«تحالف» لذبح «انتفاضة السكاكين»

حجم الخط
23

في خطاب مؤثر القاه أمام مجلس حقوق الانسان في جنيف، واختلط فيه الامل والاحباط، والصمود والضعف، والدعوة للمقاومة والاصرار على السلام، طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس امس الأمم المتحدة ومجلس الامن بإنشاء نظام حماية فوري وعاجل للشعب الفلسطيني أمام ما يتعرض له من انتهاكات وجرائم اسرائيلية. الا انه وجه تحذيرا واضحا إلى اسرائيل عندما قال: «ان لم ينعم شعبنا بالسلام والامن على ارضه وسمائه وبحره، فان احدا لن ينعم بالسلام والاستقرار لأن شعبنا لم يهن ولم يستكن وتربينا على الصمود وحفظ الكرامة وسنستمر في الدفاع عن شعبنا بكل الوسائل السلمية والقانونية».
وفي اعتراف بدا متأخرا نحو عشرين عاما، قال: «لم يعد من المفيد تضييع الوقت في مفاوضات من اجل المفاوضات بل المطلوب انهاء الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية، والى حين ذلك نجدد التأكيد ان مجلس الامن مطالب بتحمل مسؤولياته بإنشاء نظام خاص لحماية الشعب الفلسطيني».
وأضاف: «لا يمكننا الاستمرار بالالتزامات الموقعة مع اسرائيل وحدنا في ظل عدم التزام اسرائيل بها، نقول تعالوا إلى الطاولة لنطبق كل الالتزمات علينا وعليكم».
يأتي خطاب عباس في وقت وقت حرج بالنسبة إلى كل الاطراف: السلطة الفلسطينية، اسرائيل، والانتفاضة التي سماها بعض السياسيين من «محترفي الهزيمة» بـ«الهبة»، قبل ان تثبت للجميع انها ثورة شعبية حقيقية تسعى إلى تحرير فلسطين وليس القدس او الاقصى فحسب.
خيارات عباس كلها مريرة إلى مستحيلة: الولايات المتحدة تخفض دعمها المالي للسلطة الفلسطينية بسبب «بعض تصرفاتها»، بالرغم من ان عباس بذل قصارى جهده للحفاظ على نهجه «الوسطي المسالم»، ولهجته»المعتدلة» وهو يرفع غصن زيتون مخضبا بدماء شباب من ضحايا الاعدامات الميدانية.
اسرائيل التي استنزفت «اعتدال» عباس لأكثر من عقدين باسوأ الوسائل السياسية والاعلامية لتصفية القضية، اكتشف رئيس وزرائها فجأة انه «يشبه داعش»، في محاولة دنيئة لـ «ذبح» انتفاضة السكاكين عبر شيطنتها امام العالم.
الدول العربية بدت اقرب إلى التواطؤ عندما اكتفت باصدار بيانات ادانة او دفنت رأسها في الرمال فيما تواصل صراعاتها الداخلية او البينية المريرة.
دول الخليج تقاعست عن اعلان استعدادها لتعويض المساعدات الامريكية للسلطة، خشية اغضاب واشنطن التي يحتاجون اليها في مواجهة تصاعد نفوذ إيران وروسيا في المنطقة.
مصر، وللمرة الاولى، لم تتخذ اجراء عمليا واحدا لاحتواء التصعيد الخطير سواء بالضغط السياسي او بمحاولة التوصل إلى تهدئة عبر وساطة مباشرة او غير مباشرة. اما السبب فاما انها مشغولة للغاية بازماتها السياسية والامنية الكثيرة، او انها حريصة على عدم ازعاج التعاون الاستخباراتي مع اسرائيل في سيناء، فيما تدخل عملية «حق الشهيد» مرحلة حاسمة هناك، او كلتيهما.
اما الاردن فاعلن فجأة ترحيبه بتعهد نتنياهو بالابقاء على «الوضع القائم في المسجد الاقصى»، واكتفى في بيان صادم بتسجيل شعوره بـ«القلق الكبير من التصعيد الذي ساد الأماكن المقدسة في القدس مؤخراً، وأحداث العنف التي تبعته»، في الوقت الذي كانت القوات الاسرائيلية تواصل اعدام الشباب الفلسطينيين بدم بارد في شوارع القدس وغيرها من المدن. وهكذا تحولت الانتفاضة إلى مجرد «اعمال عنف»، اما حقيقة «الوضع القائم» الذي رحب به الاردن فهو على ارض الواقع ليس سوى بقاء الاحتلال الصهيوني!
الحقيقة المرة التي لم يذكرها عباس في خطابه امام العالم، ممثلا في المفوضية الدولية لحقوق الانسان، ان القضية الفلسطينية خسرت حاضنتها العربية سواء رسميا او شعبيا، ولم يعد لها امل الا في الضمير الانساني لتوفير الحماية لشعب اعزل الا من حجارة وسكاكين مطبخ جعلت شباب الانتفاضة المسلحين بالايمان بعدالة قضيتهم قادرين على بث الرعب بين صفوف احد اقوى الجيوش في العالم، وهو ما يفسر تصريحات نتنياهو الداعية إلى التهدئة.
وليس من المبالغة القول ان بعض العرب دخلوا في «تحالف الأمر الواقع» مع الاحتلال الصهيوني الساعي إلى «ذبح» تلك الانتفاضة بعد ان نجحت في فرض نفسها على الجميع رغم ما واجهته من حصار داخلي وخارجي منذ يومها الاول.
واخيرا فان كل يوم تستمر فيه هذه الانتفاضة يمثل دليلا جديدا على ان الشارع الفلسطيني الذي طالما تحدث البعض عن استسلامه او خروجه من المعادلة، يبقى قادرا على قلب كافة الحسابات، والاهم اماطة اللثام عن المدعين والمتآمرين ضد فلسطين، وما اكثرهم، سواء في الداخل او الخارج.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية