الشباب العربي والاغتراب المتعدد

حجم الخط
1

كان الصوت الإنتخابي الشبابي شبه غائب في الإنتخابات المصرية التي جرت الأسبوع الماضي، وقد أثار هذا السلوك السياسي دهشة واستغراب المراقبين غير الحصفاء. فالشباب الذي صنع الثورة في نظرهم، يتقاعس عمدا عن تلبية استحقاقات ثورته. فهل يعني هذا أن الجيل الجديد غير جاد ؟استنتاج خاطئ وظالم. ففي جانب آخر، كيف نفسر حماس الحشود من شباب عربي استطاعت (داعش) تعبئتها وتجييشها وأقنعتها بمطلب سياسي مشوش «الخلافة» يبذلون أروحهم رخيصة من أجله؟ فالموقفان دليل على قطع صلة الشباب مع واقع مجتمعي تعيس ولا يعرف البديل المُخلِص. فهو لم يعد قادرا على التكيف مع واقع عربي يتعايش فيه زمنان متناقضان. فالتقويم الفلكي يقول إننا في القرن الحادي والعشرين، بينما يقول التقويم الحضاري والفكري، أننا في القرن السابع. هناك فوات تاريخي، يعيشه العرب يوميا، ويعاني منه الشباب أكثر. وهذه أزمة حقيقية أي الفجوة بين الواقع والممكن، والشباب بطبيعته أقرب إلى الممكن، لذلك يصعب عليه التكيف والتعايش وقبول الأمر الواقع. وأذكر خلال ثورة الشباب في ربيع عام1968 في أوروبا، كانوا يرفعون على جدران الجامعات وبيوت الطلبة، شعارا يقول: «كن واقعيا وأطلب المستحيل!» ولم يكن ذلك يعني التوق لنموذج مثالي أو التعلق بيوتوبيا، بل قصد به ألا يقيدهم الواقع ويشكل نظرتهم للمستقبل، أي نوع من القطيعة الضرورية. والشباب العربي في أشد الحاجة لطلب المستحيل، لأنه يعيش غربة متعددة الوجوه لتعدد الأسباب.
إن جوهر مشكلة الشباب العربي تكمن في أنه جيل بلا آباء، سواء بالنسب المباشر أو خلال الآباء الروحيين والفكريين. فالعالم العربي شهد إندثارا متسارعا للطبقة الوسطى وهي قاطرة أي تغيير أو تطور ممكن. فمنذ الفورة النفطية في منتصف سبعينيات، شرعت هذه الطبقة وهي في أصولها الاجتماعية بورجوازية صغيرة قررت التنازل عن إيديولوجيات التحرير والاشتراكية والوطنية والتنوير، وحل محلها: «كوِّن نفسك». وهذا يعني الهجرة لأموال النفط في بلدان محافظة لا تحتمل أي قدر من تلك الأفكار، ولا تتسامح في التعبير عنها صراحة في بلاد المهجر الجديد. وقد قبل الكثيرون بصفقة الصمت مقابل المال، والذي يحقق أحلام البورجوازيين الصغار من منزل، وسيارة، وتأمين مستقبل الأبناء من تعليم وزواج. وهكذا تم تفريغ الأقطار العربية الفقيرة من طبقاتها الوسطى المستنيرة. والأدهى وأمر، أن هذه الفئات كانت تعود لأوطانها بالمال والهدايا الاستهلاكية، وكذلك بأسر ذات نساء محجبات أو منقبات بالإضافة لرجال بلحى طويلة، وجلابيب قصيرة، وأشرطة تسجيل الأدعية. ومنذئذ تسارع التصحر الثقافي، والجفاف الفكري، ولم يعد للشباب مصادر أو مرجعيات لفكر جاد. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ففي كثير من الأحيان يفتقد الشباب الأب الفيزيقي – الاجتماعي المربي. فالكثيرون من الآباء يتركون أسرهم بقصد تقليل الإنفاق في تلك البلاد ذات المستويات المعيشة العالية والغالية. وغالبا ما تقوم الأم برعاية مراهقين عصيين على التوجيه. وعندما نقول : جيل بلا آباء، نعني فقدان القدوة والمثال الجيد الذي يتمنى الشاب أو الشابة أن يكون مثله. ولكن الشباب يجد نفسه أمام كهول في السن والفكر وحب الحياة، تنازلوا عن الكثير، كسبوا الدنيا وخسروا أنفسهم. والعجيب أن هؤلاء يتحسرون أمام الشباب عما يسمونه: «الزمن الجميل». دون تفسير كيف ضاع ذاك الزمن ومن ضيّعه؟
إن السبب الجوهري الآخر في تعميق روح الاغتراب هو نظام التنشئة الاجتماعية والتعليم ثم التأهيل. فالأسرة ـ كما اسلفت ـ لم تعد عادية بسبب غياب دور الأب التربوي ، والذي حل محله التلفزيون والأقران في عملية القيام بالتوجيه وغرس القيم والأخلاق. أما نظام التعليم السائد، فهو كارثة حقيقية في تخريب الإنسان. وأذكر أن أحد علماء التربية- باولو فريري أو ايلتش- كان يقول: إن الأطفال يظلون أذكياء حتى يدخلوا المدارس. والأول كان يقول أن مدارسنا تحول الطفل إلى خرتيت أي بارد وغير مندهش ومنفعل. فمن البداية تقوم المدرسة بتأميم عقل الطفل وتعطيه بدلا عنه حافظة أو جهاز تسجيل بشري داخل الدماغ. فالتعليم يقوم على الحفظ والتلقين والذاكرة وليس البحث والاكتشاف والنقد، فهو تعليم «بنكي»- حسب فريري- تضع رصيدك وتسترده نهاية المدة وليس بالضرورة بأرباح، المهم لا ينقص. وهذا ما يفعله المدرس مع الطلاب. ويحرم الطالب مبكرا من حق الشك والتساؤل والدهشة والاستغراب، وتنقل له تجارب الآخرين. ويبدو الناشئون واليافعون، وكأنهم عاشوا هذه الحياة من قبل، وأنها ليست المرة الأولي. وهذا شرخ كبير في شخصية الشاب تتسرب منه كل أشكال الاغتراب. ثم تأتي المشكلة العميقة، هي أن هذا التجهيل والتغريب يوثق له بشهادات تزيف الحقيقة، وثبت أن حاملها متعلم وخريج كلية كذا. ويجد الشاب نفسه في أغلب الأحيان عاطلا عن العمل، وفي نفس الوقت عاطلا عن الحياة والاندماج وتحقيق الذات. وترجع أسباب العطالة الأولى إلى أن التعليم عشوائيا وليس مرتبطا بخطط التنمية ولا احتياجات المجتمع، وغالبا ما يكون نظريا عتيقا. أما عطالة الحياة، فالمدرسة لا تعلم الحكمة والعقلانية بل تحشو المعلومات، لذلك يستغرب الكثيرون من كون كليات الطب، والعلوم، والهندسة هي حاضنات لمتطرفين وارهابيين محتملين. والرد بسيط ، فهؤلاء لديهم قدرات هائلة على حفظ معلومات ونظريات علمية خام، دون التساؤل عن العقول التي انتجتها، ولا عن ظروف المجتمعات التي هيأت المناخ الاجتماعي والثقافي لنبوغهم.كما يعيش الشباب تناقض العلم والواقع.إذ بينما تفتح عشرات كليات طب، تعج أجهزة الإعلام لإعلانات العلاج بالحجامة والرُقى الشرعية.
ينطبق علينا في تعاملنا مع الشباب العربي القول: «ألقاه مكتوفا إلى اليم وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء». فالشباب العربي يتيم وأعزل، وفي نفس الوقت صادف عصرا تكتسحه العولمة وتجرف كل الحدود الفاصلة بين الثقافات. ويواجه المعضلة التي حيرت وأربكت الكبار، وهي كيف نكون نحن أي ذواتنا الثقافية الخاصة وفي الوقت نفسه جزءا من هذا العصر؟ هذا الهاجس الذي تحول إلى فوبيا الحضارة الغربية . ورأى بعض الرواد التنويريين الحل في دعوة «اللحاق بالغرب» مع التمسك بخصوصيتنا، وهذه توفيقية صعبة التحقق. ولكن غالبية رأت مستقبلها خلفها أي العودة للماضي وأننا لم نتخلف إلا بسبب التفريط في التمسك بذلك الماضي. ووسط هذه المتاهات الفكرية، نطلب الشباب الأعزل أن يقرر طريقه بوعي لم نسلحه به. ويتعقد الأمر أكثر، حين يحس بغياب أسباب النهضة. فالفساد يحيط بمجتمعه ويتم التعامل معه كأمر طبيعي أوعادي. ويفرض عليه قبول إنكسار سلم القيم لتعلو قيم المال والامتلاك على قيم المعرفة والنزاهة. ولذلك علينا ألا نستغرب حين نرى الشباب العربي في قوارب الموت في البحر، أو وهو يعبر الحدود التركية نحو دولة الخلافة، أو يبتعد عن السياسة مفضلا الالتراس المشجعة لناديه الرياضي، أو نجده باحثا عن قطعة مخدرات. فالمستقبل العربي قاتم ومظلم، لأن المستقبل يبدأ الآن وهنا ولا يوجد في الأفق شيء ينتظرنا ـ حتما ـ هو المستقبل الموعود، بل هو مشروع نواته ومكوناته هي الأجيال الجديدة الحالية التي تفترض أن تصنع الغد وتمتلكه.

٭ كاتب سوداني

حيدر إبراهيم علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية