لم يعد بوسع التحليل المعاصر للخطاب الأدبي أن يلامس مورفولوجية النصوص الأدبية؛ لما لهذه النصوص من ارتباط عميق باللسانيات والسميائيات وأشكال البنى الدلالية والأسلوبية، لكننا في هذه الدراسة النقدية سنجرب لعبة التحايل والالتفاف على النظرية النقدية المعاصرة، من أجل تفكيك مفصليات «مصحة الدمى» للأديب المغربي أنيس الرافعي، لما لها من خصوصية وفرادة التجديد في بنى ومضامين النصوص.
واختياري لهذا المنجز القصصي لم يأت محض الصدفة؛ وإنما جاء نتيجة مواكبة قديمة لأعمال الرافعي في عالم السرد القصصي القصير؛ منذ خروجها إلى دائرة الضوء وهي تسارع الزمن من أجل صناعة اتجاه جديد ومغاير للقصة العربية المعاصرة؛ لما أدخله عليها من أبعاد أسطورية وفنية وواقعية سحرية وسرد عجائبي…
حقيقة أن القاص عندما يريد الدخول في مغامرة قصصية جديدة فإنه يشعر بنوع من الرعب ويتهيب الكتابة؛ وهذا الشعور بالتهيب هو نوع من الوعي بالكتابة؛ وعندما يعي القاص بالكتابة فهي الكتابة نفسها؛ وهذا التهيب ينتقل بشكل تلقائي إلى القارئ؛ حيث أنني شعرت برهبة وأنا أعانق «مصحة الدمى»، غير أنني في لحظة قراءة واعية شعرت بأنها فتحت لي أكثر من هامش؛ والهامش الذي سيج تطلعاتي وكل فضاءاتي هو مسألة التجريب، ذلك أن الرافعي جرب مغامرة جديدة في السرد القصصي؛ مغامرة فريدة ومتميزة؛ نقتطع منها ثيمة التوازي السردي مع اللاسردي؛ حيث النصوص السّردية لا تَنبني بشكل فردي وإنما تنمو وتنهض بشكل متواز ومواكب لنمو نصوص حكائية لا سردية؛ وهي تقنية جديدة تعتبر تراكما تجريبيا بعد تجربة الشركة المغربية لنقل الأموات التي تنمو نصوصها بشكل حثيث ومتواز مع ترتيبات ليالي الحضرة.
قد يقول قائل إن أنيس الرافعي ينشئ نصين مختلفين الأول حسي حركي نعيشه بحاسة البصر، والثاني مجرد تَبْنِيهِ مُخيلة السارد من جهة وتخييل القارئ من جهة أخرى؛ حيث القارئ يجد نفسه وسط أشكال تعبيرية لا سردية؛ وزعها الكاتب في شكل أقسام وأجنحة وكأنه بهذه الأشكال يوجه القارئ إلى الوجهة التي يبتغيها؛ لأن الأشكال التعبيرية اللاسردية تكون أسهل في تحديدها والتعرف عليها؛ مقارنة بالأشكال السردية المُجَردة؛ لأن الأعمال اللاسردية تحيل إلى موضوعات محددة في الواقع أو إلى إحالات خاصة بهذه الموضوعات؛ فهي تثير بداخلنا استجابات؛ سواء أكانت تمثل موضوعات محددة في الواقع أم لا.
إن السرد القصصي بهذه الأشكال التعبيرية الجديدة أعطى للبنية القصصية تصاميم مختلفة؛ لأن مثل هذه الأشكال التعبيرية يستجيب لها المتلقي بسهولة؛ ويعتمد في استجابته هذه على تداعيات أو ترابطات معينة ترتبط بثقافته الخاصة؛ وبحمولته القرائية.
وعندما نتحدث عن تلقي النصوص القصصية القصيرة فإننا نتحدث عن متلق خاص محترف يرقى إلى مستوى المادة القصصية؛ لأن الأديب في هذه المجموعة يتوجه بشكل خاص نحو الجديد؛ وبالتالي على المتلقي أن يتوجه بدوره إلى الجديد؛ ويُعد هذا الالتقاء بين الملقي والمتلقي اكتشافا جديدا لما يَصحبُه من متعة جمالية وتفاعل وتقييم؛ لأن العلاقة بين الملقي والمتلقي ضرورية؛ وفرويد في كتاباته لم يذكر أي فروق جوهرية بين المبدع والمتلقي، أو بين نشاط الإبداع ونشاط التلقي؛ لأن المتلقي مبدع آخر يعيد النشاط الإبداعي للكاتب بطريقته الخاصة.
والشيء الذي يستفز القارئ في «مصحة الدمى» هو عنصر التخيُّل الذي يعتلي منصة مرموقة في هذه المجموعة القصصية؛ لكونه يؤدي وظيفة مهمة في عملية الكتابة القصصية القصيرة؛ فهو يكثف ويذخر البعد الفني والجمالي من ناحية؛ ومن ناحية أخرى يخلق حافزا لدى المتلقي؛ ويغذي عنصر التَّخيِيل عنده؛ لانجذابه نحو عوالم منشودة قد تكون ذات صلة بالواقع، أو لا تكون؛ مع العلم أن الكتابة القصصية تنطلق من الواقع لتعود إليه؛ بمعنى أن واقعية هذه المجموعة القصصية لا ترغب في الارتباط بالواقع المعيش والمُبتذَل؛ وإنما تهدف إلى الارتقاء إلى واقع مأمول، لأن الكاتب يستمد أحداث قصصه من الواقع المتخيل ويسندها إلى شخصياته في شكل متواليات سردية عميقة تُحاور وتُجاور الواقع؛ لكنها لا تنقله بشكله الآلي وإنما تنقله بشكله الأدبي المرغوب فيه؛ حيث يضفي عليها ما سماه رولان جاكبسون بأدبية العمل الأدبي أي ما يجعل من الأدب أدباً.
ونظيف كذلك نقطة إلماعية أخرى هي أن البناء القصصي الذي شيد به أنيس الرافعي هذه المجموعة القصصية يعتبر بناء مختلفا ومُغَايرا؛ فليس ثمة دور للفرد في هذا البناء القصصي؛ الذي يضحي بالنزعة الفردانية في سبيل الرؤية الجماعية؛ حيث الكاتب يتوارى بين السطور؛ ويبدأ في توزيع الأدوار على دُماه في «مصحة الدمى» والدمى في رُكْحِ وفضاءِ هذه المجموعة القصصية هي التي تمسرح نفسها وتبدو للقارئ وكأنها كائنات حية تؤدي أدوارها في حياة السرد وفي بُناه السطحية والعميقة.
ونتساءل جميعا ما تكون هذه الدمى؟ أهي شخصيات تقليدية مِنْ دم ولحم محجوزة كحالات مرضية في قسم الأشعة؟ أم هي شخصيات ورقية متفلتة؛ تتغير بتغير الأدوار التي تؤديها؛ وتتحرك بِتحرُّك الأحداثِ وتَغَيُّرِ مجرياتها؟
من جهتي أعتبر شخصيات «مصحة الدمى» شخصيات ورقية؛ تواكب مسار السرد الحداثي؛ وتعبر عن رغبة وعشق في هلامية الشخصيات؛ التي تقدم إلى القارئ فارغة وهذا الأخير هو الذي يملؤها بما يناسبها من شحنات إيجابية تخدم العمل القصصصي؛ شخصيات تتمدد وتتمطط، بحسب ما يسنده لها الكاتب من أدوار؛ تبدو طيعة مرنة بين أصابعه وكأنها دمى أصابها عطب ما؛ تنتظر دورها من أجل إصلاح هذا العطب؛ دمى بحاجة إلى وخزة للعقل لإيقاظه من سباته؛ ويَدٍ تقوم بتصليحها لتساير حركية الزمن، ولا يمكنها التصرف بحرية لأن حريتها مقيدة بشروط وضوابط الكاتب؛ لأنه لا يتسامح مع أي هنة أو هفوة صادرة منها.
وأخيرا ينبغي أن نسجل نقطة أساسية تُحسب للأديب أنيس الرافعي وهي إيمانُه الشديد بالتمازج الحضاري بين الثقافات والأُمَم؛ ويعتبرها مسألة ضرورة ومهمة؛ لأن ما يجعل للثقافة بعدا مهما هو إنسانيتها؛ وهذا يظهر جليا في تأثره بالسرد القصصي العالمي وهذا شيء إيجابي يكشف عن إنسانية هذا الشكل الأدبي القابل للتلاقح خدمة للقارئ؛ والأديب أنيس الرافعي استوعب جيدا لعبة السرد القصصي عند خوان رولفو وأنيتي وكورتزار وبورخيس وغيرهم من عمالقة السرد القصصي القصير في أمريكا اللاتينية؛ غير أن الرافعي استطاع بمهارة وبحرفية عالية تبييئ القصة القصيرة بأن أعطاها صفة «القصة العربية»؛ وبالتالي أصبحت تواكب مستجدات العصر؛ وترقى بذائقة المتلقي العربي الذي سئم السرد الكرونولوجي التعاقبي التقليدي الذي يتتبع الأحداث القصصية وينقلها بشكل متوال يعرف القارئ مسبقا نهاياتِها.
ناقد مغربي
محمد يوب