بغداد ـ «القدس العربي»: العرب يعشقون الألقاب، أدباً وفناً، سياسة واجتماعاً.. فمنذ عصر ما قبل الإسلام لم يمر عقد أو قرن من دون أن يظهر شاعر أو كاتب بلقب ما، منذ المهلهل وصولاً إلى شاعر العرب الأكبر، وهو اللقب الذي أطلق على محمد مهدي الجواهري.
ربما يكون هذا اللقب للتعبير عن أهمية هذا الشاعر أو بسبب حادثة ما في محفل ثقافي، كما جرى مع أمير الشعراء أحمد شوقي.. الشعر دائماً هو الساعي للألقاب، في حين بقي السرد بعيداً عنها، فلم يعن الناثرون بهذه الأسماء، ولم يسم نجيب محفوظ الروائي الأكبر، أما النقد فهو دائماً في مؤخرة مسيرة هذا الأدب، إلا على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يطلق كل كاتب على نفسه لقباً وكأنه يبحث عن نجومية افتراضية فحسب.
فهل انتهى زمن الشاعر الكبير؟ وكيف يمكن الإشارة لشاعر دون غيره في ظل الفوضى التي نعيشها ثقافياَ ومجتمعياً؟
زمن الصورة
الشاعرة والكاتبة منال الشيخ تؤكد أن هذه من الأسئلة التي تؤرقها، فهل للشاعر وجود في عصرنا هذا؟ بينما نعيش زمن الصورة والخبر، وسط الأحداث الجنونية المتلاحقة. لا أظن أن الشعر قد خرج من دائرة المعنيين بهِ مذ دخل فيها منذ عقود قليلة ليختفي تماماً زمن الشاعر الكبير والأوحد. مضيفة: في ما مضى، بحسب ما أذكر، كان كثير من العامة يذهب إلى حضور أمسيات مهرجان المربد، على سبيل المثال، من أجل الاستماع والاستمتاع بأسماء شعرية «نجومية» مثل محمود درويش ونزار القباني. كان كثير من الناس، من غير القادرين على الذهاب إلى بغداد وحضور الأمسيات، يجلسون أمام شاشات التلفزيون في انتظار بث تسجيل أمسيات درويش ونزار وآخرين. هذا الشيء اختفى الآن تماماً، والشعر والشعراء صاروا حصراً على نخبة من القراء المهتمين بهِ ومن الوسط نفسه لا أكثر. وهذا ما تثبتهُ مبيعات الكتب، إذ يوماً بعد يوم ندرك أنه عصر الرواية بامتياز. وبدل الشاعر الكبير أصبح لدينا الروائي الكبير بعدما كانت كتابة الرواية حصراً على أسماء محدودة في الوسط العربي.
وتبين أنه ربما لهذا السبب تحديداً يتجه الكثير من الشعراء مؤخراً إلى كتابة الرواية، لأن الشعر لم يعد يحقق لهم هذه النجومية التي كانوا يحلمون بها. وكما نلمس من واقعنا فإن الشعر الموزون والعامي ما زالت لهما مكانتهما الخاصة عند المتلقي، إذ يصح أن نقول إن لدى هذين النوعين جمهورا كبيرا بعكس الشعر الحديث المقتصر على نخبة منتخبة من القراء. فليس هناك مقياس محدد لتسمية شاعر كبير وآخر غير كبير حالياً، فحتى الشعراء الذين نعتبرهم كباراً، مثل أدونيس وسعدي يوسف، هناك جدل كبير حولهما، خاصة مع الأحداث الأخيرة في منطقتنا. إذ أن الجمهور تعود أن يعتبر «الشاعر الكبير» هو ضمير الشعب ولم يكن يفصل ما يكتبهُ عن واقعهِ.
ولا تعرف الشيخ تماماً هل ستزول هذه الحالة مع استقرار المنطقة وزوال الفوضى الثقافية أم لا، ولكن ما تعرفهُ أن الناس أصبحت تثق بالصورة أكثر من الكلمة. تحد كبير يواجه الشعراء ليعيدوا للشعر مكانته أولاً ومن ثم التفكير في موضوع هل سيظهر شاعر كبير في يوم من الأيام؟
ردم الهوّة
وبحسب الشاعر جبار الكواز، لعل اشتباك الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية عربياً وعالمياً قلل من فرصة ظهور الشاعر الكبير، الذي يقود الجماهير بالحكمة والشجاعة والإقدام، ما غلب في الأحكام الثقافية ما هو اجتماعي على ما هو إبداعي، وباتت فرصة المبدعين الحقيقيين تتحكم بها الآيديولوجيات والأفكار القبلية، قبل الغور في المنجز الإبداعي لكل مبدع، وهو مشكلة معقدة حقاً. أما شخصياً، فيعتقد الكواز أن ما يجري في راهننا العربي من أحكام لا يعتد بها، لأنها تعزل المبدعين اعتماداً على توصيفات خارج تأثيرات الجوانب الإبداعية لهم، وإلا كيف نعلل الهجمة التي طالت الشاعر سعدي يوسف، بعد إنجازه لنصوصه الأخيرة، أو الموقف من قامات إبداعية أخرى لا مجال لذكرها، إلا من خلال خفوت الرؤية النقدية العربية التي باتت تتحكم فيها آليات خارج سياق النص والإبداع… ويرى الكواز أننا كمثقفين يجب أن نعتمد أسس وآليات مغايرة للمتداول العربي النقدي في الأحكام، بالاعتماد على خصائص المثقف العضوي والنقدي الذي يسهم في بناء الحياة، وفق اندماجه باكتشاف الأسئلة واقتراح الحلول وردم الهوة المفتعلة بين المبدعين والنصوص والجمهور المتلقي، ومن خلال ذلك يمكن أن نقترح مجموعة منجزات بوصفها تمثل الإشارة الحقيقية لمبدعين كبار حقاً.
فحولة أبدية
الحديث عن الشعر في مجتمعاتنا؛ بحسب الشاعر مالك مسلماوي، يقتضي المرور بمرجعيات الخطاب الثقافي وعلاقته بالبنية الاجتماعية المنتجة له عبر مراحل التاريخ.. فمهما كانت طبيعة هذا الخطاب وما يحويه من قيم جمالية ومعرفية، فهو في اللحظة ذاتها لا يتجرد من مهيمنات قارة في النسق الاجتماعي والتكوين السيكولوجي للأفراد.. من ذلك قدرة فائقة على صناعة الرمز، ثقافياً وسياسياً واجتماعياً, قدرة مرتبطة تاريخياً بعوامل الانتماء الديني والقبلي والعرقي التي تؤدي إلى تكريس سلطة الرمز.. فمثلما كان لنا رمز ديني وقبلي وعرقي.. كان لنا دائماً رمز ثقافي، هذه الرموز تتصدى لصناعتها ثقافة متجذرة تضع ثقتها في (مثال) أو رمز يعبر عن تطلعاتها ورؤاها في الحياة.
ويوضح مسماوي أن شيوع الألقاب في المجتمع امتد إلى الثقافة، فالشاعر الكبير الآن هو (الشاعر الفحل) أمس.. بل أنها الآن أكثر انتشاراً وقبولاً, حتى ضاق بها الوسط الأدبي بموازاة التوصيف السياسي والاجتماعي. هذه التوصيفات لا تتأتى من فراغ فهي تقييم أولي له دواعيه المضمرة التي يختلط فيها الإبداع بما ليس إبداعا، بمعنى دخول عوامل طارئة تتغذى على التبعية والنفعية والمجانية. فزمن الشاعر الفحل لم ينته بعد في ثقافتنا تحدياً لمقولة (موت المؤلف) في قراءة الآخر.. الشاعر الكبير والأكبر هو امتداد لزمن ما زال راسخاً في المخيال الجمعي الواقع تحت تأثير سلطة الرمز الثقافي… فنحن ما زلنا نثق بـ(حذام) مهما قالت:
إذا قالت حذام فصدقوها
فإن القول ما قالت حذام
أما كيف نشير إلى شاعر دون غيره فتلك مسؤولية النقد.. ففيه لا مكان لكبير أو صغير, إنما نكون بصدد نص يمرر ضمن معايير فنية متفق عليها لها قوة القانون في توصيف الظاهرة. تضع النص وليس الناص، حقلاً لعملها في تقصي الإبداع، في النقد النص يقودنا إلى الشاعر وليس الشاعر من يقودنا إلى النص.. فما يهمنا هنا ليس (حذام) وإنما تقصي فحوى مقولتها.
تواصلية مهذبة
غير أن الشاعر عمر السراي يؤكد أن أسطورة الشاعر الكبير انتهى عملها بعد رحيل منطقة التفكير من جادة الكاتب المصدر إلى رحاب النص تدريجياً، وظل التطور المعرفي الذي نصــــَّــب من المتلقي فاعلاً أهم في لعبة الإبداع، بحيث لم يعد لصنمية الكاتب الكثير مما تلمع به بريقها. مضيفاً أن تنظيرات مثل موت المؤلف والتناص وغيرها كان لها الأثر البالغ في التخفيف من هذه النظرة عند الكاتب كبيراً أو صغيراً، فمجال إعطاء القيمة غادر موكبه إلى الاكتفاء بالوصف. هذا من جانب الرأي النقدي المرتبط بالعلم. ويظن السراي أن الثورة المتطورة في وسائل الإعلام، غيرت من موقع الشاعر ليكون طرفاً ثانوياً في تحريك الجماهير، فالشاعر الكبير ارتبط بقدرته على التثوير والقيادة، وهذا ما صار بمستطاع محرك إلكتروني تقني أن يفعله، لا ريب وقد تطورت منظومة الإيصال، وما زال الشعر فناً قديماً لم يستطع أن يواكب الحياة بمتطلباتها الحديثة. مبيناً أن الاختيار من بين مجموعة كبيرة من الأوصاف التي تدعي الشعر بممارستها الكتابة بوصفها حيوات فاعلة، لم يعد ممكناً بسهولة، فتشظي أطراف التلقي، واختلاف ممكنات التأثير حالت دون العودة إلى التقنين، والبحث عن شروط الشعرية التي بإمكانها أن تحدد ما هو الشعر وما هو ليس بشعر، ليس لخلل في الذائقة، إنما لتوسعة المفاهيم لتتحول إلى نصوص قابلة للانفتاح من عدة زوايا، ما زال شعراء هذا اليوم هم أنبياءه التقنيين، وما زال الشعراء بنسختهم الكلاسيكية القديمة رواد فن أقدم. إن القول الفصل– إن كان ثمة مجال للفصل ـ في تحديد موقع الشاعر وتمايزه عن غيره سيكون في يد الموازنة بين الفاعلية الأكاديمية الرصينة، وبين تحقيق التواصلية المهذبة مع المتلقي بهدف الارتقاء بذوقه، وهو أمر صعب إلا على المتمكن شعرياً.
الشاعر رياض الغريب يطرح سؤالاً مقابل سؤالنا، وهو: من يصنع هذا الشاعر الكبير؟ هل المرحلة التي يعيشها أم الايديولوجية التي يؤمن بها وتروج له عبر مؤسساتها الثقافية والإعلامية وخطابها الفكري؟ أم هو نتاج ما يقدمه من منجز إبداعي؟
ويستطرد الغريب في حديثه وإجاباته عن الأسئلة التي طرحها، بأن لنا تجارب سابقة مع أسماء كبيرة في مرحلتها صنعتها الإيديولوجيات، وحين تحاكمها إبداعياً لا تجد في منجزها أكثر مما هو طبيعي وعادي، وربما هناك أسماء ظهرت في المرحلة ذاتها منجزها الإبداعي أهم، لكنها غيبت ولم تسلط عليها الأضواء مثلما سلطت على أسماء تنتمي لفكر ما.
ويعتقد الغريب أن غياب الإيديولوجيات والنتاج الفكري الآن الذي كان سائداً في القرن المنصرم أضاع في توجهه صناعة الشاعر الكبير، ولم يعد هناك شاعر كبير في ظل هذه الزحمة من التسارع في طرح النتاج العلمي والتكنولوجيا الهائلة في عالم الرقميات وتحويل العالم إلى قرية صغيرة. أما في ما يخص الإشارة لشاعر بعينه، فيأسف الغريب لأن الشعر مغيب والشعراء أيضاً بسبب هيمنة السرد اليوم وعدم وجود حاضنات ومؤسسات حقيقية يمكنها أن تتبنى الشاعر وتروج له، مثلما كان يفعل في السابق، كذلك غياب النقد الحقيقي الذي من خلاله الاطلاع على تجارب هذا الشاعر وذاك من أجل خلق التميز ومنح الشاعر الحقيقي للظهور والإعلان عن منجزه الإبداعي. لقد تحول النقد إلى إخوانيات ومجاملات وصناعة فاشلة لأسماء ظهرت دون منجز حقيقي… لقد مات زمن الشاعر الكبير مع موت الفكر وإنتاجه المحلي والعربي والعالمي، لهذا لم نجد اليوم شاعراً كبيراً مثلما كان في السابق ولم يكن في المستقبل لأننا نحرث في أرض محروقة ولم تعد صالحة للزرع.
صفاء ذياب