لم تتحدث المصادر الرسمية التركية عن وجود مبادرة روسية سياسية لحل الأزمة في سوريا، لأن روسيا لم تعلن بصفة رسمية طرحها لمبادرة سياسية، وبالأخص بعد تدخلها العسكري بتاريخ 30/9/2015 ويجري الحديث عن هذه المبادرة من المعلومات الصحافية وفي مقدمتها ما نشرته صحيفة «القدس العربي» التي حصلت عليها من مصادر مطلعة دون ذكر اسمها، وقبل الحديث عن مؤشرات الموقف التركي ينبغي التنبيه إلى النقاط التالية:
1 ـ أن وصفها بالمبادرة السياسية مخالف للواقع، حيث تأتي في ظل الغزو وقصف الطيران الروسي لمواقع المعارضة السورية والجيش السوري الحر، وبالتالي فإن التهديد العسكري الذي تقوم به روسيا لا يجعل هذه المبادرة سياسية، وإنما هي مبادرة تحت تهديد السلاح والطائرات الحربية والصواريخ البالستية بعيدة المدى التي تطلق من بحر قزوين، وتخترق مسافة 1500كم حتى تضرب الشعب السوري، وبهذه المواصفات ليست مبادرة سياسية.
2 ـ والإعلان الروسي عن مبادرة سياسية ولو لم يكن رسمياً جاء بعد قرابة شهر من انطلاق العمليات العسكرية للجيش الروسي التي بدأت بتاريخ 30/9/2015، أي أن الحديث عن مبادرة سياسية نوع من المناورة أو المراوغة أو المخادعة الروسية أمام الشعب الروسي أولاً، وامام الشعب العربي ثانياً، وأمام شعوب العالم ثالثاً.
3 ـ والأخبار التي تشير إلى المبادرة الروسية تقول أن وزير الخارجية الروسي لافروف قد طرح هذه المبادرة في اجتماع فيينا، الذي عقد بين وزراء خارجية أمريكا وروسيا وتركيا والسعودية، وقد صدر خبر فشل هذا الاجتماع الرباعي عقب انتهاء المؤتمر مباشرة، وبالتالي فإن الربط المنطقي يشير إلى فشل المبادرة الروسية في إقناع الأطراف الثلاثة الأخرى بجدواها أو قدرتها على إيجاد حل سياسي.
4 ـ وأخبار أخرى تقول أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قدم هذه المبادرة لنظيره الأمريكي جون كيري خلال لقائهما الثنائي في فيينا، يوم الجمعة الماضي بشكل ورقة اقتراحات تتضمن بنودا مفصلة للحل السياسي في سوريا، وأن الإدارة الأمريكية وجدت فيها أساسا مهما من الممكن البناء عليه، وعدم ذكر أي موقف لتركيا أو السعودية عن هذه المبادرة يمكن تفسيره بأنهما قد اعتبرا المبادرة بحكم العدم.
5 ـ أما الموقف الأمريكي فلا يمكن التعويل عليه كموقف من المبادرة إن كان لها وجود أو حقيقة أم لا، لأن وزير الخارجية الأمريكي دبلوماسي مراوغ وماكر وقادر على ابتلاع الدب الروسي حياً، ولذلك سوف يواصل مراوغة روسيا في سوريا حتى الاستسلام كما استسلمت في أفغانستان، فقد جاء بوتين إلى وكر الدبابير برجليه، ولن يخرج منه إلا وقد فقد عينيه. وزيادة في إضاعة المبادرة أو الحديث الروسي عن حل سياسي تتم دعوة أطراف أخرى في اللقاءات المقبلة مثل حضور مصر وإيران، بل وربما كل الأطراف المعنية بالمسألة السورية من دول المنطقة، بحسب الاتفاق الذي توصل له كيري ولافروف يوم 27/10/2015 وبالتالي سوف يحضر الأردن ولبنان والعراق أيضاً، وهذا الحضور الموسع سوف يسبقه اجتماع وزراء خارجية أصدقاء سوريا في باريس دون حضور روسيا ولا إيران، وهذا سيزيد من صعوبة بحث المبادرة السياسية الروسية الوهمية، فضلاً عن عجزهم عن التوصل إلى قرار بشأنها، ومن غير المستبعد ان تتم دعوة المعارضة السورية التي يدعمها المجتمع الدولي، وممثلين عن نظام بشار الأسد.
وبالنظر إلى بنود الاقتراح الروسي فإنها أشبه بالمسرحية التراجيدية التي يسعى المخرج إنهاءها بخاتمة مضحكة، فالشعب السوري لم يقاتل خمس سنوات من أجل أن يضحك على نفسه، فهي تريد ان تشرعن نظام أسرة الأسد من جديد، وربما إبقاء عائلة الأسد كعائلة مالكة في نظام برلماني يحكم فيه رئيس وزراء منتخب برلمانيا وحزبيا، ولكن السلطات الأمنية والعسكرية وسياسة الدولة بيد رئيس الجمهورية والمندوب السامي الروسي في سوريا، لذلك فإن المبادرة نوع من التخيل السياسي للصراع في سوريا تتمناه روسيا، ولكنها لا تستطيع جعله حقيقة، إلا في حالة وجود سوريا من غير شعب.
وهذه المبادرة لا تجرؤ حكومة روسيا الذكية عرضها على أطراف الصراع قبل التفاوض عليها مع الأمريكان وأخذ موافقتهم عليها، ليس في فيينا فقط، بل قبل ذلك بكثير، فمنذ سنوات والحديث عن مستقبل الأسد موضع خلاف بين روسيا وأمريكا، وأمريكا تريد ان تبقي هذه القضية حية، لأنها لا تتعارض مع استراتيجيتها في سوريا القائمة على ثلاث نقاط وهي: إدامة الصراع أولاً، وإدارة الصراع ثانياً، والاستفادة من الصراع ثالثاً.
فأمريكا تريد استمرار الصراع في سوريا لسنوات وعقود مقبلة، ومجيء روسيا بطائراتها وأساطيلها لن يغير منها شيئاً، بل على العكس من ذلك سوف يشجعها أكثر على إطالة عمر الصراع، فقد حقق هذا الصراع في سوريا مكاسب لا تنتهي لأمريكا وإسرائيل، فأولى مكاسبه تدمير الجيش السوري الذي كان يحاول صناعة التوازن الاستراتيجي مع الجيش الإسرائيلي في المنطقة، وإضعاف حزب الله اللبناني الذي ترى إسرائيل وأمريكا ضرورة تحويله إلى حزب سياسي على الساحة اللبنانية وتدمير سلاحه الصاروخي، وقد شرع بنفسه بقتل قادته وتدمير قواته في سوريا، وثالثها أن الثورة الإيرانية اضطرت للاستسلام في اتفاق فيينا النووي مع الدول الست بتاريخ 14/6/2015 فضلاً عن إهدار قدرات المنطقة على شراء الأسلحة الأمريكية والغربية والروسية والحيلولة دون السماح لشعوب المنطقة بالتغيير والنهضة أو التأثير على معادلات التوازن الدولي.
اجتماع الجمعة الماضي لوزراء خارجية الدول المعنية بالصراع السوري يأتي في الذكرى الأولى للغزو الروسي لسوريا، وهو مجرد حلقة في سلسلة لا تنتهي من المؤتمرات التي تبحث عن سبل حل الأزمة السورية، ولذلك فإن السؤال عن الموقف التركي ينبغي أن يذهب إلى السؤال هل تم خداع الأتراك بالمهمة التي جاء من أجلها الروس إلى سوريا بطائراتهم وصواريخهم ودباباتهم، وأن الغزو الروسي قد غير من القراءة التركية لأوضاع سوريا في المستقبل، وبالأخص في شمال سوريا وما يهدد الأمن القومي التركي، فيما لو تم تقسيم سوريا وإقامة كيان أو دولة كردية تسعى أمريكا لإقامتها منذ احتلالها للعراق عام 2003 وفي هذه الحالة فإن تركيا سترى في التدخل الروسي عملا معاديا ومعارضا لسياستها في سوريا، ولكن ردود أفعال الحكومة والمسؤولين الأتراك لا تشير إلى هذه الدرجة من الانزعاج أو الإجراءات التي تواجه مخاطر التدخل الروسي، وبالتالي لا بد من البحث عن قراءة أخرى للموقف التركي.
القراءة الأخرى ترى أن الروس جاؤوا لأداء وظيفة معينة، ولعب دور مدفوع الثمن من قبل دول مجلس التعاون الخليجي وفي مقدمتها السعودية وقطر، وأن ذلك تم باتفاق بينهم وبين الروس بإشراف وزير الخارجية الأمريكي كيري، أي أن التدخل الروسي في هذه القراءة هو أمام مهمة إنهاء الثقل الإيراني الذي فشل في إنهاء الصراع في سوريا عسكريا وسياسياً أيضاً، وبالتالي فإما أن تبقى روسيا في صراع طويل المدى وراء الفشل والأخطاء الإيرانية أو ان تبادر بعمل عسكري ينهي هذا الصراع ولكن دون خسائر لروسيا أولاً، وفي الوقت نفسه تقاسم سوريا سياسياً وفق معادلة تتفق عليها أطراف الصراع، بحيث لا يمكن إلغاء جزء من الشعب السوري، وبالتالي لا بد من نظام سياسي جديد يوزع الصلاحيات السياسية في الدولة السورية المقبلة بحسب ما يتم الاتفاق عليه في مؤتمرات السلام اللاحقة، وبالتالي فإن الحضور الروسي هو الأداة العسكرية والسياسية لتنفيذ تكوين النظام السياسي الجديد في سوريا، لان الحل السياسي لا بد ان تباشره دولة قادرة على تنفيذه على أرض الواقع، وبهذه القراءة فإن عائلة الأسد والعلويين سوف يتنازلون عن جزء من قدراتهم السياسية والعسكرية، ولن يكون لإيران إلا حضور سياسي فقط.
بهذه القراءة لا تخشى تركيا على ما يهدد أمنها المباشر من التدخل الروسي، لأنه محصور بوظيفة إيجاد نظام سياسي جديد في سوريا، ربما يستطيع إقامة دولة ديمقراطية، وتحقق إضعاف الوجود العسكري الإيراني، وبالتالي إبعاده من المنطقة، وهذا أمر ترحب به تركيا بكل تأكيد، وتجده عاملاً أساسيا وصحيحاً لحل الأزمة، ولكنه سيحتاج لمدة زمنية غير قصيرة، فضلاً عما يحتمله من ضحايا وقتلى أبرياء.
تركيا معنية بإنجاح أي مبادرة لحل الأزمة السورية بسبب التأثيرات السلبية على الأوضاع الداخلية، حيث تستضيف أكثر من مليوني لاجئ، وكذلك تأثيرها السلبي على الأوضاع الإقليمية، والتي أثرت على الاستراتيجية السياسية التركية التي تبناها حزب العدالة والتنمية للمنطقة من مطلع القرن الحالي، وتركيا لن تسعى لمواجهة روسيا في مشاريعها في سوريا إلا إذا تم الاعتداء على حدودها أو على أراضيها وأمنها، وهو ما عبر عنه الرئيس التركي منذ الأيام الأولى للتدخل الروسي فقال:»ينبغي على روسيا أن تعرف أنها إن فقدت دولة صديقة كتركيا، التي تربطها بها علاقات تعاون في الكثير من المجالات، فإنها ستفقد أشياء كثيرة».
من القضايا التي تعارضها تركيا على الموقف الروسي أن روسيا ضد فكرة المنطقة الآمنة، ولا ذكر لها في المبادرة، بينما يفسرها أردوغان قائلاً: «هناك من يفسر المنطقة الآمنة على أنها منطقة عازلة، وهذا شيء خاطئ، لأنها تعد منطقة خالية من الإرهاب، لنقل السوريين إليها»، ولذلك تسعى تركيا لإدراج مسألة اللاجئين على مؤتمر العشرين الذي سيعقد قريبا في تركيا، وهذا قد يعيد النظر بصواب فكرة المنطقة الآمنة دولياً، ولا فإن المخاطر التي يتحدث عنها مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه، ستكون خطرا على كل الشرق الأوسط بما فيها تركيا، حيث قال بتاريخ 27/10/2015 في واشنطن خلال مؤتمر حول الاستخبارات أن «الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة» مؤكدا أن دولا مثل العراق أو سوريا لن تستعيد أبدا حدودها السابقة، وهذا خطر يهدد تركيا، بوصفها أكبر دول الشرق الأوسط.
محمد زاهد جول