تركيا تعود للصناديق

حجم الخط
0

في وسائل الإعلام التركية يمكن رؤية الاحرف R.Y- R.T كما هو الحال في دولة القانون التي تحافظ على سرية هوية الاشبال الخارجين عن القانون. اثنان من ابناء العم 12 و 13 عام من سكان ديار بكر الكردية جنوب شرق المدينة تتم محاكمتهم الان بسبب مخالفة خطيرة ـ «اهانة رئيس الدولة». في شهر ايار تم الامساك بهما وهما يمزقان مناشير عليها صورة رجب طيب اردوغان واذا تمت ادانتهما قد يسجنا لاكثر من عامين. ادعى الاثنان انهما ارادا بيع اليافطات لمن يجمعون الحديد والخردوات للحصول على بعض المال والنيابة لم تقتنع.
الاكراد حتى وان كانوا أولاد فهم دائما مشبوهون واهانة رئيس الدولة تحولت في الاشهر الاخيرة إلى مخالفة معروفة لدى النيابة التركية. سينضم الولدان إلى الصحافيين والكتاب ونشطاء الفيس بوك والتويتر الذين ادين بعضهم والبعض الآخر ينتظرون المحاكمة بسبب الانتقادات التي كتبوها او تحدثوا بها ضد الرئيس اردوغان الذي لا تفوته اية اهانة. كلما اقترب موعد الانتخابات في البرلمان في يوم الاحد القادم (أمس) كلما ازدادت حساسيته. التوتر في قصر الرئاسة الفاخر الذي كلف دافع الضرائب التركي 615 مليون دولار يمكن تفهمه.
بعد هزيمة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التي تمت في 7 حزيران حيث حصل حزب السلطة الإسلامي على 40.5 في المئة وفقد قدرته على اقامة حكومة لوحده، من شأن الانتخابات الجديدة أن تؤكد من جديد الهزيمة وتضع اردوغان في وضع لا يستطيع فيه حكم تركيا كزعيم وحيد.
خوف اردوغان وصل إلى ذروته هذا الاسبوع عندما اقتحمت قوات الشرطة مكاتب شركة «كوزا آيباك» التي يمتلكها رجل الاعمال علي آيباك، طردوا الموظفين بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وحطموا الابواب ووضعوا على رأس الشركة ادارة جديدة بأمر من وزارة الداخلية. «كوزا آيباك» هي اتحاد يمتلك 22 شركة من ضمنها خمسة وسائل إعلام اساسية. وبررت النيابة السيطرة على الشركة بالقوة بـ «غياب الترتيبات المالية» ودعم الإرهاب الاقتصادي. لكن التهمة الحقيقية هي علاقات الشركة مع «هيومت» وهي حركة فتح الله غولن رجل الدين التركي المنفي للولايات المتحدة منذ 2013 بعد أن تحول من ولائه لاردوغان إلى عدوه اللدود.
ان ملاحقة «هيومت» التي اقامها غولن قبل عدة سنوات ليست جديدة وهي بنظر اردوغان حركة إرهابية لا تقل خطورتها عن حزب العمال الكردي الذي هو منظمة إرهابية. ولكن ما يقلق اردوغان ليس النجاح الاقتصادي لغولن وانما وسائل الإعلام التابعة لهيومت التي تبذل جهودا كبيرة للكشف عن فساد النظام. والعاملون في هذه الوسائل الإعلامية تم استدعاؤهم للتحقيق وقدمت لوائح اتهام ضد بعضهم. والغريب هو لماذا انتظرت السلطات فترة طويلة قبل أن تهجم على مكاتب «كوزا آيباك» قبل الانتخابات بخمسة ايام.
محلل تركي معروف قال لـ «هآرتس» ان الرسالة ليست موجهة فقط إلى «كوزا آيباك» بل تهديد على اتحاد وسائل الإعلام «دوان» (المسؤولة عن عدة وسائل إعلام مهمة مثل «ديلي نيوز» و«حورييت»)، واتحاد «فاظا» الذي يملك عدة وسائل إعلام وضد كل من يحاول انتقاد النظام في الايام القريبة. لان الدعاية الانتخابية ممنوعة في الايام التي تسبق الانتخابات، فلم يبقَ لمنتقدي اردوغان سوى كتابة المقالات النقدية والتعبير عن رأيهم في محطات التلفاز. هذه الافواه يحاول اردوغان اغلاقها.
الا ان حملة الاسكات والتخويف التي يقوم بها النظام التركي لا تنجح في خلق التحول في الرأي العام لصالح الرئيس. استطلاعات الرأي الاخيرة تشير إلى أن حزب العدالة والتطوير قد ارتفع رصيده ووصل إلى 42 في المئة من الاصوات ولكن هذا الازدياد القليل لن يمكن اردوغان من الحصول على الأغلبية المطلوبة لاقامة حكومة من حزب واحد. تلك الاستطلاعات تتنبأ بازدياد قوة الحزب الكردي التي دخلت في الانتخابات الاخيرة إلى البرلمان وتشكل 13 في المئة وشوشت الصورة السياسية لاردوغان.
من بين 550 مقعد في البرلمان يحتاج حزب السلطة إلى 276 من أجل اقامة حكومة لوحده. لكن حلمه لا ينتهي هنا. فحزب العدالة والتنمية الذي حصل على 258 مقعدا فقط في الانتخابات الاخيرة يسعى إلى الحصول على 330 مقعدا من اجل تغيير الدستور وطرح هذا التغيير للاستفتاء الشعبي. مع التغييرات التي يسعى اليها اردوغان باحداث ثورة في الحكم في تركيا ومنحه صلاحيات تشبه صلاحيات رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما أو تشبه صلاحيات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. في الانتخابات السابقة حث اردوغان الناخبين منح حزبه 400 مقعد في البرلمان لكي يمتنع عن الاستفتاء الشعبي في طريقه إلى الرئاسة على النمط السلطاني وهذا الأمر لم يسمع هذه الايام بصوت مرتفع.
الانتخابات في تركيا هي للبرلمان ولكن من يخضع للاختبار هو أردوغان وليس فقط شخصيته بل سياسته ايضا. المواضيع الكبيرة التي نزلت على الناخب التركي لم تتغير بين حزيران وبين تشرين الثاني.
الليرة التركية تراجعت مقابل الدولار وازدادت البطالة والتضخم وتلقت السياحة ضربة قوية ونشر الاتحاد الاوروبي تقريرا حول وضع حقوق الانسان.
لكن هذه الامور لن تتراجع بسببها شعبية الرئيس وحزبه الذي لا زال اقوى من اي حزب آخر. ولكن في الاشهر الاربعة الاخيرة حدثت احداث عمقت الشرخ الداخلي في تركيا وخلقت نظرة «هم ونحن».
«نحن نموت وانتم لا»، قال رئيس الحزب الكردي صلاح الدين دميرتاش بعد العملية الدموية في محطة القطار في أنقرة التي قتل بسببها اكثر من مئة شخص واصيب المئات. معظم القتلى كانوا اكرادا جاءوا للمشاركة في مظاهرة ضد الإرهاب ومع المصالحة بين الحكومة وبين الاكراد. انضمت هذه العملية إلى عملية اخرى حدثت في حزيران في مدينة سيروتس جنوب شرق الدولة وقتل فيها 33 مواطنا كرديا ونشطاء ساعدوا الاكراد في سوريا. الاكراد لا يتبنون موقف السلطة ان المتظاهرين كانوا من رجال الدولة الإسلامية داعش ويتهمون قوات الأمن بالتعاون مع المنفذين او على الاقل غض البصر عنهم.
من خلال حوارات مع المواطنين في سيروتس ومدن اخرى في المنطقة الكردية يبرز العداء والاحتقار للسلطة التركية وقوات امنها.
بالمقابل ايضا مؤيدو الحزب القومي المتطرف غير راضين عن سياسة اردوغان الذي وحسب ادعائهم قام باستيراد الحرب السورية إلى منطقة تركيا واغرقها بأكثر من مليوني لاجيء. «هم ونحن» هو ايضا شعور الليبراليين العلمانيين الذين يشعرون بأنهم ملاحقون. وكذلك رجال الاعمال الذين لا يتخذون القرارات للنظام.
كيف ستؤثر نتائج الانتخابات على كل اولئك؟ لاردوغان لا يوجد جواب حتى الان. من الممكن أنه يهيىء نفسه لجولة اخرى من الانتخابات، إذا لم تمنحه النتائج الانتصار الساحق الذي يريده.

هآرتس 1/11/2015

تسفي بارئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية