «كأنّا مسافرين ع بلد جديدة، وجورج جريج يبرمنا». جريج وحيدر ثنائي الحرب والمحاور بامتياز، تمكنا من نسج علاقة ودية بينهما. ربما لأنهما من القلائل المتواضعين في امكاناتهم المالية في نادي مالكي دراجات هارلي ديفيدسون. يصفان حالهما مبتسمين «من الطبقة اللي ع البلاطة». اقتناءهما لتلك الدراجة كان بفضل طرح قوى الامن دراجاتهم القديمة للبيع. وإن كان عدد مالكي تلك الدرّاجات في لبنان سنة 1997 بحدود الـ15 شخصاً، بحسب مروان طرّاف، فهم حالياً أكثر من 300. كل يوم أحد يجوبون المناطق اللبنانية كافة وبصورة حضارية ملفتة للنظر. وإن كان لذاك النادي دوره الاجتماعي إلى جانب الترفيهي والرياضي، إنما القرار الأساس داخل هذه المجموعة هو الابتعاد عن كل ما له صلة بـ»السياسة والدين».
نجح المخرج رامي قديح في تقديم عمل سينمائي وثائقي على جانب من التشويق والأهمية. قدم موقفاً من الحرب دون أن يغرق في الافتعال والمباشرة. قدم أبطال عمله الفني كبشر لهم مشاعرهم وأفكارهم الناقدة لذاتهم بشفافية، وبعيداً عن التعصب الاعمى الذي نلمسه في مناسبات مماثلة، من لبنانيين آخرين. اشتغل فنياً لمزيد من الاتقان والتميز، فكانت شخصيات الرسوم المتحركة تمثل مراحل مرّت في حياة هؤلاء الرجال. لهذا وغيره استحق فيلم «عجلات الحرب» الجائزة الاولى عن فئة الافلام الوثائقية. جائزة أفرحت رامي قديح ووجد فيها تقديراً لجهوده، وأفرحته أكثر لأنها جاءت من الجمهور مباشرة بعد غياب لجنة التحكيم. عُرض الفيلم خلال دورة المهرجان لمرتين، وفي كل مرة كان الحضور مكتملاً، وملاحظاته عادية.
في سيرة اختيار تصوير هذا الفيلم وليس سواه من الافكار، فرامي قديح يعمل في قناة الجزيرة الوثائقية، وغالباً مع المنتج ومدير التصوير أحمد دكروب، وأخيه الباحث محمد دكروب. صلتهما الوثيقة بمروان طرّاف حمستهما لتقديم فكرة الفيلم، وهو «شخصية كاريزماتية وعلى جانب كبير من الذكاء» بحسب المخرج. يروي قديح بأن اختيار عناصر الفيلم كان دقيقاً، ويمثل كافة اتجاهات الحرب الاهلية. مروان طرّاف يساري الهوى، جورج قهوجي من القوات اللبنانية، غسان حيدر من الحزب التقدمي الاشتراكي، ويفتخر جمال قهوجي بأنه قام بمهمات الاستطلاع بهدف ضرب القوات الإسرائيلية التي حاصرت بيروت. «كنت مصراً على حضور الحكايات الشخصية والأفكار التي خرج بها هؤلاء من تلك الحرب». يقول قديح.
هل الدراجة النارية هي التي جمعت هؤلاء أم قناعتهم بأن الحرب مجرمة؟ عبر صلته الطويلة بهذا الرباعي المميز يقول المخرج رامي قديح: أعتقد أن كل وفق اسلوبه اكتشف أن الحرب كانت فعلاً قاتلاً للجميع. وكل منهم صفّى صلته بالحرب، لبدء علاقة حرة ومميزة مع الدراجات النارية. لدى بعضهم اختبارات مرّة ومؤلمة، فغسان حيدر سقط صديقه الذي كانت زوجته تتحضر لولادة طفلها الاول أمامه برصاص العدو الصهيوني. وجورج جريج حمل صديقه ويده المقطوعة مسافة طويلة من الجبهة إلى المستشفى.
أن يستذكر أحدهم مشاركته في الحرب، فهو ربما يتمنع لسبب أو لآخر. يقول رامي قديح: كان ثمة تردد أكثر منه تمنع. عندما تأكدوا مما نرغب تقديمه عبر هذا الفيلم، تشجعوا. بالتأكيد ليس من السهل أن يتحدث أحدهم عن حياته على الجبهات. جل ما ركزنا عليه وطلبناه أن يكون حديثهم نابعاً من احساس.
ولأن رامي قديح معروف من قناة الجزيرة الوثائقية، وكذلك المنتج والباحث أحمد ومحمد دكروب، كان سهلاً تقديم مقترح وبحث الفيلم تباعاً للمعينين، وبعد الموافقة كانت كتابة السكريبت. وهكذا تم تصوير الفيلم الذي استغرق سنة بدل الأربعة أشهر بسبب سفر أبطاله الدائم.
يقول قديح: كنت أخشى صراحة من قبول قناة الجزيرة الوثائقية لهذا الفيلم. وكانت النتيجة أكثر من مفاجئة حين صنفته أهم انتاجاتها لسنة 2014. وهكذا «عجلات الحرب» هو حق حصري لهذه القناة ويفترض عرضه على شاشتها، كذلك نعمل ليعرض في مهرجانات عربية ودولية وفي كافة قارات العالم.