الهولوكوست… وافتراءات نتنياهو ضد الحاج أمين الحسيني

حجم الخط
2

اتهم رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، المتوفى سنة 1974، بأنه هو من حرض الزعيم النازي، أودلف هتلر، خلال لقائهما في نوفمبر 1941، على ارتكاب جريمة المحرقة ضد اليهود «الهولوكوست»، وجاء هذا الاتهام، أمام المؤتمر الصهيوني في القدس المحتلة، في 21 أكتوبر الماضي.
ورغم أن تصريحات نتنياهو لاقت الدحض والاستهجان، من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ووزارة الخارجية الفلسطينية، التي اعتبرت أن هذه التصريحات تلفيق وتزييف لحقائق التاريخ، ومن المستشارة الألمانية، ثم المتحدث الرسمي باسمها، الذي أعلن أن مسؤولية الجريمة الإنسانية «الهولوكوست» هي مسؤولية ألمانية، وان كل الألمان يعرفون تاريخ سعار القتل الإجرامي الذي قام به النازيون، إلا ان التعامل الفلسطيني والعربي، بشكل خاص، مع اتهامات نتنياهو للحاج أمين الحسيني، لم ترق إلى المستوى المطلوب. وبغض النظر عن أهداف نتنياهو من افترائه على التاريخ وتزييفه، كما هي عادته وعادة قومه «البهت» على امتداد التاريخ، فإنني هنا، باعتباري عربيا ومسلما ورجل قانون، أريد ألا أُفوت هذه الفرصة الذهبية التي اتاحها لنا نتنياهو، وهي إعادة فتح ملف ما يعرف بالمحرقة لتبرئة ساحة الحاج أمين الحسيني من هذه التهمة، خاصة أننا، نعرف جميعاً أن الصهيونية العالمية، وبتوظيف دول غربية، وباستعمال وسائل الإعلام والمال والسياسة، وحتى التشريع، نجحت في ترسيخ جريمة الهولوكوست ضد اليهود، من حيث أن الجاني هو الزعيم النازي أودلف هتلر ونظامه، وأن الضحية هم يهود اوروبا خاصة المانيا، وأن العدد هو ستة ملايين يهودي، وأصبحت الجريمة ملفاً مغلقاً، يُحرم ويُجرم الاقتراب منه او إعادة فتحه أو مناقشة ما ورد فيه، أو التشكيك في أي من مضامينه، وذلك تحت طائلة العقاب.
وقد نجحت الصهيونية العالمية، من خلال تسويقها لجريمة الهولوكوست في كسب عطف العالم وابتزازه، خاصة ألمانيا التي وقع عليها العبء الأكبر في تقديم التعويضات المادية والمعنوية لليهود ولدولة إسرائيل، ويبدو ان نتنياهو شعر بأن جريمة «الهلوكوست «قد استنفدت دورها في إبتزاز ألمانيا والعالم، بعد كل هذه السنين، فأراد أن يرفع عبئها عن ألمانيا النازية،، ويقنع العالم، بدعم ومباركة المؤتمر الصهيوني العالمي، بادعاءات ومزاعم جديدة، توظف في زيادة الحقد العنصري الصهيوني ضد الفلسطينيين، وتبرر الجرائم الوحشية التي ترتكب ضدهم من قبل قطعان المستوطنين، وتشتت اهتمام العالم عن الموضوع الأصلي وهو الاحتلال الإسرائيلي والجرائم التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني.
وحيث ان اتهامات نتنياهو للحاج أمين الحسيني، تصدرت أهم الأخبار في مختلف وسائل الإعلام، وربما حققت الهدف المطلوب منها، بينما بقيت أصوات الدحض والاستنكار لهذه الاتهامات خافتة وضعيفة، وساهمت في ذلك هيمنة الإعلام الصهيوني، وضعف الإعلام العربي وعدم قدرته، أو حجبه عن الوصول إلى العقل الغربي. وحيث أن نتنياهو، بصفته ومنصبة، وأمام المؤتمر الصهيوني العالمي، وعلى الهواء مباشرة، وأمام العالم أجمع، أعاد فتح ملف الهولوكوست، الذي كان الاقتراب منه، أو الحديث عنه من المحظورات المجرّمة، بموجب بعض القوانين الغربية، لذا فإنه من حقنا، ومن واجبنا، جميعاً، ألا نترك ملف الهولوكوست، يغلق وفي صفحته الأخيرة اتهام زائف ملفق ضد الحاج أمين الحسيني، لتحقيق أهداف وابتزازات صهيونية جديدة.
ومساهمة مبدئية في دحض اتهامات نتنياهو الزائفة، أود ان أوضح ما يلي:
1- إن كتاب «كفاحي» الذي أصدره الزعيم النازي أُودلف هتلر، في 18 يوليو 1925 يؤكد ويوضح، وبما لا يدع مجالاً للشك،، أن حقد وكراهية هتلر لليهود، ترسخت منذ سنة 1913، حيث اعتبر نفسه «مسؤولا عن توعية الشعب الألماني بإدارك المخاطر التدميرية التى يقوم بها اليهود»، التي تشمل، حسبما ذكر نصاً، في عشرات المواقع والفقرات من كتابه، «نشر الفوضى في المجتمع الألماني»، و»تدمير الاقتصاد الوطني»، و»احتكار الإنتاج الحربي»، و»امتصاص دم الشعب الألماني بإسلوبهم الناعم، وتوجيه السياسة الألمانية في اتجاهات كارثية منذ سنة 1918»، وهذا يثبت ويؤكد أيضاً، أن هتلر لم يكن بحاجة إلى تحريض من الحاج أمين الحسيني، أو أي جهة أخرى لارتكاب جرائم الهولوكوست ضد اليهود، ما يجعل هذا الكتاب، وثيقة قانونية وتاريخية، تضاف إلى ملف الهولوكوست، لتدحض افتراءات نتنياهو ضد الحاج أمين الحسيني.
ثانياً: رغم أن الصهيونية العالمية نجحت في توجيه السياسة الدولية، واستغلال الدول الكبرى، لتحقيق أهدافها في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بدءاً من وعد بلفور 1917، وصولاً إلى قرار التقسيم الصادر عن منظمة الأمم المتحدة سنة 1947، إلا ان إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، كان وما زال، يواجه تحديين أساسيين وهما،
1- اقتلاع وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه.
2- جلب اليهود من شتى بقاع الأرض، خاصة أوروبا، ليحلوا محل الشعب الفلسطيني، حتى يمكن إقامة ما يسمى بدولة إسرائيل.
ولتحقيق هذه الأهداف، برر وأباح المؤتمر الصهيوني العالمي المنعقد سنة 1946 في جنيف، استعمال الوسائل الإرهابية من أجل إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين، وقد أثبتت هذه الوسائل نجاحها في روسيا من قبل، إذ ساهمت بشكل فعال في دفع يهود روسيا إلى الهجرة الجماعية إلى فلسطين منذ بدايات القرن العشرين، ما يعني أن هذه الوسائل قابلة للاستعمال مرات أُخرى، وأنه أصبح من الثابت استحالة قيام دولة إسرائيل بدون استعمال الوسائل الإرهابية.
ومن هذا المنطلق قامت ونشطت المنظمات الصهيونية الإرهابية في فلسطين، بطرد السكان الأصليين، من خلال ارتكاب المجازر الوحشية، مثل مذبحة دير ياسين، وقبية، التي ارتكبتها، عصابات أرغون وشتيرن، ضد المدنيين العزل، وبدم بارد، ما حقق الهدف الأول وهو طرد جزء كبير من الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه.
وعلى الجانب الآخر، اتسع نطاق الإرهاب والعنف وسفك الدماء ضد اليهود في اوروبا، ما أدى إلى عمليات نزوح جماعية لليهود من أوروبا الشرقية، حسبما أعلنت لجنة خاصة في مجلس العموم البريطاني في حينه، موضحة، أن هذه المجموعات اليهودية، توضع في المناطق الأمريكية الموجودة في المانيا والنمسا، بهدف ترحيل الغالبية المطلقة منهم إلى فلسطين، وأنه من الواضح أن عمليات الترحيل هذه كانت على درجة عالية من التنظيم والإعداد والتمويل، وتدعمها «قوىً نافذة»، وتختم اللجنة المذكورة تقريرها بالقول «إنها لم تستطيع ان تتحصل على أدلة محددة حول المحرضين الحقيقيين لهذه العمليات». وقد لاحظت، أيضا، لجنة تحقيق حول الحرب العالمية الثانية، أُرسلت إلى أوروبا، من قبل الكونغرس الأمريكي «أن الهجرات المكثفة لليهود من أوروبا الشرقية إلى المناطق الأمريكية في المانيا، تعتبر جزءاً من خطة معدة بإحكام وبتمويل من قبل جماعات خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. ونعرف جميعاً الآن، ما لم يعد سراً، أن هذه الجماعات الخاصة المشار إليها، هي منظمات صهيونية. ونعرف يقيناً كذلك، أن جرائم الهولوكوست ضد اليهود، ساهمت مساهمة كبيرة في خلق حالة من الرعب والهلع، لدى جميع اليهود، في المانيا وفي جميع أنحاء اوروبا، دفعتهم بأعداد كبيرة للهجرة إلى فلسطين، وبعضهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، برعاية وتنظيم وتمويل من منظمة الصهيونية العالمية. وعليه لا يمكن ان يتصور أي إنسان عاقل على ظهر الأرض، ان الحاج محمد أمين الحسيني، الذي قاد كفاح الشعب الفلسطيني في مراحلة المختلفة، قد تغيب عنه، خطط ومكائد الصهيونية العالمية والدول الاستعمارية الداعمة لها، في دفع يهود اوروبا، بشتى الوسائل والطرق، بما في ذلك جرائم الهولوكوست، للهجرة الجماعية إلى فلسطين،
ولكن نتنياهو، هبلاً أو استهبالاً، يريد ان يكرر اليوم، افتراءات ضد الحاج أمين الحسيني، سعت بها منظمات صهيونية ودول استعمارية، بعد الحرب العالمية الثانية، لتقديم سماحته إلى محكمة نورمبرغ، بتهمة تحريض السلطات النازية في المانيا على حرق اليهود، ولكن تلك المحاولات باءت بالفشل، لمعرفة العالم اليقينية، أن النازيين لم يكونوا في حاجة إلى تحريض من أحد في ما ارتكبوه ضد اليهود. وأن الحاج أمين الحسيني بريء تماماً من هذه التهمة.

٭ كاتب وإعلامي ليبي

سالم قواطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية