عن التّبعية والتّوريث وعبودية الإعلام العربي ما بعد الثورات

حجم الخط
0

إن تبعية الإعلام للسلطة من أهم عوامل خلق وتعزيز المعارضة الشعبية لأي نظام حاكم، ففي حين يجب أن تكون السلطة الرابعة رقابية على السلطات الثلاث الأخرى وموجِهة لها بقوة الرأي العام، إلا أنها تعاني من إهمال وراثي لدور الرأي العام في تقييم وتقويم محركات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة العربية، كنتيجة حتمية لعبوديتها، في ما يتم اغتنام كل فرصة ممكنة لخلق منابر مقدسة على حساب الإعلام الحر صاحب ولاية الكشف والمحاسبة والتقويم.
لا يختلف الغرب عن الشرق كثيرا، فهو على الرغم من التزامه مع مخرجات ثورات شعوبه، التي أطاحت بكل أشكال الديكتاتورية السياسية والدينية وبالإقطاعية منذ عقود خلت، ومن أثمنها إطاعة إعلامه للرأي العام ودوره في تطويع الدولة، بما يتفق ومصلحة مواطنيها، إلا أنه وبالتزامن، يبذل أقصى طاقته في تحليل ودراسة والسيطرة على جمهوره، عدا عن ما فيه من تناقضات أخلاقية، يعتبرها أصحابها قيما وطنية، ونراها في الشرق ظلما وتعديا، ما بين التهجم على الرموز الدينية، إلى تبرير قتل الأبرياء في الجغرافيا الإسلامية، مرورا بقلب الحقائق في ما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية عبر منصات التشويه الموجهة ضد الشرق خاصة.
تعيش غالبية مؤسسات الإعلام العربي حاليا حالة من الدونية الموجعة المُحزِنة، تشبه تلك التي كانت تحس بها الجغرافيا العربية حيال الإعلام الرسمي، الذي لم يعرف من اللغة العربية سوى المدح والهجاء والوحدانية. والظاهرُ أنّ عدوى «الأنا» أصابت الكثير من إعلاميي عصر الثورات. ففي حين يؤمنُ هذا النوع أن كل ما يقولُ أو يكتبُ مُصدّقٌ، نتيجة إقناعه بالـ»أنا» التي صنعتها له السلطة السياسية وأقنعته من خلالها بانتصارات وهمية على جمهوره، بعد أن منحت الدولة لهذا النوع من الإعلاميين مساحة في حديقتها الخلفية كافية لاحتفالهم برضى القصر عن فظاعة فسادهم الإعلامي، غير متنبهين إلى أن الآخر لا يزال موجوداً، يُميّزُ ويطلق أحكاما ويحدد اتجاهاته بناء على ما يسمع ويقرأ ويرى.
على الجبهة العربية في عصر الثورات تحديداً، وما تبعتها من اهتزازات، يبدو واضحاً أنه أُوحيَ لبعض الإعلاميين بنصوصِ خَطابةٍ مقدسة، ورُسمت لهم الحدود، وهم من لبسوا قناع كل نظام حاكم في وقته، فتم تتويجهم ملوكا لإعلامٍ مُخادِع لا يُصدّقُ هو ذاته، في أغلب الأحيان، ما يقول أو يكتب، فآمنوا بأن لديهم القدرة على ممارسة التنويم المغناطيسي، واعتبروا خاطئين، أن كل من يسمعهم أو يقرأ لهم قد صدقهم واستن بسننهم، فصار لا يسمع ولا يرى إلا من خلالهم، وفق نظرية تسلسل العبودية التي يعيشونها هم أنفسهم، فأجمعوا كيدهم على لسان واحد، كل حسب امكانياته اللغوية وخبرته وأخلاقه، ما بين السباب والشتم وممارسة الرذيلة الإعلامية، والتلذذ بغرز لغتهم المسمومة في صدور الخصوم السياسيين، على قاعدة «من ليس معنا فهو علينا»، فبدأت الحرب الإعلامية في أرض العرب ضد كلّ من لا يصفق للسلطة الحاكمة، حتى وصل بها الأمر إلى إلقاء اللوم على المواطن، حين يخطئ النظام في قواعد اللغة العربية.
في ظل تلك المهزلة الإعلامية لم ينتبه هؤلاء «الصحافيون»، أو من يحركونهم من وراء الكواليس، إلى أن هنالك إعلاما آخر قادرا على التأثير، وأكثر تحريا للصدق في نقل الخبر والتحليل، وأكثر حظا في توجيه الرأي العام بامتلاك الحجج والدلائل والبراهين، وإلى أن الجمهور ما يزال خارج إطار الـ»أنا» التي صنعتها السلطة السياسية ليعيش بداخلها إعلاميو البلاط، وأن هذا الجمهور تعلم بعد سنوات من حكم الديكتاتوريات ما يُصدَق وما يُكذّب، واتجاه أي قبلة تجوز الصلاة، وأن الهجوم على معتقدات الجمهور من قبل أجهزة الإعلام هو الفخ الذي يسقط فيه الطواغيت في الشرق والغرب. وفي معركة الكنيسة الأوروبية ضد السلطة السياسية قراءات عظيمة في إدراك الشعوب، إذ لا يزال الفلاح، والعلماني وحتى الشيوعي مؤمنا لا يمكن تشكيكه في الله.
وفيما تحولت علاقة الإعلام من الخصومة مع السلطة السياسية – وهي النظرية الأنسب للعلاقة من أجل خدمة المجتمع – تحولت إلى التبعية لتمارس الصحافة حريتها من مكاتب الأمن، متنقلة ما بين الترويج للسلطان وتبرير خطاياه، في تناقض واضح مع ما يعيشه المجتمع، متغاضيةً عن دورها الرئيس في كشف أي انحرافات للسلطة السياسية في تطبيقها للقانون، فوقفت عاجزة إلا عن نقل وجهة النظر الرسمية وبكل الطرق، التي منها ما لا يحترم أخلاقيات المهنة ولا أعرافها، من كيل السباب والتشهير والقذف والاتهامات والتزوير من دون رقيب أو حسيب، فانتقلت من وظيفة حراسة المصالح العامة إلى حراسة النظام السياسي، فيما يرى الجمهور ويسمع ويحكم بضعف مصداقيتها، ويتداول الرواية بانعدام الثقة بها، نتيجة لاكتشاف أكاذيب الإعلاميين وتسلطهم على من تشير إليه بندقية السلطة الحاكمة، ورأى فيها الجمهور صحافة ما عادت تخدم المجتمع، بل صارت تضلله، ولا تكشف الحقيقة، بل باتت تخدعه، فصارت صحافة الخرافات والتلعثم الذي فضح الكثير من أكاذيب السلطة الرابعة.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن عدم ثقة الجمهور بصحافته، خاصة أنه يتعرض لإعلام آخر أكثر مصداقية في ما يتعلق بأوضاع الناس وحياتهم اليومية، فإن هذا الجمهور قد يتحول إلى عدو للدولة في أي لحظة قد تحتاج فيها لتأييده في قضايا خارجية على مستوى الأمن القومي، ما قد يضر بالنظام بشكل قد لا يتحمله في لحظة مصيرية، حينها لن يجد من يصدقه، ولن تجد السلطة مساندة جماهيرية تلتف حول إعلام كاذب صنعته بأيديها، وهنا تسقط السلطة السياسية في مأزق انعدام مهنية الإعلامي حينما تحتاجه.
ومن أمثلة الإعلام العربي المهجّن وآثاره المدمّرة، إعلام مصر الذي أطلقت له أجهزة الأمن آنذاك، العنان لصناعة انتصار وهمي إبان حرب الأيام الستة عام 1967، حيث تحدث الإعلام المصري عن صاروخي القاهر والظافر على مدار 24 ساعة، فأقنع المصريين بأن زوال «إسرائيل» لن يستغرق أكثر من مسافة وصول الصواريخ إلى «تل أبيب»، وبدأت الحرب، فخرجنا منها محتلين شمالا وجنوبا، ومهجرين شرقا، وخاسرين الغرب إلى اليوم. وفي عام 2014، تغنّى إعلاميو مصر أجمعين باختراع الجيش جهازا لعلاج مرض الأيدز، قطعة معدنية تشبه «هوائي الراديو»، وحوكم من المصريين من شكّك في الخبر، واتهم بالخيانة كلّ من طالب بتفسير علمي، حتى أغلقت فضائيات وطرد صحافيون من عملهم، وهرب إلى أقاصي الأرض آخرون نتيجة مطالبتهم بالحقيقة ومحاولة توعية الشعب بأكاذيب إعلاميين صنيعة السلطة السياسية، الذين ما لبثوا هم أنفسهم أن انقلبوا ضد الاختراع ذاته، من دون أن يشككوا في مصداقية سيدهم.
أن تصنع السلطة السياسية إعلاميين وتهيئ لهم الطريق لتشويه صورتها فتصبح السلطة بنظر الجمهور ديكتاتورية لا تقبل الاختلاف ولا التعددية في محفل دفاعهم عن الدولة وهجومهم على كل من يعارضها، فينقلب السحر على الساحر، هذا ما يعصف بالإعلام العربي بعد الثورات. فقد أطيح بالصحافة المهنية ذات الكفاءة مقابل صناعة صحافة الردح والتكفير والتخوين، غير الموهوبة والمنفّرة للرأي العام أكثر من أن تكون حاشدة له. فمنها من لم يغير نص رسائل أجهزة الأمن، بل قرأها على شاشات التلفاز كما وصلته، فابتسم الجمهور أمام الشاشة باشمئزاز، ومنهم من لم يكتب من مقاله أو تحليله سوى اسمه في النهاية، فقرأها الجمهور ثم ألقى بالصحيفة في سلة المهملات، في انتظار الخطوة المقبلة.
إن تبعية الإعلام من أكبر الأخطار المحيطة بالسلطة السياسية، لأنها تقود إلى عكس تأثير الإعلام في الجمهور من ناحيتين، أولاهما تَشَـوُّه طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها وانعدام الثقة وصولا إلى التمرّد بأي شكل كان، وثانيهما ازدياد ثقة الجمهور بوسائل الإعلام الغربية التي قد تقود إلى عكس ما تريد سلطة الدولة الوصول إليه، فلا يجب المراهنة على التحكم في وسائل الاتصال في العصر الرقمي، الذي أنهى قضية الرقابة وإخفاء الحقيقة، إضافة إلى أنه لم يعد من تأثير لوسائل الإعلام التي تتحكم فيها السلطة السياسية (الإعلام الرسمي) على الجمهور.
لقد بدأت حملة التذمر، فالشكوى، فالصراخ في وجه الأنظمة الجديدة، وبدأت أسئلة الجمهور تزداد حول إلى أين تقوده تلك الأنظمة، ما بين القتل والتشريد بحجة الإرهاب لدى البعض، إلى منع الصلاة في مساجد آخرين بحجة الأمن، إلى بعض القصور التي صارت تؤدى فيها الصلوات إلى قبلة غير تلك التي يؤمن بها أهل البلاد، انكسر الزجاج وسُمع الصوت، وصار الإعلام أكبر مسيء لصانعيه، فهل انتبه الملأ أم لا يزالون في غفلة إلى أن تأتيهم البينة؟!

٭ كاتب وصحافي فلسطيني

حسان عواد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية