يقول شاتوبريان في كتابه الماتع «آخر ملوك بني سراج» إن المهندس المعماري يبني بمعنى من المعاني أفكار الشاعر، ويجعلها قابلة للمس الحواس. ولا يختلف الشاعر في كثير عن المهندس، فالقصيدة هي الأخرى معمار فني، وحتى يتحقق هذا المعمار لا بد من بنية، وبانٍ للكلمات، وأن يكون للباني علم ومعرفة بأصول هذا البناء اللغوي، لاجتراح المختلف والجميل الذاهب في فرادته، مغايراً للمألوف، ومنبتّاً أحياناً عن أي جذر وأصل سابق. بمعنى أن لا يكون هذا الوليد الفني نبتاً شيطانياً طالعاً من فراغ كوني ما، بالقدر الذي يعني الخصوصية التي تنتمي إلى حالة خاصة بعينها، نفسية، زمانية ومكانية، باعتبار وحدة الإنسان العميقة في الوجود. فكل إنسان وحيد وحدة كاملة، ومعزول في ذاته، والشاعر ممثل هذه الوحدة والعزلة، وهي طوقه وفضاؤه الحيوي، أدوات شغله ومختبره العميق. ومع ذلك ستجد من الشعراء من يذهب عميقاً في أخدود هذه البنية تنظيراً وتحديداً لأساسياتها ودقائقها وموجباتها، حتى ابعد فاصلة. وكل ذلك بعصا الديكتاتور الواثق، وهو بذلك يكمل بناء القلعة، السجن المحكم لهواء القصيدة الحرّ ويحدده. أما أين تكون قصيدته هو نفسه من كل هذا التنظير، فالأمر لا يحتاج إلى بصيرة نافذة.
لكأني أراني الآن، مدعواً إلى إقامة مثل هذا السجن المحكم لهوائي الخاص، لكني لست في بال الذهاب إلى تفكيك هذه البنية نظرياً، وصولاً إلى معنى ما، يعني القلعة، أو النموذج الفني الذي أنادي به. سأترك لي أن أذهب في الكلام معي، والحديث إلى نفسي، مندهشاً أمام ما يعتريني من حالات، ويصعقني أحياناً بالتماعات أشبه بالرجّة أو الخلخلة، وكالبرق تفاجئني في أي مكان وأي وقت، أعني القصيدة، في الشارع أو في المقهى، فرحاناً كنت، أو مسكوناً بالغمّ، بلا سبب واضح. وإذ أعود إلى رصدي القديم لمثل هذه الحالة، فإنما لأحاول المزيد من الفهم، وأنا أتساءل عن حالي في الكتابة والقصيدة، هكذا أخاطبني فاتحاً قوساً:
تذهب منك إليك، وتجوس الأعماق من حرقة الشارع حتى نسغ السؤال، السؤال الذي لا باب له، سؤال اللاجواب، فماذا تلتقط، ما الذي أخيراً يملأ السلال؟ كلمات، كلمات، كلمات. أي روح تظل تجوب وتنزع أشياءها، ولا من رداء غير صدى أفق يموج فيك، ولا يردعك غيّ أو خوف. تذهب فقيراً بالكلمات، فقيراً إليها، وغنياً تذهب بالحاجة إلى النبع، إلى الضرورة التي تبلل نشاف الريق، وعميق العطش، حيث يتشكل آخرة الأمر بين يديك ما لا يتشكل، أو تقصده أنت، وتحدّق فإذا شيء آخر يشبه ما لا يشبهك أو يشبهك، شيء تراه فجأة، تصيبك الدهشة، دهشة من يكتشف جديداً، وتنضاف إليك معرفة ما تغتني، فهل تعلّم نفسك، هل مخلوقك معلّمك؟
لكم تضيق بالصيد والأدوات، ويضيق الخناق، تضيق الموسيقى، فالمذياع مريض، بالكلمة والصمت تضيق، بالأثاث، الصور المعلقة، برفوف الكتب، وآنية الخضرة، بالحوار اللاحوار، بلى، وتضيق بالهواء المحدود، بكل هواء محدود، لا يفرد شراعك، أو يشيع فيك هذا الوله المتيقظ. ليس ثمة غير فضاء الخارج، بعيداً عنك، بعيداً عنهم، زقاق، أو مقهى مثلاً، أو ربما عربة، ومن جديد أعضاؤك تمتلك مناديل حريتها، تلوح أو تسبل أجفانك، وتسترسل في المرئيات، توغل أو ترتد، يتفتح الشغف، مَنْ يشعل الأغنية في يديك، ويقول هذا التبغ الأليف!
ربما حفيف شال، أنّة مختصرة في حجر أو ساق، برق من هناك، خفقة من جناح الغريب، حنين إلى ما ليس تعرف، قطعة من سماء، زنبق، زرقة، إيقاع المباني السادر، الطريق، الفراغ، ما يتساقط من حديث عابرين يختصمان، شجر يشكل مفتاحاً، شجر مائل على حائط كأنه سؤال أو لفتة أو اعتذار. كلّ ما لا تدري، ربما يشكل مفتاحاً، نقطة، أو رجّة في الصعود إلى الموت، الصعود إلى النصّ، والوقوع في فخاخه.
الرياح مليئة بالفخاخ، كما مليئة بالطير والألوان.
هي لحظة غائمة التقاسيم، لحظة الطلق، لحظة تستشرف أبداً، لحظة في زمن لا يحدّه شكل المكان، إذ تنخلع الروح، وتكون الولادة، عناء الولادة الطويل، بعد حمل لا محدود، لكلّ ما سبق من أيام وأحداث وغيوم وتاريخ، وقد تراكم في أكوام، وتكوّر بها القلب، ففاض. أي عناء إذن، هو عناء الوضع في طريق عام، أو على مقعد في عربة أو مقهى، وأنت وحدك منعزلاً، ومحاطاً بالجلاّس، تنوس أو تجوس الأرجاء، وقد تلتفت، فترى من يحدّق فيك، أو تتلقى بسمة من نادل، فتتوه أكثر. هكذا يجيء الشعر، ويتلون بورق الكلمات، بنثار الداخل الذي ما احتمل أو انتظر عودة إلى سقف آخر، أو طاولة أخرى، ففار مثلما بكرج القهوة، ولوّن الخارج. إذاك، تنهض فرحاً، أو تهبط نحو الإسفلت الأسود، لتؤرجح بين شفاهك هذا الوليد، تذيعه بينك وبينك، ولا تملّ. فها أنت تغنّيه بصوت عالٍ إذا خلا الطريق من عابرين، أو تلهج به في خفوت، كأنما تهدهد روحك، وتودّ أن يسمعك الحجر والطريق، وأن تميل إليك الفروع مصغية. ها أنت تسترد عافيتك، ويزول الضيق إلى حين، تتنفس ثانية، وتراك أميراً للشوارع وعازفها، شوارع في كل البلاد التي نزلت، قريبة أو بعيدة، تنتمي أو لا تنتمي إلى لهجتك وحروفك.
مقدّمة «الأعمال الشعرية»، 1998
الشعر وفعل المقاومة
حاز الشاعر الفلسطيني (1944 ـ 2003) حقّ الانتساب إلى «شعر المقاومة»، في صفّ توفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران؛ وذلك رغم أنه لم يكتب من داخل جغرافية النكبة في فلسطين المحتلة، وانتمى إلى «سداسي» شعري فلسطيني (خالد أبو خالد، فوّاز عيد، مريد البرغوثي، أحمد دحبور، عز الدين المناصرة، والقيسي نفسه). وهذا الجيل حمل أعباء تطوير القصيدة الفلسطينية في منافيها العربية، وفي حلقة وسيطة ـ ستينية بين «شعر النكبة» و»شعر المقاومة»؛ فلم يتوفّر له رفاه الابتعاد عن الهمّ الفلسطيني، في مختلف مستوياته، كما توفّر لشعراء فلسطينيين بعدهم، واليوم في الحقبة المعاصرة أيضاً. ولا ريب في أنهم حملوا، تماماً كما فعل شعراء الأرض المحتلة، العبئَيْن معاً: تطوير شعريات فلسطينية يُشار لها بالبنان وتشكّل خصوصية جمالية في المشهد الشعري العربي، والانتماء من جانب آخر إلى حركة الحداثة والمساهمة في صناعتها على حدّ سواء.
والقيسي استحقّ الصفة تلك، إنْ لم يكن بسبب انخراطه التامّ في الموضوع الفلسطيني، بالمعاني الوطنية والإنسانية والوجودية والرمزية، فعلى الأقلّ لأنه كان يعتبر الشعر ذاته سلوكاً مقاوِماً بأرفع ما تعنيه الكلمة من معنى. وهو يقول، في علاقته بالشعر على هذا النحو: «إذا كان الشعر أداتي الوحيدة في مواجهة القسوة، فقد كان المخيّم موضوعي وهاجسي اللحظي، كنت أكتب لأقنع نفسي بالحياة، ثمّ لأزداد معنى، وكنت أحسّ بواسطة الكتابة أنني أقترب أكثر من الحلم، من أغاني أمّي، ومن الأرض». وبالطبع، تصريحات كهذه لا يمكن أن تؤخذ كقرائن دالّة في تلمّس خصائص التجربة الشعرية للقيسي، أو لأيّ كاتب سواه؛ ما لم تتجسّد في الكتابة الإبداعية ذاتها، وعلى نحو أقرب إلى البرهان القاطع. وهذا، بالضبط، ما نعثر عليه منذ قصائد القيسي المبكرة، وصولاً إلى آخر ما كتبه من نصوص شعرية أو سردية أو تلك التي تمزج بين الأجناس. «في المنفى» مثلاً، القصيدة التي كُتبت سنة 1964 في مخيم الجلزون، وتفتتح أولى مجموعات القيسي الشعرية «راية في الريح»، 1968؛ تبدو وكأنها خارجة من لغة القصيدة الفلسطينية «المقاومة»، ومن إيقاعاتها وموضوعاتها وأسلوبياتها.
ساعة رحيله كان القيسي قد أصدر زهاء 40 عملاً، في الشعر والسرد والنثر والسيرة والحوار وأشعار الأطفال؛ إلى جانب «الأعمال الشعرية» التي صدرت سنة 1991 في ثلاثة مجلدات. وإذا كانت تلك الغزارة دليلاً بيّناً على خزين شعري عميق الغور، فإنها في الآن ذاته شكّلت جزءاً لا يتجزأ من «ستراتيجية» الشاعر في مقاومة شرط المنفى، وشرط الوعي الشقي الذي حاق به أو طوّره هو بنفسه إلى درجات أشدّ وأرقى، إلى جانب فعل المقاومة الفريد كما تصنعه كتابة الشعر.
محمد القيسي