عمان ـ «القدس العربي»: يعني وجود شخصية معتدلة المزاج من طراز الرئيس فيصل الفايز في رئاسة مجلس الأعيان الأردني خلفا للمحنك والخبير التشريعي عبد الرؤوف الروابدة ان الفرصة باتت مواتية لتبريد جبهات الخلاف أولا مع القصر الملكي وثانيا مع مجلس النواب على بعض التشريعات الإشكالية والتي يتوقع ان تنتج المزيد من التجاذب في المستقبل. ويعني ان الفرصة مواتية أيضا للتخلص من مظاهر الحدة في إدارة نقاشات ومشاورات الأعيان ومنح النشطاء منهم فرصة التعامل مع التشريعات بدون مثل هذه المظاهر وبقدر أكبر من الاسترخاء الناتج عن عدم وجود خبرة ثقيلة في التشريع من وزن الروابدة على سدة الرئاسة.
الفرصة نفسها مواتية في المقابل لعقد جلسات مشتركة مع النواب تتجاوز مطبات الخلاف التشريعي عند بعض الزوايا الضيقة عبر الشخصية المعتدلة التي يحبها ويحترمها الجميع والتي يمثلها الرئيس الفايز باعتباره من الشخصيات التوافقية وغير الحادة والتي تميل دوما لإنتاج توازنات وامتصاص واحتواء احتقانات.
الروابدة وحسب شاهد عيان من المجلس الذي كان يترأسه كان متشددا في فتواه التشريعية أثناء العمل وقادرا على إحباط أي فكرة لأي عضو في المجلس وحريصا على ترؤس جميع اجتماعات اللجان ما جعل اللجان تشكو وتتذمر في بعض الأحيان بسبب ميزات الروابدة الاستثنائية كحارس بوابة لا يمكنه إلا وضع بصمته الشخصية على التفاصيل.
بعيدا عن الخلافات والتجاذبات التي تحدث عنها مليا الإعلام المحلي بين المؤسسات المرجعية والروابدة على قانون اللامركزية الإدارية يمكن القول وبعدما هدأت النفوس ان برنامج أولويات التشريع في الرؤية الملكية واضح ومحدد ويحتاج لعبوره شخصية ملائمة توافقية تلتقط الرسائل ببساطة وسرعة ولا تفرض بصماتها أو انحيازاتها الشخصية على التفاصيل.
وهي على الأرجح الشخصية التي يمثلها الرئيس الفايز الخبير بدوره بكل أصناف وأنماط التمرير السياسي لصالح النظام وبصورة مقبولة للمجتمع ودون مزاحمة أو صراع مع النخب والصالونات.
لذلك قد لا يرتبط تغيير الروابدة بالفايز بالتكهنات المتعلقة بخلاف أو بانزعاج القصر الملكي بقدر ما يرتبط بوجود رجل يلعب دور الميسر بين مجلسي الأعيان والنواب ولا يتميز بالحدة ولا يحـتـفـظ بســجــل كبير من التصادم مع الآخرين خصوصا في قضايا التشريع.
المسألة إذن مسألة مواصفات وأدوات، وليست فقط مسألة خلافات وتجاذبات كما يرى الكثير من المجتهدين. فالمرحلة تتطلب عبورا آمنا وسريعا لبرنامج الاصلاحات التشريعية السياسية وبأقل قدر من التجاذب وبالتخفيف من بصمات التيار المحافظ والبيروقراطي لأن ما تتطلبه المرحلة يعارضه ويخالفه البيروقراطيون في العادة وقد ظهر ذلك جليا في الصدامات التشريعية مع الروابدة فيما لم يظهر مع رئيس الوزراء عبد الله النسور، وقد لا يظهر مطلقا مع فيصل الفايز الذي خدم جميع سنوات عمره في البلاط الملكي. الفايز لا ينتمي للقطاع الخاص ولم يتدرج على السلم البيروقراطي، وكان دوما من الحلقات البارزة في عهد الملك عبد الله الثاني ومن الواضح والمرجح ان وجوده في موقعه الجديد يخدم الرغبة في تسريع المتطلبات التشريعية المرسومة في كل الأحوال على بوصلة مشاريع واتجاهات إقليمية. الظرف الاقتصادي المزعج والمقلق للبلاد قد يتطلب اتجاها سريعا نحو الانفتاح السياسي.
والظرف الإقليمي الأمني في ظل تفاعل وتعاضد السيناريوهات في العراق وسوريا وفلسطين يتطلب في المقابل بنية تشريعية جديدة تسمح بإعادة تسويق المنتج الديمقراطي المحلي على علاته للمجتمع الدولي خصوصا بعد رواج ثقافة اتهام الأردن بازدواجية المعايير الديمقراطية والانتخابية في أوساط الدبلوماسيين والسفارات الغربية.
قد لا يتوفر الأساس للقول بغضب القصر الملكي على الروابدة بقدر ما تتوفر معطيات وقرائن على أولويات جديدة تتطلب تقليص مساحة التجاذب والصدام مع التيار المحافظ خصوصا وان البرلمان بصدد التعامل مع أكثر القوانين السياسية إثارة للجدل والانقسام قريبا وهو قانون الانتخاب.
وأغلب التقدير هنا ان الدور الموزع والمحتوي للتأزمات النقاشية والالتزام الحرفي بعيدا عن أي اجتهاد شخصي بالتوجهات الملكية، هو الدور الذي سيلعبه الفايز في رئاسة مجلس الملك خصوصا وانه لا ينتمي إلى المجموعات التقليدية الثلاث في اللعبة السياسية، وهي القطاع الخاص والليبراليون الجدد والحرس الكلاسيكي القديم.
وهو يعبر عن أقرب صيغة لرجال الدولة الذين تربوا في الواقع منذ شبابهم في البلاط الملكي والقادرون على الاحتفاظ بالرواية والمفردات نفسها بدون شخصنة أو تبديل عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الولاء للنظام دون زيادة أو نقصان سواء في موقع أو في منزله.
وجود الفايز في رئاسة الأعيان مسألة قد تكون لها أبعاد أكبر منه شخصيا وأكبر من المجلس نفسه والبرلمان، لأن كابينة القيادة تراقب من مسافة آمنة في الأعلى كل ما يجري في المنطقة والإقليم وهي المحطة الوحيدة التي تتلقى كل المعلومات على حد تعبير مقولة مألوفة لوزير الخارجية الأسبق عبد الاله الخطيب. الرئيس الفايز خاض أيضا طوال العام الماضي في مجاملات مرصودة لجماعة الإخوان المسلمين ويتميز بشخصية عنيدة لا تمتثل دوما للرواية الأمنية للأحداث وعدم وجود مصالح خاصة أو عائلية لديه يجعله في سياق توافقي وله صلات حتى مع المعارضة ومع الحراك الشعبي ومن المتوقع ان يدير نقاشات الجلسات المشتركة للتشريعات الاشكالية بأقل منسوب من الضجر والضجيج وبدون المزاحمة لإضفاء بصماته الشخصية ملتزما بالبرنامج الوطني والملكي فقط.
سياسيا أغلب التقدير ان الرئيس الفايز قد يساهم في إعادة تأهيل الإخوان المسلمين للمشاركة في اللعبة السياسية، كما سيساهم في حوارات بمزاج اعتدالي للتجاذبات الاشكالية وبصورة تهيئ الأرضية لما خفي أو تحتفظ به كابينة القيادة.