غيّر التدخل العسكري الروسي في سوريا من خريطة الحرب الأهلية السورية وأصبح الروس بطريقة أو بأخرى يملكون مفاتيح الأحداث العسكرية والسياسية في المدى القريب على الأقل. وأعطى حشدهم العسكري الجيش السوري دفعة ليخوض معارك هجومية مع قوى المعارضة السورية، ودفع بالإيرانيين لإظهار مشاركتهم العسكرية في المعارك الجارية حول حلب وغيرها بشكل واضح وهو ما لم يفعلوه خلال السنوات الماضية، رغم الدور الهام الذي لعبوه في دعم وإطالة عمر النظام. وأثرت طلعات المقاتلات الروسية على حجم ووتيرة الطلعات الأمريكية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا بطريقة أجبرت المتحدث باسم وزارة الدفاع الامريكية (البنتاغون) للتأكيد أن تراجع وتيرة غارات التحالف الدولي لا علاقة لها بالروس. وأهم ما كشف عنه التدخل الروسي هو أنه أعاد النقاش ومن جديد حول ضعف وتشتت الاستراتيجية الأمريكية في سوريا بطريقة أدت لإستقالة المفوض الخاص للتحالف الجنرال جون ألن الذي لم يستطع التأثير على قرارات العسكريين ولم يكن قادرا على تفسير التحركات الروسية والتدخل بشكل عام (نيويورك تايمز 26/10/2015). ولم يحقق التدخل الروسي اختراقات هامة بعد، إلا ان ما قيل من تفسير لقرار التورط الروسي وما تبع ذلك من زيارة للرئيس السوري بشار الأسد وهي الأولى له خارج البلاد منذ اندلاع الانتفاضة عام 2011 واجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما قدمه الكرملين من مبادرة النقاط التسع التي حملها سيرغي لافروف إلى مؤتمر فيينا الذي انعقد يوم الجمعة 30/10/2015 إلا أن تعامل الغرب مع القرار الروسي ظل من خلال مفهوم الحرب الباردة والحرب بالوكالة الدائرة على أرض سوريا. فقد راهن الرئيس الأمريكي باراك أوباما على غوص بوتين في وحل الحرب السورية وحذر من مخاطر عرض العضلات الروسية، كما حذر المعلقون وخبراء «ثينك تانك» من أفغانستان جديدة في سوريا حيث جرى استحضار الهزيمة السوفييتية هناك في ثمانينيات القرن الماضي. وهو ما عادت مفوضة الشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي فردريكا موغريني للتذكير به يوم الأربعاء 28/10/2015. ولا يمكن التقليل من أهمية ما يقوله الغربيون ولكن هناك فهما أو سوء فهم متعمد لتاريخ العلاقة الروسية أو السوفييتية مع سوريا والتي تمتد لعقود. فدمشق ليست آخر منطقة للتأثير الروسي في المنطقة فقط بل وظلت في عز الحرب الباردة أساسا لتحركات السوفييت في المنطقة ومحاولتهم مواجهة التأثير البريطاني والأمريكي فيها. وعليه فالتاريخ مهم في سبر أعماق القرار الروسي. وكان يفغيني بريماكوف (1929-2015) الدبلوماسي المخضرم ورئيس الوزراء الروسي السابق واضحا في رؤيته للدور الذي يجب أن تلعبه موسكو في منطقة الشرق الأوسط. ويعتقد المعلق ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» (21/10/2015) أن بريماكوف هو عراب التدخل الروسي في سوريا الذي ظل يؤمن بالقوة الروسية حتى بعد انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1989. ورفض فكرة تحول روسيا كلاعب صغير في ظل القطب الأمريكي. وعليه فالتدخل الروسي في سوريا كان يتقدم ببطء ولم يلتفت أحد لأبعاده العسكرية. وكان بوتين يقوم بتحقيق حلم بريماكوف حيث جاء التدخل بذريعة مكافحة الإرهاب. وبخلاف الحرب الأمريكية في العراق والتي كانت حربا «اختيارية» فحرب بوتين في سوريا صورت بالحرب الوجودية. وهي مقامرة محفوفة بالمخاطر ستغير معالم اللعبة في سوريا وما حولها. وفي ظل تغير أدوار اللاعبين وتداخلها فالدراما السورية مفتوحة على كل الإحتمالات ومرتبطة بصراع الإرادات التي ظلت سوريا مكانا لها.
من التاريخ
وفي هذا السياق حلل باحث إسرائيلي من جامعة بن غوريون سلسلة من الوثائق الدبلوماسية السورية تعود للفترة ما بين 1944- 1948 عثر عليها في الأرشيف الفرنسي واختار 13 وثيقة من بين 300 وثيقة تقدم إضاءة على النوايا السوفييتية في سوريا. وكتب هذه الوثائق مسؤولون في الخارجية السورية وسفير سوريا في موسكو وممثل الإتحاد السوفييتي في دمشق دانييل سولود. ووجد مير زامير في مقال نشره موقع «سيريا كومينت» (27/10/2015) الذي يشرف عليه جوشوا لانديز، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما أن السوفييت كانوا قلقين من تحركات الحكومة السورية ومحاولتها مقايضة الإحتلال الفرنسي بالتأثير البريطاني. وعبرالسوفييت عن استعدادهم لتوفير الدعم لحكومة دمشق ضد طموحات الملك عبدالله الأول الذي كان يرغب بإقامة «سوريا كبرى» تحت الحكم الهاشمي. وتعطي الوثائق صورة عن أهمية سوريا بالنسبة للتفكير السوفييتي حيث حققت موسكو نفوذها هناك في السبعينيات وأكدت على وجودها في وقت قررت مصر السادات التوجه نحو الغرب وطرد الخبراء الروس. وتؤكد وثيقة أخرى أعدها دبلوماسيون ورجال استخبارات بريطانيون الأمر.
وجرى تداول الوثيقة بين مسؤولي حكومة هارولد ماكميلان في عام 1957 ولو استبدلنا الأسماء والتواريخ لصدقت الوثيقة على تحرك بوتين الجديد. وجاء فيها أن الاتحاد السوفييتي «سيتعامل مع الإطاحة بالنظام السوري باعتباره تراجعا خطيرا له في المنطقة». وأضافت المذكرة «سيحاولون (السوفييت) إحباطها وسيتعاملون معها كحرب مع الغرب» كل هذا يؤكد أهمية سوريا للتفكير الاستراتيجي الروسي. فقد ظلت بوابته للشرق الأوسط وللبحار الدافئة. وعليه فقد عاد الروس من جديد لممارسة تأثيرهم في المنطقة. وتزامن هذا مع تراجع للتأثير الأمريكي حيث بادرت موسكو لملأ الفراغ. وبعيدا عن الوثائق التاريخية لا يمكن لروسيا حل المعضلة السورية وحدها، فهي أعقد من أن تتصدى لها دولة بعينها ولهذا كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر واضحا في تأكيده أن حل الحرب الأهلية يتطلب تسوية سياسية بين القوى الخارجية المؤثرة في الملف السوري حيث كتب في «نيويورك تايمز» (23/10/2015) أن اتفاق خمس دول فيما بينها كفيل بتسوية في سوريا. وهذه الدول هي الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران والسعودية. وهو ما سمعه كارتر من بوتين ويراه ضروريا في أي تسوية. ويعتقد الرئيس السابق أن إيران باعتبارها الحليف القوي لنظام دمشق مهمة في أي محادثات، فلم يكن الأسد الذي وصفه بـ «العنيد» ليتنازل عن السلاح الكيميائي لولا الضغط الروسي والإيراني.
اللاعبون من الخارج
وفي تشخيصه للأزمة السورية يرى كارتر أن المشكلة ليست في الفصائل السورية ولكن في الدول الكبرى التي يمنعها كبرها عن التحادث معا. وبخلاف هذه فقد أثبتت السنوات الماضية أن النظام قد يتفاوض مع المعارضة حالة وجد أن هناك فرصة لتحقيق مكاسب محلية. ووافق مع المعارضة على سلسلة من لوقف إطلاق النار في حمص ودمشق وحلب حيث تحدث مع المعارضة مباشرة أو عبر وسطاء. وتزامن التدخل الروسي مع وقف إطلاق للنار توصل إليه الإيرانيون مع المعارضة في الزبداني وقرى في إدلب. وانهار الإتفاق مع بدء الغارات الجوية التي استهدفت قوات المعارضة حيث لم يفرق الروس بين معارضة جهادية وغير جهادية ووضعوهم جميعا في سلة الإرهابيين. كل هذا يشي أن ما يغذي الحرب الأهلية في سوريا هي الأطراف الخارجية التي تحاول أن تحمي مصالحها. وعندما يقول حسين أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني لصحيفة «الغارديان» (22/10/2015) إن بلاده لا تعمل على تأبيد الأسد في الحكم وأن دوره مهم ولكن الخيار في يد السوريين ليختاروا من يريدون فهو يجانب الحقيقة لأن غالبية الشعب السوري ترى في الأسد مجرما وفاقدا شرعيته. ومن المفارقة أن يجتمع الفرقاء الخارجيين في فيينا ويغيب عنها قادة المعارضة والنظام وهما الطرفان الرئيسيان في الحل. ويبدو أن فشل السوريين بالتوصل إلى أرضية مشتركة دفع بالقوى الكبرى للتحاور نيابة عنهم. ومشكلة هذه القوى أنها تتحاور وتتحدث بلغة السلاح. فروسيا وإيران من جهة تقاتلان بالأسنان والأظافر دفاعا عن النظام أما الدول الداعمة للمعارضة خاصة السعودية فتؤكد مواصلة الدعم لها. وهنا لا بد من الإشارة أن روسيا ومعها إيران نجحتا في وضع خط أحمر تحت عبارة مصير الأسد على الأقل في الوقت الحالي. مع أن الولايات المتحدة لم تكن جادة بمساعيها للإطاحة بالنظام. فقد توفرت لها فرصة ذهبية عام 2013 كي تعاقب الأسد على ضرب شعبه بعد استخدامه السلاح الكيميائي ولكنها تركته يعمل آلة القتل في شعبه حتى وصل عدد الضحايا إلى أكثر من 30.000 سوري وملايين المشردين. فلم تكن أمريكا الواعية للظرف الجيوسياسي تريد افتعال حرب مع إيران أو روسيا وتعرف تداعيات الإطاحة بالأسد. وهو ما التفتت إليه صحيفة «نيويورك تايمز» (28/10/2015) في ردها على دعاة التدخل العسكري وتحذيرها من مغبة التصعيد العسكري الذي قد يؤدي لقوات أمريكية على الأرض. فالإطاحة بالأسد المجرم وإن كانت مغرية إلا أن تداعياتها كارثية من ناحية إنهيار الدولة السورية وإمكانية إندلاع حرب أمريكية مع كل من روسيا وإيران. كما أن رحيل النظام بدون بديل مقنع يعني تسلم تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الجهادية للحكم في دمشق. وهو خيار يرفضه كل اللاعبين الخارجيين في المسألة السورية.
شكوك
ومع كل هذه المحاذير فالغرب لديه مشكلة مع روسيا ومصداقيتها. فقد يكون بوتين يطرح أفكارا مهمة لكن تصرفاته تقول العكس وسجله واضح في أوكرانيا وفي القرم. ومع أنه جاء للأمم المتحدة باحثا عن تحالف مع أمريكا ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلا أنه كان يحشد قواته في سوريا وبدأ القصف بعد لقائه أوباما في نيويورك. بل وأغضب الأمريكيين عندما استهدف جماعات تتلقى الدعم منهم. وأثار حنق الأوروبيين الذين خافوا من موجات لجوء جديدة تقف على أبوابهم. ومن هنا تعامل عدد من المعلقين مع المبادرة الروسية باعتبارها خديعة. وطالب ديفيد غاردنر بمقال بـ «فايننشال تايمز» (28/10/2015) امتحان نوايا بوتين أولا قبل المضي معه في لعبته. فعليه التوقف عن ضرب المعارضة السورية المعتدلة أولا وأن يوجه مقاتلاته ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وعاصمة ما تدعى الخلافة، الرقة وعليه الحفاظ على وحدة سوريا بدلا من تعزيز وجود الأسد على ما سيتبقى من الدولة السورية في دويلة تحكم مناطق العلويين فقط. مما يعني تفكيك سوريا. وتحتاج روسيا وحلفاؤها الإيرانيون تحقيق انتصار كبير، في الرقة ربما حتى يحقق التدخل الروسي أهدافه المنشودة وهي الحفاظ على الأسد أو الدولة السورية وحماية مصالح الكرملين في المنطقة العربية.
وبدون هذا فقد يكون للعملية العسكرية آثارا غير مباشرة من ناحية فتح الباب أمام القوى الإنفصالية في سوريا من الأكراد والعلويين وغيرهم وتأكيد حالة الإنقسام. يعرف بوتين أن الطيران وحده لا يكفي لهزيمة الجهاديين. ويعرف أن مصالح موسكو وطهران وإن تلاقت على حماية النظام إلا أن إيران لن ترضى بالصيغة التي يحاول الروس ترويجها وهي تعيين فاروق الشرع، ليقود المرحلة الإنتقالية مع الجنرال مناف طلاس الذي سيعمل كما يقول روجر بويز في «التايمز» (28/10/2015) على منع تحول سوريا إلى محمية إيرانية. ويرى بويز أن الروس والإيرانيين يلعبون ضد بعضهم البعض فكلا من الشرع وطلاس لا يحظيان بقبول من السنة نظرا لعلاقتهما الطويلة مع الأسد. وعليه فلن تضحي إيران بجنودها من أجل السماح لهذين الشخصين الفوز بالسلطة. وكلما تعمقت الخلافات بين إيران وروسيا كلما تعقدت مهمة بوتين. فهو بحاجة لتحقيق نتائج وفي أقرب وقت ممكن. وإلا لتحول النزاع في سوريا إلى حرب مجمدة كتلك الحروب التي بدأها الرئيس الروسي ولم تنته.
إبراهيم درويش