ينشغل هذا الكتاب بعدد من الأسئلة النقدية المعاصرة، التي تشغل حركتيْ الفكر والنقد، متجلية في مفاهيم القراءة، والكتابة، والعلاقة بين الناصّ ونصه ومتلقيه. وكي تحقق تلك القراءات مراماتها، وفقاً للمؤلف د. خالد حسين، أستاذ الأدب والنقد في جامعة دمشق، فإنها انطلقت نحو النصوص تبتغي ترشيد «اقترافاتها» التأويلية، وفي الوقت نفسه تروم تطوير أسئلتها، لكون التأويل معالجة للنص، وإخراجاً له من داء الصمت المزمن إلى حيوية التكلم.
محمود درويش أرض التأويل الخصبة
يشكل ديوان درويش «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» الذي صدر بعد رحيله، منطقة خصبة للتأويل الذي يحاول التدليل على جودته وجدّته مؤلف الكتاب، فمن أين سيجد داعماً للأفكار، التي يريد أن يبثها في كتابه حول أحقية التأويل وخصوبته إنْ تجاوز النصوص الفارقة لدرويش، إذ تستجيب غالباً لتلك الرؤى النظرية. من هنا فإنه يناوش نصوص درويش ابتداء بعتبة العنوان، يصول في تركيبه بنية متجسدة وبنى مفترضة ليدلل على «خيرات» التأويل، ليصل إلى أن لاعب النرد في نص درويش ما هو إلا الشاعر الذي، وفقاً للكتاب، يشبه لاعب النرد في رميته، حيث يرمي نصه، وهو يعيش بين حالتين من القلق/ اليقين والفوز/ الخسارة، إذ يمكن للقصيدة أن تشع، كونها تخضع للاحتمال الممكن.
لا يمدّ درويش نسغ الكتاب في هذا الموضع فحسب، بل في موضع الحديث عن جماليات الصورة الشعرية كذلك، من خلال نصه الشهير «يطير الحمام». ذلك أن الناقد يبحث عن صور لا تتدثر بالعباءة البلاغية فحسب، بل تروم الانتماء إلى اللغة الشعرية عبر السَلب. ذلك أن اللغة تنتقل من خلال الشعر من الوظيفة التواصلية الواضحة إلى الوظيفة الشعرية القائمة على الالتباس والتعتيم الدلالي، فيرصد الكتاب، في قراءة أقرب إلى التأويلية المنبثقة عن البنيوية، جماليات الصورة عند درويش ودلالاتها وتوظيفاتها، والفجوات الحاصلة بين الدلالة المألوفة، والدلالة «الدرويشية» المنتِجة للقلق الدلالي، إذ تغدو الصورة استراتيجية في تشكيل بنيته النصية.
القضايا أم التجارب؟
تترجح مشاغل الكتاب بين الاهتمام بالقضايا النقدية أولاً والبحث لها عن «مؤيدات» شعرية من جهة، أو الحديث عن الخصلة الفنية الأبرز في التجارب الشعرية وتعضيدها برؤى نقدية من جهة أخرى. ففي القسم الأول يضع الكاتب عنواناً مفتوح الدلالة هو «قضايا الكلمة الشعرية: الوجود/ الأشياء الحدود» ثم يقسمه إلى ثلاثة فصول وفقاً لما يلي: تأسيس الوجود بالشعر: محمود درويش في قصيدته التي لا تنتهي، و الشاعر في جوار الأشياء: منذر مصري/ سيمياء اليومي وبلاغة المرئي، ثم الفصل الثالث المعنون: حساسيات شعرية، حيث يتوقف عند مجموعات لشعراء ينتمون إلى الجيل الأحدث هم رائد وحش وجولان حاجي ورشا عمران.
تبدو معظم اشتغالات هذا الكتاب، أساساً، قد كُتبت بصفتها حديثاً عن حالة، أو تجربة، أو مجموعة، ثم أعيد نسجها في كتاب نقدي يتحدث عن قضايا، فحدث بَوْن منهجي، حاول المؤلف التخفيف من سطوته كثيراً، معتمداً على اللغة النقدية والخبرة القرائية وطريقة التناول والمرجعية الفلسفية والنقدية التي تمتد من هيغل إلى دريدا. ربما كان الحديث عن القضايا يقتضي وقفات أطول مع المفاهيم والمصطلحات، قبل الانتقال إلى النصوص بصفتها محطة تدليل على الأفكار النقدية وانطلاقة لها، وفي الحالتين معاً، يبدو أن الكاتب كان حريصاً على أن تكون هوية الكتاب هوية قضايا، ربما لأنها الأدْوم والأكثر قراءة. أما حين نشرت في الصحف فإنها فروضات فضاء النشر: قد ينجذب قارئ الجريدة اليومية إلى اسم العلم وشهرته، أما جاذبية الكِتاب المتخصص فتكمن ربما في كونه يتناول القضايا!
من جماليات البلاغة
إلى جماليات التجاور
أنتجت حركة الثقافة العربية مجموعة من الإشكاليات، التي صارت أقرب إلى اليقين، منها مثلاً: حتمية الصراع بين اليومي والبلاغي، وربما كان الأجدى الحديث عنها بصفتها جماليات لا يغضّ حضور هذا النمط من وجود الآخر، إنها تعدّدٌ في قراءة الرؤى الجمالية لهذا العالم. إن ما استدعى مثل هذه الإشارة ذلك الميل المبطن والمعلن عند الكاتب نحو الشعر الصافي، أو الشعر المكتنز شعرية، بصفته مقابلاً لليومي المعتمد على المفارقات، حيث اضطر الكاتب في غير موضع إلى تجشم عناء البحث عن مصطلحات وحلول بديلة. ها هو يصف تميز خطاب مصري الشعري مثلاً، بكونه يتأتي من قدرته على «سمْطقة اليومي، يمعن في إخراج اليومي من حياديته وانقضائه عبر تشفيره وتفخيخه بالمعنى، ليغدو كائناً شعرياً قابلاً للقراءة والتأويل»، وكذلك «رفضٌ مسكوت عنه في ثنايا أسلوبيته لطقوس الكتابة الشعرية عربياً»، وكذلك «البحث عن لغة تسكن المسافة الممتدة بين اللغة التداولية ولغة الكتابة الشعرية». وهي مقولات أيقونية يمكن أن نَسِم بها تجربة الكثير من الشعراء المعاصرين، والبحث عن شواهد مؤثرة لها. أحسبُ أن الناقد قد وقع في محاولاته التفسيرية تلك، طبعاً مع الإشارة إلى قدرته العميقة على التأويل، في فرض تفسيرات على بعض النصوص الواردة في هذا الكتاب أكبر من قدرتها على الاحتمال، أو أكثر مما يوحي به شريطها اللغوي، غير أن ذلك ليس مما يكترث به المؤلف، لأنه منذ فاتحة الكتاب، يطلق العنان لاقترافات التأويل حيث يقول إن «ارتكاب الخطأ أصل في عملية القراءة والتأويل، فلا تأويل بمنأى عن الخطيئة، بل إن التأويل على عداوة مريعة مع فعل البراءة والحقيقة». ومثل هذه المقولات الافتتاحية تشرع الباب للمتلقي بصفته ناصاً آخر، له الحق كل الحق في «ارتكاب» ما يشاء من التأويلات، وهي مبالغة قصوى في توريط عالم الكتابة في التأويل، ربما تقف على الجهة المقابلة المطالبة بربط النص بمؤلفه، أو بالدعوة إلى القراءة المخلصة لشريط النص اللغوي متمثلة في الأسلوبية والبنيوية. من هنا فإن مؤلف الكتاب، في غير موضع، يلمّح إلى عدم قدرة القراءة النصية على الإيفاء بمتطلبات النص، وأن القراءة المعولة على المتلقي هي الحل الأمثل لمأزق التأويلات التي يروم إشهارها.
تحولات القراءة النقدية
يغضّ الكتاب النظر عن الظروف الحاضنة للتحولات الفكرية والمنهجية في حركة الثقافة العربية، التي لم تكد تبرأ من الاتكاء على المناهج، التي تدعو للاهتمام بما حول النص مثل المنهج التاريخي والاجتماعي، لتنطلق للتركيز على النص الأدبي متمثلة بالشعرية والأسلوبية والبنيوية، حتى داهمتها المناهج النقدية التي ترحب بالقراءة التعددية، المعولة على المتلقي، والفاتحة لأبواب التأويل على مصاريعها، والداعية إلى إحلال القراءة الثقافية الخصبة بديلاً عن القراءة النصية. وأحسب في هذا الموضع أن حال الثقافة العربية يستدعي قراءة ذات آفاق أوسع، إذ إنها يمكن أن تفرز فرق عمل أكاديمية أو ثقافية تقوم بكل تلك الأنواع من القراءة، بهدف تعويد القارئ على أنه ما من قراءة تموت بوجود القراءة الأخرى، بل يمكنها أن تتعايش وتتجاور، بصفتها «آخر» لا يعني وجوده ضرراً بـ»وجودي»، وآنئذ، يمكن للقارئ، في ظل هذه الافتراضية المنهجية صعبة التحقق لغياب أرضيتها الفكرية، أن يختار ما يناسبه ويستهويه. ولعل المشكلة الكبرى في حالة التلقي الثقافية العربية، الأكاديمية خاصة، أن الاختلاف الإلغائي ورفض الرأي الآخر صار جزءاً من تقاليدها الراسخة. وقد حاول الكتاب أن يبرأ من مثل هذه الإلغائية، غير أنه في الوقت نفسه لم يتردد، في غير موطن، من تعداد حسنات القراءة الثقافية التأويلية، وسلبيات القراءة النصية، ولعل هذا حق فكري للكاتب في الدفاع عن قناعاته الفكرية. بل إن حسين قد دعا القراءة الثقافية والحقول الحافة بها من مثل النقد مابعد الكولونيالي والنسوي والإيكولوجي والتاريخانية الجديدة وسواها إلى الإفادة من «ترسانة المفهومات والمصطلحات التي سكّها جاك دريدا في الحقل التفكيكي، التي من شأنها أن تغني هذه القراءة وتمنحها المزيد من القدرة والشكيمة النظرية والتطبيقية في مواجهة الممارسات النصوصية وغير النصوصية». طبعاً لا يفوت القارئ معجم الكاتب «الحربي» في المقبوس السابق، وربما هو أحد تجليات العيش في مجتمع شرقي، رأسماله الأكبر الصراع، المنتج لليقين، فقد كرر الكاتب كلمة «يقيناً» مرات عدة، إبان مقارباته، فقد قال: «ويقيناً، فالشاعر كان يدرك وطأة الموت». وكذلك استعمل ما يشير إلى الأحكام الإطلاقية، مثل «لا شك في أن المشهد الشعري في راهنه الآن يفتقد تلك الانعطافة الشعرية»، ويبدو أن الكاتب في إخلاصه للرؤية النقدية التي ينطلق منها، وقد تميز في ذلك، قد وقع في أسر الحماس التأويلي أحياناً، مما يجعل كتابه بيئة خصبة للقضايا المثيرة للنقاش. إذ ثمة من يرى أن الكثير من طروحات التفكيكية والنقد الثقافي التي ينافح عنها حسين تلائم حواضن اجتماعية ميالة للتجديد، ولا تميل إلى الثابت من الأفكار. أما المجتمعات الشرقية، التي يشكل اليقين الديني جزءاً من جوهر حياتها، فيبدو الحديث فيها عن المعنى المُرجأ وتعدد الدلالة موتاً للكثير من نصوصها الدينية المتعلقة بـ»العبادات» و»العقيدة» خاصة.
د.خالد حسين: «اقترافات التأويل/ مقاربات في الشعر والنقد».
دار جميرا، الإمارات، 2015
166 صفحة.
أحمد جاسم الحسين