عمان ـ «القدس العربي»: احتفلت مؤسسة خالد شومان ـ دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان بالإبداع الثقافي العربي في الربع الأخير من القرن الماضي 1975-1995، وذلك في اللقاء الشهري بمشاركة مستشار دارة الفنون الثقافي فيصل درّاج والقاص هشام البستاني.
بدأ الحديث دراج بورقة تعنونت بـ»معالم الفكر العربي في الربع الأخير من القرن الماضي»، مؤكدا أن خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم تخلف نتاجاً فكرياً لافتاً، رغم صعود قومي ووطني متميّز، في أكثر من بلد عربي. كان في السياق يقين الانتصار، الذي همش الفكر وانتصر للبلاغة، وإيمانية متفائلة ساوت بين حاضر مطمئن ومستقبل مقبل. اصطدم مع السياق المطمئن، صادق جلال العظم، في كتابه «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، الذي نقد «الفكر العربي»، الذي اختصر هزيمة 1967 في «التآمر الاستعماري».
وعلى الرغم من تباين في وتائر التفاؤل بين عقدي الستينيات والسبعينيات وما تلاهما، فقد استطاع مفكرون عرب تقديم إسهامات جديدة، تثير الحوار، وتعطي اجتهادات غير مسبوقة. تقدم الراحل اللبناني حسين مروة «بعمل ضخم»، شهد رواجاً واسعاً وخلّف أكثر من سجال عنوانه: «النزعات المادية في الإسلام»، قرأ فيه الموروث الإسلامي بمنظور ماركسي، ربط بين إنتاج الفكر وشروطه المادية ـ الاجتماعية، محاولاً ترهين «العقلاني» في الفلسفة الإسلامية.
وعلى الرغم من أن أدونيس أنتج عملاً نظرياً إشكالياً، ناسياُ أن في الثابت ما يتحوّل وأن في المتحوّل ما هو ثابت، إلا أنه ـ بحسب دراج – قدّم إضاءات جريئة عن العلاقة بين الدين والسلطة، وعن الأسباب التي جعلت من الإسلام والسلطة كلاً موّحداً، تُقرأ فيه السلطة على ضوء الدين، ويقرأ فيه «الاجتهاد الديني» على ضوء الممارسات السلطوية. ولهذا رأى الإبداع في المتحوّل القديم ـ الجديد، ورأى الإتباع في الحفاظ على ما هو قديم والسير على هديه.
وأضاف «اقترب أدونيس من «شكلانية إيديولوجية»، تحذف التاريخ ولا تعترف به، على خلاف المصري نصر حامد أبو زيد، الذي اجتهد في قراءة النص الديني، اعتماداً على ما جاء به في كتابه «مفهوم النص»، متابعاً إسهامات بدأها من بداية تسعينيات القرن الماضي واستمرت إلى أن مات في المنفى.
وأشار دراج إلى الصورة المثلى لما يدعى بالمفكرين الكبار، أو الباحثين العلميين بالمعنى الأكاديمي، وذلك في شخص الجغرافي الراحل: جمال حمدان، الذي كتب أربعة آلاف صفحة في سِفْر عظيم عنوانه: «شخصية مصر ـ دراسة في عبقرية المكان» اشتق فيه شخصية مصر، كما ماضيها ومستقبلها، من فضائها الجغرافي، المتمثل بنهر النيل ووادي النيل والصحراء والسهل والهضاب… قرأ في الجغرافيا الإمكانية الموضوعية التي تدافع بها مصر عن أمنها الذاتي، وأقام عروة وثقى بين الجغرافيا و»السياسة الأمنية» وآفاق التحرر، ووضع كل ذلك في نثر لغوي فريد، جعل منه أديباً في الجغرافيا وجغرافياً في الأدب.
ومن جانبه قدم القاص هشام البستاني ورقة بعنوان «رغم الإشارات، لا تحصل التحوّلات قراءة في أهم الكتب الأدبية للربع الأخير من القرن العشرين»، وأشار في حديثه إلى أن هذه الورقة لا تُقدّم المشهد كاملاً، بل علامات مختارة من الكتب الأدبية الصادرة في الربع الأخير من القرن العشرين (1975 – 2000) استناداً إلى ذائقة كاتبها ومحدودية المساحة المتاحة، وهي تقتصر على السرد، وتستعين أحياناً بالعناوين المختارة ضمن معرض «طقوس الإشارات والتحوّلات» المقام في دارة الفنون.
ومن الكتّاب الذين تحدث عنهم البستاني في ورقته، حيدر حيدر الذي قدم هجاءً قاسياً للماضي الذي لم يتوقّف عن الحضور، وإعادة إنتاج نفسه في حاضر مُنسحق تابع لا يحضر إلا بصفته ماضياً، فاسداً دائماً، مريضاً أبداً، ومجرثماً لا يُرجى شفاؤه ولا يتطهّر إلا بعد أن يصير رماداً، في استعادة معاصرة لأسطورة العنقاء. وذلك في مؤلفاته مثل «الوعول» مجموعة قصصية، 1978 كما في «وليمة لأعشاب البحر – نشيد الموت» رواية ـ 1984 أو في «أوراق المنفى: شهادات عن أحوال زماننا» مقالات ـ 1993) أو في «غسق الآلهة» مجموعة قصصية ـ 1995.
وعن نجيب محفوظ بقول البستاني «سألتُ الشيخ عبد ربه التائه: كيف تنتهي المحنة التي نعانيها؟ فأجاب: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل».
ثلاثة كتب تشهد على تمكن كاتب هذا النص من ألوان مختلفة متنوّعة من الكتابة تجعله جديراً بجائزة نوبل اليتيمة التي كانت من نصيب كاتب بالعربية. وهذه الكتب تغادر ما يألفه الأغلبية من مقاربات نجيب محفوظ الأقرب إلى الواقعية والواقعية الجديدة، التي ترسخت في ثلاثيته الشهيرة التي عرفها أغلب الجمهور متلفزة، وتوقفوا عند ذلك الحدّ. «في حضرة المحترم» رواية ـ 1975 يذهب محفوظ إلى مسار إشاريّ ورمزيّ صافٍ، يقدّم فيه نقداً لاذعاً ليس للسلطة وفسادها فقط، بل وللطريق إليها وفيها، طريق يحكمها البرود والتجلّد وانعدام المشاعر، مقترباً من أجواء غوغول وتشيخوف مع مسحة من خفة ظل تزيد من هول المأساة وبؤسها.
واختتم البستاني حديثه حول سعد الله ونوس موضحا «الحقيقة هي ما وافق أهواء السادة، وما انقادت إليه العامة انقياد الأعمى، وعدا ذلك لا توجد إلا الافتراءات والظنون». تلك صفعة أخرى يوجهها كاتب آخر لعصر انحطاط جديد. فأحداث «طقوس الإشارات والتحوّلات» مسرحية ـ 1994 لسعد الله ونّوس تصلح لبلاط خليفة عباسيّ، وتصلح لزمنها المفترض (النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، وتصلح لزمننا الآن ولمقبل الأيام. فالسلطة هي السلطة: تحيك الدسائس والمؤامرات، وتستمرّ سيادتها بالابتزاز والإكراه، ويتضامن أفرادها المتصارعون حين تتعرّض امتيازاتهم للتهديد من العامة المقموعين.
آية الخوالدة