وقف أبو تهامة بين شجرتين في التلال.
وقال لي: هذا المكان مناسب.
كانت مهمتنا تتلخص باختيار نقطة للمراقبة. يعني تجهيز حفرة لراصد.
نظرت إلى الأمام، كنا نعلو على سطح الأرض المنبسطة بحوالي 25-30 مترا. وكلها أمنامنا على امتداد البصر. مربع معشب تغطيه نباتات ميتة بسبب الغبار ودخان البارود، وخلفه أرض صخرية لم تلمسها الفلورا بحياتها. فهي مجرد صخور عرضة للريح وتغمرها الشمس. وتبدو من هذه المسافة كأنها أطلال.
أومأت له برأسي.. يعني موافق. فوضع الرشاش على الأرض وأخرج من الجعبة فأسه الصغير وبدأ يوضب الحفرة. ولم أجد بدا من مساعدته، كنت أمهد له التراب تارة بيدي وأحيانا بحربة حملتها في الزنار. كل عسكري بيننا يحمل مثل هذه الحربة في جراب من الجلد، مع مطرة للماء، وكنت ألف مطرتي بقماش الكتان الرقيق، وأبلله كلما أمكنني وهكذا أشرب كأنها مياه في ثلاجة. فجأة توقف أبو تهامة وهو يلهث ونظر إلى يديه، كانت أصابعه متورمة، فهو لا يعرف كيف يعمل بالأرض، كانت مهنته موظفا في المالية.. لا يرفع رأسه من فوق السجلات.
قال لي: شلت يدي من هذا العمل.
وبدأ يسكب الماء على يديه ليبرد التهاب أصابعه…
جلست على الأرض بانتظاره، وجعلت ألهو بالحربة، أغمس رأسها في التربة. هل كنت أود أن أقول شيئا لهذه الأرض. إننا نخسر أنفسنا بالتدريج، وإننا نسرق أرواحنا قبل أن نموت. لو فقد أحدنا حياته لن يخسر شيئا، فكلنا جثث هامدة محرومون من المشاعر.
بعد ذلك رفع العبوة وشرب قليلا، ببطء ليربح بعض الوقت وأعرف السبب، كان ذهنه مشغولا بتأخر الرسائل من أهله. أضف لذلك مشكلته مع الخطيبة، بعد تبادل الخواتم التحق بالخدمة ولم يسمع منها شيئا، ويخشى أن يستغل أحد الفرصة ويأخذها منه.
في هذه الحرب تعلمنا أن نضع الخسارة نصب أعيننا، وهل في ذلك شيء غريب؟ ذاكرتنا لا تتسع إلا للهزائم، كلما نظرت إلى الماضي ترتعد فرائصي، فهو سجل للتراجع، لا تمر عشر سنوات إلا ويقضم أحدهم قطعة منا.
* * *
لاحظت أن أبا تهامة يجول بعينيه في أرجاء السماء، عما يمكنه أن يبحث هناك..
لا توجد سوى الغيوم! وماذا وراءها.. عالم مجهول وغامض. ليس لدينا أدنى فكرة عمن يقطن فيه، هل هم ملائكة أحرار يذرعون الفراغ مثل النجوم، أم أنهم من مخلوقات الفضاء، وهل فعلا توجد مخلوقات بجلد أخضر ومحاجر مستديرة تتجول بين الكواكب..
شاهدت صورة لأحدهم في الصفحة الأخيرة من إحدى الجرائد، كان بجانب السفينة المعدنية التي تعكس أشعة الشمس، ويبدو بوجهه المأساوي كأنه من ضحايا انفجار.
* * *
بعد أن التقط أنفاسه تابعنا تجهيز الحفرة.. فسألته: هل تعتقد أننا سنشتبك الليلة؟
قال وهو ينفخ من التعب: في أغلب تقدير..
– وهل ستكفينا هذه الدبابة؟ سألته وأنا أشير إلى خطوطنا في الخلف، حيث ترابض الدبابة مع مدفع م.ط.
قال: ولم لا؟ إنها تي 72.
وانتبهت أنه لم يفهم الإشارة، لم يستوعب ما بين السطور، أن الرامي مشهور بعدم توازنه فهو سكير يتعتع نصف النهار من شرب البيرة ويفضل أن يغيب عن الوعي حتى لا يفهم معنى ماذا يفعل، إنه أداة للموت، أداة بيد رسول الموت فقط. أردفت وأنا أهيل التراب على أطراف الحفرة: أنا لا أشكو من الدبابة، ولكن من القاذف…
رفع عينيه نحوي ونظر لي نظرة جافة، لم أعلم ماذا أراد أن يقول، لأنه بعد أن تقابلت نظراتنا هز رأسه وتابع تعميق أول الحفرة، هنا حيث يجب غرس مسند الرشاش، يجب على قوائمه الثلاث أن تهبط في هذه البقعة. وهذا يحسن من وضع الفوهة والسبطانة،
سوف تلقي الحمم كأنها ترمي بحمولتها من طائرة في الأجواء. لا يمكنك أن تربح الحرب إلا إذا كانت الخطة محكمة. هذا شعار أول درس تلقيناه في التثقيف العسكري.
أذكر أن الموجه وهو برتبة نقيب كان يقف على المنصة ويكتب بالطبشورة على لوح أخضر باهت له لون الطحالب أو الإشنيات، كائنات المياه الملوثة وغير النظيفة.
اليوم لا توجد تلك السبورة الشبيهة بالمستنقعات وحلت محلها شاشة بيضاء من البولي فينيل، ولا يصلح غير الشنيار لتكتب عليها.
* * *
لم يعجبني تجاهله للرد، وكنا قد أشرفنا على الانتهاء من عملنا.
فسألته: لماذا تتستر عليه..
وهنا أجاب بتذمر: هل يمكن أن تصمت ريثما ننتهي..
ولم أستوعب لماذا يتجاهل المشكلة، كان هذا الرجل نقطة ضعف بين صفوفنا، لقد حول الدبابة من حصن نحتمي به إلى هدف مكشوف، ورأيته يتلفت حوله، كانت الكتيبة وراءنا بحوالي ثلاثمئة متر، وتفصلنا عنها أشجار حور باسقة، كل واحدة يبلغ طولها 150 مترا.. لها جذوع فضية بلون الصخور المترامية في أسفل السفوح. أما فروعها وأوراقها فهي بألوان رمادية مغبرة متأثرة بشمس نهايات آذار. إنه فصل الربيع، ولكنه ربيع ميت، ضحينا به على مذابح أنانياتنا. لماذا نتحارب.. ما هي الغاية المضمرة، لأن كل ما نقوله في العلن هراء، لا يمكن للحرب إلا أن تستعبد وتسترق…
* * *
خفض أبو تهامة رأسه وهرول إلى مبعدة عشرين ذراعا. لم أعرف بالضبط ماذا يريد أن يفعل، هل لمعاينة السفوح من زاوية مختلفة أم لحاجة مخجلة وملحة.. واغتنمت الفرصة فاختلست نظرة من المشهد المنبسط أمامي، كانت الطبيعة تصلي بورع وخشوع وصامتة على نحو يثير الارتياب. لا صوت انفجار ولا طائرة تذرع السماء..
ثم لاحت في الأفق بعض سيارات الجيب ذات الدفع الرباعي. فاستعملت المنظار لأعرف لمن تعود. كان الغرماء كثيرين مع أن الحرب هي نفسها. ورأيت الرايات لم أشاهد مثلها من قبل. لها شكل رقعة عليها نقاط صفر.
سألت أبا تهامة: هل تعرف لمن هذه البيارق..
لكنه لم يرد.
ناديت عليه: أبو تهامة..
لم يرد أيضا، وعندما التفت لأرى لماذا يصم أذنيه.. لم أجد له أثرا.
كانت السفوح نظيفة بلا إنسان.. لا وجود ولو لشخص واحد، وتغطيها دوائر معشبة قليلة تتمايل مع النسمات.
سألت نفسي: ترى أين ذهب هذا الأحمق وتركني…
ثم أخذت وضع الرامي منبطحا ووضعت باحتراس طلقة في بيت النار…
كاتب سوري
صالح الرزوق