الخرطوم- «القدس العربي»: صلاح الدين مصطفى لم يكن أهالي جزيرة توتي بالخرطوم ينتظرون برنامج الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، ليختار جزيرتهم ضمن أفضل ثماني مناطق على مستوى العالم في استخدام المهارات التقليدية والثقافة المحلية للحد من مخاطر الفيضانات.
فقد خلدوا ملاحم تاريخية لصراع الإنسان مع الطبيعة، أبرزها فيضان العام 1946 الشهيرالذي كاد أن يغرق الجزيرة لولا بسالة الأهالي وصمودهم. وصيغت هذه الملحمة في أغنية حماسية شهيرة يغنيها الفنان حمد الريح ابن المنطقة ونقيب فناني السودان الأسبق حيث تقول الأغنية: « عجبوني أولاد الأهالي، عجبوني وسروا بالي، طول الليل واقفين سواري، ترسوا البحر بالطواري، ما شالونا باللواري عجبوني الليل جوا ترسوا البحر وصددوا». وتعتبر توتى أقدم منطقة في الخرطوم يتواجد فيها سكان بشكل متواصل على مدى التاريخ، ففي وسط الجزيرة توجد مدينة قديمة تسكنها قبيلة المحس المشهورة في السودان منذ ما يزيد على 500 عام وهي قبيلة ذات أصل أنصاري خزرجي.
منارة للعلم
وقد اشتهرت جزيرة توتي بأنها منارة لنشر العلم الديني في وسط السودان منذ قرون. حيث أسس أهلها مدينة الخرطوم الحالية عندما بنوا مكانها الحالي خلوة لتعليم القرآن قبل 400 عام، وقد كانت في ذلك الوقت غابة. ثم توافد الناس طلباً للعلم فنشأت المدينة.
وتجمع طريقة سكان توتي في الحياة، نمط الحياة في المدينة مع نمط الحياة في القرية، حيث يحترف السكان الزراعة ويعملون ـ كذلك – في الخرطوم وبحري وأمدرمان. ومن أهم المحاصيل الزراعية الليمون والبرتقال والجرجير والمانجو، ويعيشون حياة اجتماعية مترابطة يجمعون إلى ذلك تمتعهم بجميع ميزات المدن كونهم يسكنون وسط مدينة الخرطوم. ونسبة التعليم في سكان توتي 100٪ ومنهم كثيرون شغلوا ويشغلون مناصب رفيعة في الدولة ومنهم مشاهير على مستوى السودان والعالم الإسلامي.
لماذا توتي
اختلفت المراجع حول مصدر تسمية الجزيرة، لكن المؤرخ البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم يشير في كتابه «تاريخ الخرطوم» إلى أن اسم توتي مصدره كلمة «تؤتي أكلها» باعتبار أن المنطقة زراعية ومشهورة بإنتاجها للخضروات والفواكة.
وظلت الجزيرة مغلقة على أهلها لمئات السنين ولا تتصل بمدينة بحري وأمدرمان إلا عن طريق المراكب (قوارب تقليدية من الخشب) وهي أكثر اتصالا بالعاصمة الخرطوم عبر «بنطون توتي الشهير» وهو ناقلة نهرية أكثر تطورا من المراكب، وحاولت السلطات الحكومية ترحيل أهل الجزيرة مرات عديدة، تارة بحجة حمايتهم من الفيضان، وتارة لتحويلها لمنتجع سياحي، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل وصمد الأهالي ضد سياسة الترهيب والترغيب.
وكان أهل الجزيرة يعرفون «الغريب» منذ دخوله للعبّارة النيلية ويرمقونه بنظرات متسائلة حتى يعرفون وجهته، لكن ومنذ عام 2010 تغيرت الأحوال بافتتاح جسر معلق يربط بين توتي والخرطوم ولم يعد الأهالي «يركنون» سياراتهم على الضفة جوار قاعة الصداقة، وانفتحت الجزيرة ـ بهذا الجسر- على العالم الخارجي.
«توتي المصور»
ولتوثيق الحياة في الجزيرة «المعزولة» قبل أن يغير الكوبري مناحي الحياة فيها، تم إصدار «كتاب توتي المصور» والذي ساهمت في إصداره عدة جهات هي: الجمعية السودانية لتوثيق المعرفة (سوداك)، سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالخرطوم، وزارة الثقافة والشباب والرياضة ومنتدى توتي الثقافي.
ويعد الكتاب مرجعا لتوثيق الحياة التقليدية في الجزيرة من خلال الصور التي قام بتصويرها مبدعون سودانيون وأمريكيون وانتهى العمل فيه بعد أكثر من عام من بداية الفكرة.
ويعكس الكتاب الطبيعة والمعالم الرئيسية للجزيرة، واحتوى على 120 صفحة تضم صورا ملونة مقسمة على ثمانية فصول تشتمل على صور توضح النبض الاقتصادي، المعمار، ثمار الارض، الناس، توتي في فترة التحول، الحياة اليومية والشعائر الدينية، وتمت طباعة الكتاب بالسودان، بثلاث لغات هي: العربية، الانجليزية والفرنسية.
وتم إيداع عدد من النسخ في كل من دار الوثائق القومية، مكتبة الكونجرس، جامعات السودان المختلفة، مدارس جزيرة توتي، وزارة السياحة والحياة البرية بولاية الخرطوم، المؤسسات الحكومية والثقافية بالاضافة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو)- قسم الفلكلور والمعارف التقليدية.
وفي ندوة للملكية الفكرية والتنمية المستدامة بعنوان (توثيق وتسجيل المعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي غير المادي) عقدت بمسقط – سلطنة عمان في عام 2011 قدمت الأستاذة فوزية يوسف- المدير التنفيذي للجمعية – ورقة بعنوان (الشراكة الحتمية لتوثيق التعابير الثقافية: نموذج كتاب توتي المصور) وأوضحت فيها أن الهدف من إصدار كتاب توتي التقليدية المصور هو استكشاف وتوثيق الحياة التقليدية واليومية في توتي فضلا عن أرشفة مشاهد ونقاط مرجعية هي رمز لتجربة الجزيرة. وأوضحت الورقة أن الكتاب وثق القصة الحقيقية لتوتي وروج لأهمية الحفاظ على الحقوق وسط أهلها مما يجعل أهل توتي أكثر عناية بأمر الإدارة الجماعية لحقوقهم.
وأشارت الورقة إلى أن الدرس المستفاد هو التأكيد على أن التغيير مهمة جماعية وأنه حان الوقت الحقيقي لتعهد الجميع ورعايتهم لهذه المسؤولية الجسيمة، كما أن الكتاب مثل الشراكة الحقيقية بين منظمات المجتمع المدني والحكومات، وأشارت الورقة إلى أن الكتاب يؤكد على أن التعاون الثقافي الصادق عبر الأعمال الفنية المبدعة يمثل الجسر والأمل في تعزيز التعاون الثنائي الشامل بين الشعوب.
امتد المشروع التوثيقي لجزيرة توتي ليشمل الجانب التشكيلي المتعلق بتوثيق المعالم الأصيلة في الجزيرة ذات الخصوصية الاجتماعية المميزة، فآثر نفر كريم من أبناء الجزيرة وعلى رأسهم الدكتور عمر الصديق على توثيق ملامحها القديمة قبل أن تندثر.
ويقول الفنان التشكيلي صلاح أبراهيم عن هذا المشروع: «بدأت في العمل في هذا المشروع عبر جانبه التشكيلي في عام 2007 وقمنا بإعداد رسومات لمشاهد عديدة مثل الحراثة، الطابية، النخلات الثلاث التي وصفها الفنان خليل فرح في إحدى أغنياته، والمعدية التي يعبر بها أهالي توتي يعبرون بها في أربعينات القرن المنصرم وكذلك بعض الأساطير المرتبطة بالغرق في النيل.
علماء من الجزيرة
وتعتبر جزيره توتي مسقط رأس عدد كبير من الشيوخ والفقهاء والعلماء والتربويين والسياسيين الذين صاروا رموزاً في المجتمع السوداني وانتشروا في كل بقاع السودان ومنهم ـ على سبيل المثال- الشيخ أرباب العقائد صاحب أول مسجد بمدينة الخرطوم خلال الحكم التركي «مسجد فاروق الحالي» والشيخ خوجلى أبو الجاز المعروف بأزرق توتي والذي سمي باسمه حي حلة خوجلي وحي الخوجلاب بمدينة بحري.
ومن أبرز السياسيين النقابي والشيوعي المناضل قاسم امين ومن أدباء توتي معاوية محمد نور الرائد في مجال النقد والقصة والدكتور عمر الصديق مدير معهد عبد الله الطيب للغة العربية بجامعة الخرطوم ومن الفنانين الفنان حمد الريح ـ إبراهيم خوجلي ـ العاقب محمد الحسن. وجاء اختيار جزيرة توتي ضمن الاحتفال العالمي للحد من مخاطر الكوارث الذي أعـــــلن في الثالث عشر من هذا الشهر وسيتم تكريم مجتمع جزيرة «توتي» في احتفال عالمي سينظم في القاهرة في تشرين الثانينوفمبر المقبل.
«توتي»… بعد الجسر
ويقارن الصحافي محمد جادين الذي يسكن الجزيرة منذ عدة سنوات بين الحياة في توتي قبل بناء «الجسر» الذي ربطها مع العاصمة الخرطوم وبعده ويقول إن الجزيرة كانت تعيش في عزلة تامة عند المساء، ومع آخر شعاع للشمس يلامُس ضفافها الخضراء يعم الهدوء التام الجزيرة وتتوقف المركبات النيلية المعروفة عند أهل توتي «بالفلوكة» عن الحراك في صفحات النيل وتعود للمرسى الصغير عند مدخل الجزيرة من الناحية الجنوبية ويُحكم ربط «المراكب» بالحبال على «أوتاد» مغروسة في الضفة تحسباً من أن يجرفها الموج تجاه الشمال، وتبقى «فلوكة» وحيدة في الضفه لحالات الطوارئ.
ويواصل قائلاً: توتي في السابق كانت تنام باكراً وتصحو مع الفجر وتنشط الحركة في النيل قبيل خروج موظيفها الذين يعملون في الدواوين الحكومية في الخرطوم لتصدير منتجاتها من الخضروات والفواكة والليمون لأسواق العاصمة. ولكن تبدل الحال شئيئاً فشيئاً بعد «الجسر» وأصبح المجتمع أكثر انفتاحاً على الآخر من السابق ولكن بكثير من الحذر وبعض التوجس، وحتى الآن ورغم «تغلغل» العديد من الغرباء إلى الجزيرة عن طريق إيجار «البيوت» بعد أن توسعت الجزيرة «رأسياً» وتفاوتت البنيات في الطول، نجد مجتمع توتي محافظاً أكثر من غيره من سكان العاصمة وحذراً في التعامل مع الغرباء.. وبعض أهل الجزيرة، خاصة من كبار السن، ما زالوا غير راضين عن بناء «الجسر» الرابط مع الخرطوم بُحجة خوفهم من «ذوبان تقاليدهم».