نشرت صحيفة «الأهرام» اليومية في الثاني عشر من هذا الشهر تشرين الاول (أكتوبر) توجيها للرئيس عبد الفتاح السيسي بـ«تنفيذ المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة خلال عامين بدءا من كانون الثاني/يناير المقبل» ويتعين إنشاؤها بأحدث المعايير العالمية، وإيلاء الاهتمام بمحدودي الدخل فيها، وتقديم الخدمات لقاطنيها بمختلف مستوياتهم ومشاربهم، وما هي إلا أيام حتى هطلت الأمطار فانكشفت عورات الإسكندرية، وكانت واحدة من أجمل مدن العالم.. وعاصمة لمصر طوال العصر البطلمي، نسبة إلى بطليموس الأول؛ أحد قادة الإسكندر الأكبر، وحين مات شابا قسمت امبراطوريته بين قواده وكانت مصر من نصيب بطليموس الأول.
والإسكندر هو الذي أمر ببناء الإسكندرية لكنها شيدت بعد وفاته، وأصبحت عاصمة مصر من سنة 323 حتى سنة 30 ق م؛ بعد تدمير الأسطول المصري، وقتل مارك أنطونيو، وانتحار كليوباترا «ملكة مصر»، وحين غزا الرومان مصر حولوا الإسكندرية إلى مقاطعة، ومع ذلك ظلت أكبر مدينة رومانية بعد روما.
وقد يستغرب البعض إذا قلنا أن قصة «القاهرة» بدأت قبل الفتح العربي الإسلامي؛ وتقسيم الامبراطورية الرومانية إلى امبراطوريتين؛ شرقية وعاصمتها بيزنطة، وغربية وعاصمتها روما، وهزم البيزنطيون أمام الجيش العربي الإسلامي، وبمقتضى معاهدة «صلح الإسكندرية» عام 641م تم إجلاؤهم عن المدينة.. وفي العام التالي 642م دخلها عمرو بن العاص بعد صد هجمة مضادة للبيزنطيين، واستطاع استعادة الإسكندرية في صيف 646م.. وضياعها أفقد البيزنطيين أغنى مقاطعاتهم وأهم مدنهم.
انتقلت عاصمة مصر إلى الفسطاط.. تلبية لرغبة الخليفة عمر بن الخطاب بألا يفصل عاصمة خلافته عن مصر أي ماء.. وببناء «الفسطاط» بدأ التكوين التاريخي والبشري لـ«القاهرة».
وأعادت الفسطاط عاصمة مصر لموقعها المثالي، وكانت عليه مع «ممفس» عقب توحيد مملكتي الجنوب والشمال، وكانت العاصمة تربط بينهما.. والملك نارمر (مينا) هو الذي بنى «ممفس» عام 3200 ق م في منطقة سقارة؛ على مسافة أقل من 20 كم من قرية «ميت رهينة» جنوب الفسطاط. ودارت عواصم مصر في الخمسة آلاف سنة الأخيرة في فلك تلك المنطقة، ولم تخرج «الفسطاط» عنه؛ وقد بُنيت بالقرب من حصن بابليون على شاطئ النيل شمال شرق القاهرة، ويقع الحصن على مدخل النيل الغربي، وكان بن العاص موفقا في اختيار ذلك الموقع العبقري، فأقام «فسطاطه»، فوق مدينة مندثرة، وأعادها بنمط معماري جديد، وحولها إلى مدينة حية شأنها شأن العواصم الكبرى.. وأضحت قاعدة لفتوحات المغرب وشمال إفريقيا.
وشيد صالح بن علي أول والي عباسي لمصر مدينة «العسكر».. وشرع في بنائها سنة 133هـ – 750م؛ شمال الفسطاط وانجزها في سنتين، وصارت واحدة من مدن ثلاث كونت «قاهرة المعز».
واستمرت قاصرة على إيواء الجنود حتى جاء السري بن الحكم واليا على مصر (201هـ ـ 816م) فسمح بالبناء فيها، وأضحت مفتوحة للجميع، واتسعت حتى التحمت بـ»الفسطاط».
تلتها «القطائع»، وأسسها أحمد بن طولون (256هـ 868م) على الطراز العراقي، وجمال «سامراء»، التي نشأ فيها، وقسمت إلى أحياء حملت كنية الجماعة التي تسكنها؛ كان فيها «قطيعة» السودان و»قطيعة» الروم، بجانب أنه جعل لكل حرفة «قطيعة»، وحفلت «القطائع» بالعلماء والمحَدّثين والأدباء والمؤرخين؛ كالقاضي بكار بن قتبة؛ أشهر قضاتها وأعلمهم، ومن المحَدّثين كان الربيع بن سليمان المرادي؛ تلميذ الإمام الشافعي، والمؤرخ عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، صاحب كتاب «فتوح مصر والمغرب». وزادت رقعتها اتساعا في عهد صلاح الدين الأيوبي، وما زالت تتسع.
وبنى جوهر الصقلي القاهرة عام 969م في نحو أربع سنوات، وأعدها عاصمة للخليفة الفاطمي المعز لدين الله.. وشهدت تغييرات وتطورات كثيرة في أيام الأيوبيين والمماليك والعثمانيين.. وجاء القرن التاسع عشر (1805 – 1882) ليمنحها لمسات أوروبية زادت من جاذبيتها، وانتكست كثيرا مع الاحتلال البريطاني، وما صاحبه من تمييز بين رعايا الدول الأوربية والمصريين؛ بنظم الحماية الأجنبية، وقوانين المحاكم المختلطة التي منعت الأوروبيين والأجانب من الخضوع للقانون المصري، وبقيت بعض هذه اللمسات.. وبعد الحرب العظمى (1914 – 1918) ارتفعت أصوات تنادي بالاستقلال، واندلعت ثورة 1919؛ ونادت بالجلاء والدستور.. وتبعها حراك واسع رفع مستوى الوعي والاستنارة بين الناس.. ووضعت ثورة 1952 لمساتها المعمارية والثقافية والجمالية على العاصمة العريقة. وتنقسم القاهرة إلى خمس مناطق إدارية؛ المنطقة المركزية والمناطق الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية.
وعودة إلى الوزير الأسبق جودة عبد الخالق، فنجده يشير إلى تأكيد وزير الإسكان بإتمام التعاقد مع شركة صينية كبرى لتنفيذ المرحلة الأولى للعاصمة الجديدة.. وذلك يعني؛ من وجهة نظره، أن قطار المشروع انطلق، وتجاوز محطة شركة «العبار» الإماراتية إلى محطة الشركة الصينية(!!). وسأل: هل تمت دراسة أسباب فشل تجربة «مدينة السادات»، وكانت بغرض أن تكون عاصمة جديدة تخفف الضغط عن القاهرة؟
وأشار إلى عدم معقولية تبني نمط معمار «دبي»؛ القائم على تطاول بنيان الأبراج ومراكز الترفيه والتسوق والتكييف المركزي المهدر للطاقة! وتساءل: هل يمكن لمن يعيش على ضفاف النيل أن يحذو حذو «دبي»؟
ولفت رأي أستاذ السياسة والاقتصاد بجامعة القاهرة مصطفى كامل السيد نظر كثيرين، وهو يطالب بتأجيل تنفيذ المشروع وانتظار تحسن الأوضاع الاقتصادية.. وفتح النقاش حول قضايا القاهرة وكيف يمكن حلها، ووضع خلاصة النقاش ضمن خطة الدولة، التي تتحدد فيها أولويات تحظى بقبول عام. وتتلخص أسباب طلب التأجيل؛ من وجهة نظره فيما يلي:
1) قرار إقامة عاصمة جديدة مخالف للدستور بنص مادتيه 114 و222 على أن القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية، وهي مقر البرلمان.. ولما كانت الرئاسة تتحسب من الحديث عن تعديل الدستور.. لم تشر إلى انتظار انعقاد مجلس النواب.
2) الأزمة الاقتصادية وعجز الموازنة العامة وتجاوزها 10٪ من الدخل القومي، وانخفاض حجم الاحتياطي إلى نحو 16 مليار دولار، ويعني العجز عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية من السلع المستوردة والمواد الوسيطة ومصادر الطاقة اللازمة للصناعة، وهو ما يهبط بمستوى مصر في نشرات التقويم الدولية؛ كمرجع لكل من يتوجه إلى السوق المصرية، فضلا عن تفاقم العجز التجاري وتراجع الصادرات وزيادة الواردات.
3) المشروع مكلف، وتصل تكلفته إلى 43 مليار دولار؛ يتحملها المواطن العادي ومحدود الدخل، فيتحمل وحده ـ تقريبا ـ عبء الضرائب لمشروع لا يحقق ربحا، ولن تشارك فيه شركة أجنبية أو مصرية إلا إذا ضمنت حقوقها المالية والقانونية، وعدم استعداد أي حكومة أجنبية لتقديم معونة لإقامة المشروع.. ورأى أنه «من العار أن تعتمد مصر في إقامة عاصمة لها على معونة أجنبية».. وتوافر خمسة مليارات جنيه للمشروع اقتطعت من أموال هيئة التنمية العمرانية، وربما كانت ستستخدم في بناء مساكن للفقراء(!!).
4) المشروع لا يضيف شيئا للاقتصاد الوطني، ولا يسهم في توسيع الطاقة الإنتاجية.. وإذا كانت شركات المقاولات التي تقيم المشروع ستحصل على التكلفة من حصيلة بيع أراضي المشروع للمصريين الذين يرغبون في الانتقال للسكن أو العمل في العاصمة الجديدة، ومثل هذا السلوك يعيد إنتاج نمط المضاربة العقارية، وكان سمة الفساد في سنوات حكم مبارك(!!).
5) الحاجة الملحة لتوجيه قدر أكبر من موارد الدولة للنهوض بالتعليم العام. وهو الأسوأ.. وترتيب مصر 139 من بين 140 دولة، وتحتاج في السنوات المقبلة إلى إنشاء سبعة آلاف مدرسة سنويا.. تقدر بمليارات الدولارات.. وكثافة الفصل الواحد بالمدارس الحكومية في الجيزة تصل إلى مئة وعشرين تلميذا(!!).
6) ضرورة طرح مشروع العاصمة الجديدة للنقاش على الرأي العام والمتخصصين، ومنهم كثيرون في مصر.. ولا يجب أن يترك الأمر لدائرة ضيقة من المستشارين يتداولون فيه داخل غرف مغلقة، في غياب خبراء مستقلين في العمران والاقتصاد والاجتماع، وغيرهم كثيرون..
هل يعني إقامة عاصمة جديدة اعتراف بالفشل في معالجة مشاكل القاهرة.. وبها أكبر مخزون تاريخي وثقافي وعلمي وديني، وتتعايش فيها حقب حضارية متنوعة وخصبة(!!)
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب