مسؤول ليبي بارز أثنى منتصف يوليو الماضي على سلطات تونس وفطنة وبراعة أجهزتها الأمنية، مؤكدا في تصريحات إعلامية نشرتها حينها صحيفة «الصريح» المحلية ما وصفه بقوة التواصل والروابط الاجتماعية بين البلدين.
كلام بدا للوهلة الاولى مجاملة دبلوماسية باردة وبلا معنى، لولا تأكيد صاحبه، وهو وزير داخلية في حكومة طبرق، أن السبب وراء كل ذلك المديح هو أن تدخل السلطات المعنية كان حاسما وناجعا لإنقاذ حياته، وإجهاض مخطط اغتيال كان يستهدفه، لما قدم لقضاء إجازة العيد. وما أضافه مصطفى الدباشي في السياق ذاته هو أن اجهزة الامن التونسية «ألقت القبض على الشخص المتهم وأنه لا يستطيع تحديد الدوافع أو مَنْ الجهة التي تقف وراء العملية»، ولكنه متأكد فقط من شيء واحد وهو أن السلطات في تونس «ستقوم بالواجب» وستصل إلى الجهة التي تقف وراء محاولة اغتياله. أما المفاجأة التي أذهلت الجميع بعد ذلك فهي، أن الواجب الوحيد الذي قامت به الحكومة التونسية هو نفي رواية المسؤول الليبي بالكامل، وانكارها جملة وتفصيلا. «فلا وجود اصلا لمحاولة اغتيال» مثلما قال بيان نشرته وزارة الداخلية في اعقاب تلك التصريحات الغريبة.
هل كان المسؤول الليبي إذن يتوهم أن حياته مهددة بخطر افتراضي لم يكن موجودا، أو أنه كان على العكس من ذلك يروج عن قصد وسوء نية لأخبار مغلوطة غايتها جر تونس إلى دائرة صراعات الإخوة الأعداء ومناكافاتهم، وجعلها ساحة خلفية لتصفية حسابات داخلية وإقليمية؟ من يصدق الناس بعد فصل التراشق المشبوه بعبارات التأكيد والنفي؟ أجهزة الأمن التي انكرت إحباطها محاولة اغتيال كادت في حال نجاحها تلقي بالتونسيين في قاع المجهول؟ أم أقوال مسؤول في بلد تعصف به حرب اهلية مسعورة؟ المشكل أن الامر لا يخص رواية الدباشي وحدها فعلى مدى الاعوام والشهور الماضية تتالت قصص كثيرة لفها غموض وبشاعة أقوى وأشد من غموض وبشاعة روايات أجاثا كريستي. وصار ظهور إعلاميين أو سياسيين معروفين أو حتى مجهولين، تسميهم الصحافة بالناشطين والمدونين للاعلان عن مفاجأة مدوية او حقيقة مرعبة، هو الخبز اليومي للتونسيين. وما يردده هؤلاء مع فارق التوقيت والاسلوب هو أمر واحد لاغير، وهو انهم يملكون وحدهم اجزاء من الرواية الاصلية للاحداث، التي حصلت منذ هروب الرئيس المخلوع بن علي، اما ما قبلها فقد قبر في دهاليز التاريخ ودواميسه المخيفة، ولم يعد هناك من طائل أو جدوى للنبش فيه أو حتى محاولة الحديث بشأنه، مثلما يردد الكثيرون بحماس واندفاع مبالغ. أما كيف يمكنهم تجزئة الحقيقة وبيعها بالتفصيل حتى تصبح صالحة للعرض الجماهيري الواسع في الوقت والمكان الذي يناسب ملاكها، أو من يدعون ملكيتها، فذلك هو واحد من الاسرار الدفينة لما بات معروفا بالاستثناء التونسي، الذي برع في جمع الأوهام بالأحلام والأكاذيب بالحقائق ضمن خليط فريد صار يسمى التوافق. في ذلك الاستثناء تغيب عن قصد وسط التفاصيل الصغيرة التي تخرج من الأفواه بين الحين والاخر معلومات تقرب الناس من هويات كتاب الروايات الاصليين أو من رسموا بداياتها ونهايتها وضبطوا اسماء ابطالها وضحاياها. فالحقيقة تخرج هنا لا لأجل عيونها فحسب، بل فقط تحت وطأة الانجراف الأعمى وراء غريزة الدفاع عن الذات وتحصين المصالح والمواقع، أو لمجرد الانسياق وراء هوس الطموحات الشخصية الجارفة، وقد لا يهم كثيرا شكلها أو صورتها قبل أن تخضع لعمليات التجميل القسرية، مادامت الغاية من وراء إظهارها هي تحطيم الخصم والقضاء عليه بواسطة الشحن الجماهيري المكثف.
تصنع الحقيقة اذن ثم تركب على مقاس العدو الافتراضي، بدون البحث كثيرا إن كانت تناسب حجمه أم لا، وما يتبقى بعد ذلك هو اعطاء المخرج بعض الحرية الاكاديمية في اختيار وسائل الإنارة والإبهار البصري، حتى يسهل اصطياد الجمهور وامتلاك حواسه وعواطفه قبل عقله. أما أعداء الاستبداد فقد كانوا معروفين ومحددين بالاسم مثلما كانت الجرائم والتهم التي لوحقوا وعذبوا وسجنوا وشردوا لأجلها معروفة مسبقا لأجهزة الأمن، وبالطبع كانت هناك رواية رسمية واحدة للنظام هي التي تبرؤ وتجرم قبل وبعد حكم القضاء وتعطي مشروعية لاستمرار القبضة البوليسية وخنق الأنفاس باسم الحفاظ على مصالح الدولة. لم يكن للاعداء الحق في نقض الرواية، فضلا عن الظهور ولو بشكل محدود أمام الجمهور في وسائل الإعلام الرسمية. وكان الحاكم في النهاية هو الحقيقة المطلقة والوحيدة في تونس، وربما لأجل ذلك ظل عالقا في المخيال الشعبي ذلك الالتباس اللغوي بين الحاكم بمعنى رئيس الدولة والحاكم بمفهوم القاضي، رئيس المحكمة، وهو التباس قد يجد تفسيره في أن الأول يصدر أحكامه وينفذها على الفور، والثاني لا يصدر اي قرار خارج طوع وإرادة الأول، ولا يملك بالطبع أي قوة أو وسيلة لانفاذ قراراته واحكامه. لقد تحول ذلك الالتباس اللغوي والتاريخي إلى واحد من العوامل السيكولوجية المهمة التي قامت عليها روايات ما بعد هروب بن علي. لم يعد الحجب العلني المفضوح هو الأسلوب المناسب للمرحلة الجديدة، بل صار هناك حجب خفي ومقنع يتم عبر التفريخ الاصطناعي للروايات بشكل يشوش اذهان الناس ويفقدهم القدرة على التمييز والادراك، تحت مبرر حرية التعبير. لقد غابت ثنائية الدولة والعدو، وحلت بدلا منها ثنائية المصالح والعدو. وبدا في الظاهر أن القبضة الحديدية لذلك الجسم المترهل، أي الدولة آخذة في التفكك والانحلال، وأن هناك أباطرة كبارا يملكون المال والاعلام والنفوذ ويستحوذون على الحقيقة ايضا، بصدد الظهور على السطح والاستعداد لحرب عدوهم، تماما مثلما فعلت الدولة طوال العقود السابقة. لقد انشغل هؤلاء في المقام الأول بنزع ثقة الناس في ادوات الديمقراطية وفرصها وتصويرها على أنها مجرد لعبة شيطانية لتقاسم المناصب والمغانم من وراء ظهور البسطاء وعلى حساب مصالحهم. وبحسب ما أشارت اليه آخر استطلاعات الرأي في تونس، فقد حصل تراجع ملحوظ لجل مؤشرات الثقة في مؤسسات الدولة عدا مؤسستي الجيش والشرطة اللتين حازتا نسبا عالية من ثقة التونسيين جاوزت على سبيل المثال السبعين في المئة من العينة التي استطلعتها شركة سيغما في الشهر الجاري. وهذا ما يدل في ادنى الحالات على أن هناك توجها خفيا لدفع الجمهور نحو الكفر بمسار الانتقال الديمقراطي، واليأس والقنوط من إمكان حصول تغير سريع في احوال البلد مقابل التشبث بوهم الاستقرار الذي تضمنه فقط قوة السلطة. ولكن كل ذلك لم يكن سوى واجهة خلفية لتعبيد الطريق أمام اصحاب النفوذ الفعلي داخل مفاصل الدولة وتقديمهم في ثوب المنقذين من مخاطر وهمية لا وجود لها. ومن الطبيعي أن يخشى هؤلاء من ظهور الحقيقة أو كشفها لأنها ستهدد بالتأكيد مصالحهم وتزلزل الارض تحت أقدامهم. ولاجل ذلك فقد اختاروا هم ايضا عدوا لحشد الجمهور لحربه فقط درءا للحقيقة وحجبا لها. وغالبا ما يعرف هذا العدو بالإرهاب وهو مثل كل الصناعات المجهولة لا يحمل عنوانا واضحا أو رقما معلوما، ولا يفرق أيضا بين خصم سياسي مدني وسلمي، وبين غاصب ومحتل أجنبي، الشيء الذي يجعله بنظرهم مؤهلا اكثر من غيره لأن يكون المقبرة المثالية التي توارى فيها الحقيقة بدون جلبة أو ضوضاء .
ومن الطبيعي أن يجد النافذون من يسوق لكلامهم ويبرره بالحرص على استقرار تونس التي لا تحتمل الحقيقة لانها متى كشفت ستؤدي مثلما قال أحد الصحافيين في برنامج تلفزيوني إلى «انهيار البلد». وهذا ما يجعل التونسيين أمام خيار صعب وهو، إما الحرب والدمار والخراب ثمنا لكشف الحقيقة أو الهدوء والأمن والتوافق مكافأة على طمسها وغض الطرف عنها.
فهل هم مستعدون فعلا للتضحية بسر نجاحهم والبدء بثورة أخرى لأجل عيون الحقيقة؟ لا شيء حتى الآن يدل على ذلك ما داموا مطمئنين ومرتاحين لمتابعة فصول النفي والتأكيد التي لم تكن واقعة الوزير الليبي سوى خيط بسيط ورفيع من خيوطها المعقدة والطويلة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية