«أبو علي» يعيد حساب المسار

حجم الخط
0

ثمة طريقة اخرى لتفسير الزيارة المفاجئة التي جرت في منتصف الاسبوع الماضي في موسكو، والطريقة التي نشرت فيها صور الرئيس بوتين والرئيس بشار الاسد على مواقع الاخبار وتركت وكالات الاستخبارات بافواه فارغة.
الحدث الدراماتيكي، الذي يخرج فيه الاسد من البلاد لاول مرة منذ الحرب الاهلية يبدو كاستعراض للعضلات من جانب بوتين، الذي يستخف بكل العالم الراغب في أن يرى الاسد منصرفا، مختفيا، تاركا المفاتيح بلا قائم بالأعمال. وردت تركيا والسعودية بانعدام صبر على اللقاء. فرئيس وزراء أنقرة داوداوغلو مستعد لان يساوم على ستة اشهر، وزير الخارجية السعودي الجُبير يريد أن يرى بشار خارج سوريا فورا دون ان يفكر من سيأتي بدلا منه.
يجدر الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة: بوتين هو الذي استدعى بشار. وعندما يستدعي بوتين، يمتثل بشار ـ حتى وان صعد إلى الطائرة بلا شهية دون أن يعرف إذا كانوا سيحاولون اغتياله في الطريق إلى موسكو او لدى عودته إلى الديار. فهل غفت وكالات الاستخبارات في الحراسة؟ قصور اسخباري؟ يحتمل أن تكون «العيون» مع ذلك اشركت في السر؟
وحقيقة مثيرة أخرى: الأسد خرج إلى موسكو وحده. بلا حاشية، بلا وزراء مراقبين، بلا مترجم، بلا سكرتير يسجل محضر المحادثات الثلاثة التي اجريت في ظلمة الليل في الكرملين. في الصور حرص على أن يوزع الابتسامات ويبث الثقة، ولكن بوتين بدا باردا ومتجمدا. كما حرص على أن يلقي بملاحظة في أن مصير بشار لم يطرح في المحادثات. طوبى للمؤمنين. فعلى ماذا بالضبط تحدثا؟ نوصي إلا نشتري رواية الناطقين في موسكو في أن الاسد اراد ان يشكر بوتين على تجند روسيا العسكري.
في وكالات الاستخبارات ووزارتي الدفاع والخارجية في موسكو يطبخون الان خريطة طريق التفافية لبشار. كيف يقام حكم انتقالي في سوريا يدرج شخصيات محلية وشخصيات من المعارضة السورية في المنفى. هذا اجراء صعب، معقد ومركب سواء بسبب الطابع الدكتاتوري لنظام الاسد أم بسبب المعسكرات في منظمات الثوار. مهما يكن من أمر، فان خريطة الطريق الروسية تأتي قبل كل شيء للحفاظ على المصالح المتضخمة لروسيا في داخل سوريا.
ليس ملحا لبوتين. من جهته، بشار، بقوته المحدودة، مدعو لان يبقى إلى أن ينتهوا من العمل من فوق رأسه. فهو مطيع وغير مزعج. كما أن الحرس الثوري الإيراني استوعب الاشارة الروسية وخفض مستوى الاهتمام. ومسموح منذ الان الرهان على أن في الانتخابات التالية للرئاسة بشار لن يتنافس. إذا ما بقي على قيد الحياة، فانه سيكون بعيدا عن «قصر الشعب» في دمشق، خارج حدود سوريا. محللون بارزون في العالم العربي يسمون بوتين «ابو علي». بعضهم يؤدون التحية للخطة التي يعدها لابعاد بشار بلا ضغط. بعضهم يحذر من مناورات «ابو علي» المخادع الذي يحرص قبل كل شيء لمصالحه. من المهم الانتباه للاشارة الواضحة التي اطلقها بوتين بينما يجلس الاسد امامه، وجها إلى وجه. فبعد التدخل العسكري الروسي في سوريا، قال بوتين، سيأتي دور الحل السياسي حسب ارادة الشعب السوري. ثلث الشعب السوري فر للنجاة بحياته من رئيسه. وبوتين لم يذكر بشار كجزء من الحل.
إسرائيل هي الاخرى تدرس كل الخيارات. يمكن التخمين بان مسائل مصير الاسد واليوم التالي طرحت في لقاء نتنياهو مع بوتين. وهذا هو السبب للاعتراض الشديد من محافل الأمن للمبادرة لجلب وفد من الجنرالات الذين فروا من سوريا الان بالذات إلى اجتماع خطط لان ينعقد غدا وبعد غد في القدس. فقد استجاب الجنرالات للدعوة وهم يستجدون لادخال إسرائيل في مستنقع الدماء السوري. اما إسرائيل الواعية فقد قررت الاحتفاظ بمسافة. لإسرائيل ايضا لا يهمها كم من الزمن سيبقى بشار. المهم إلا تستثير اعصاب بوتين.

يديعوت 26/10/2015

سمدار بيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية