الشاعرة سمر دياب تحاول كتابة مزاجها الشعري، تقترح له نصا في الخفّة، ونصا في الصخب، تتجاوز به (خديعة العتبة) كما يسميها إيف نونفوا، لتكون عند اشتباك اللغة، عند توهجها التعبيري، وعند سيولة استعاراتها، فحميمية اللغة لا تكفي وحدها لطمأنة الشاعرة، ولا تُفضي بها للبرهنة على اقتراح صلاحية كاملة للمعنى، إذ تظل نصوصها تهجس بلغة بسيطة، ناعمة، مشرقة، فيها الكثير من البوح تناور بها وتخاتل وتراود بمجازاتها، وتتكشف من خلالها على عري ما يساكنها، لأن ما تكتبه يخصها تماما، إذ هو نصها المرآوي، والجسدي والمزاجي ولا مبالاتها، مثلما هو نصها المجازف والمغامر والصاخب، الذي لا يضع شروطا أو أقنعة لكتابته، فهو غامر بوضوحه، لكنه محتشد بالتوهج أيضا، تتشكل فيه الجملة الشعرية بالكثير من الاختزال، والكثير من الاستغرق الحسي.
هذا المُركّب الشعري هو الأكثر إبهارا في تدويّن سيولة مزاجها الشعري، مزاج أنوثتها الذي تكتبه بوصفه انحيازا الى ما يتساقط من شغفها وشبقها وغرورها الذي تمارس، عبر لعبة البوح بصوت عال، تكاشف، تهدد، تلامس، وكأن هذه اللعبة الشعرية هي محاولتها التعويضية لتحقيق فعل ما تراه وما تلمسه وما تحسّه وما تستدعيه وما تفضحه عبر استعاراتها الصاخبة..
ها قد تقشرتُ وتعالى العرش عني.. فتعاليتُ..
اذن تعال..
عرفتُ العبد المصلوب على بعد سنونوتين من ردمي
ومنجل مشجّر يعين الخضرة على السيف
وتحسبتُ لوقوع نطفتين أو أكثر .. على اسمي
وانشققتُ تحت السموات
على مرأى الجهات
باسم الساحل الجنوبي لأيلول وغيمة أمي
وفي غفلة صرتُك
وكسرتُ أضلعي بالسر وتوسمت في الليل خيرا
وسرتُكَ
تحت المطر.. فوق المطر
وكل اتهامات الصحو حملت
لخوخة مارقة طقس أدمى من عطري
يشقّ على شوكي هجرة النورس يحمل في ظله ظلي
وريش الحمام كالبيوت في كفيّ
أفرك عينيك بجوزة طيب
وأتقي القش فيك وشهداء التحية
وأمضي
حواسي قرميد القلب
جند الدمعة تستل هدبا طريا
وتنهزم قربي
عليّ وعلى شعوبي الحسنى يا وثني
أنا نفخت في سيرة الأبطال قنطرة
ودفترا وزنبقة
وخليلا ملتهبا.. ودالية مصطفاة
أنا بلّغتُ فاشهد
وتصفح الجريدة لترمم سفحي والجبل
لربما تفيض نجمة علانية على قميص أزرق
أو تغفو قبلة في بئر يكتب شعرا
ويحنّ على القبل
نصوص الشاعرة سمر دياب تجاهر بهذا المزاج الفائر، وتبيح لقارئها أن يشاطرها لعبة الكشف والبوح والتدفق الحسي. شراهتها التعبيرية تعكس إنشداد كتابتها لفكرة حريتها وتمردها، ولمواجهة خسران الكائن الذي يساكنها عبر استدعاء الحبيب الغائب بكل سرائره وتفاصيله وسهوه وفيضه، تتملكها عبره رغبة حادة في استعادة شيفرة للحياة واللذة، والبحث عن الخلاص، تراقب من خلال شعريتها الوجود والعمر والرجل، تقترح لهم وجودا مسكونا بالتفاصيل دافقا ومحسوسا، فيه الكثير من القسوة والمرارة والعفوية، لكن فيه أيضا الكثير من ارهاصات وعيها الحاد بالأسئلة، تلك الأسئلة التي تتمثل سؤال الحرية ذاتها، وسؤال الوعد والخسران، أسئلة تتسع بالرؤيا وتضيق بالعبارة كما يلفت الصوفيون، إذ تتحول ثنائية الحضور والغياب الى مفارقة للمعنى والحدس، وللوقف الإيهامي عند غوايات تلك العتبات الخادعة، والعاطلة عن مغالبة التوريات، والمكشوفة- أيضا- على مُتخّيل تعبيري شهوي، يدفعها لتلمّس الهواجس والتفاصيل، ويُطلق عنان لغتها لممارسة التعالي، وعدم الذهاب إلى المعنى مباشرة والاكتفاء بالحدس..
في طريقي إلى أسئلة خاسرة
من يسقي الماء؟
هل تعضّ الرصاصة على شفتيها إن أخطأت؟
مفتوحة أم مغمضة أول عين وجدها العالم؟
بأي يد يفك العنكبوت أزرار قميص حبيبته؟
ما اسم صوت نجمة البحر؟
هل ابتلّت وهي تفكر بي الآن؟
هل سأعود؟
يالله.. هل سأعود ؟
صناعة الجملة التصويرية واحدة من أهم التمظهرات الفنية في نصوص سمر، فهي جملة بسيطة في تركيبها النحوي والمورفولوجي، لكنها موحية، يشتبك فيها السرد التصويري، مع الهاجس الحسي، وهو ما يشحن خفتها الشعرية بطاقة داخلية يدركها القارئ لحظة القراءة الأولى، إذ يهجس بصخبها الداخلي، وبمفارقتها وحدّتها، وبحمولة مزاجها النافر والساخر.
هذه الجملة لا تَكلّف وإسراف بلاغي فيها، لكنها تظل مفعمة بتهويمات روح الأنثى التي تجرّ الأفكار إلى ذلك المزاج الذي يساكنها، حيث فكرة الطفولة، وفكرة الزمن والحبيب والجسد والعمر. نص الكتابة الصاخبة قد يكون أفقا لتوالي هذه الجُمل، وقد يكون هو اللعبة التعبيرية التي تكشف عن مهارتها في التلوين الشعري التصويري، فهي تكرر حروف الاستقبال والاستدراك، وكأنها توحي حساسيتها إزاء ما يأتي، وإزاء شغفها الحميم بحياة تغمرها، وتموضعها وسط استيهامات لغتها، وخصوصية اشتغالها على تحولات لعبة النص، إذ تشحنه بالغواية، أو بالصراحة، ليكون أكثر استجابة لتمردها وصخبها، وأكثر انفلاتا عن السياق، ذلك الذي ظل يغمر العديد من نصوص الشاعرات وهنّ يكتبنّ هواجسهنّ المذعورة..
سأنهمر الآن
أو ربما بعد قليل
سأروي تلك الشجرة التي تحلم بأن ترى نجمة البحر
سأقول لها أنا البحر ويدي نجمتي
وستصدق
ولأني بلا حبيبة سأبتز صبية لا تملك معطفاً
سأقول لها احبسيني في سرتك
او اجعليها لي عيناً
وستوافق
ثم أهرع لبائعة العيون
أيتها الجدة.. أنا المطر وأملك عيناً
أقايضها بربطة عنق
وزجاجة عطر
ووردتين
علّي إن طرقت نافذتها هذه المرة تفتح لي
المرأة التي لا تحب المطر ..
سمر دياب تكره الحرب والموت والخسران، لذا هي تكتب عن الحياة بشغف تعويضي، وبصوت فائق الشراهة، فالحرب لعبة للغياب والموت القهري، والخسران هو الذاكرة والمقبرة، ولعل التضاد بين ثنائيات الحضور والغياب والموت الحياة هو سر هذه الكراهية، والذي نجده أكثر تدفقا في نصها «مقتل خمسة جنود» فالنص يبدأ من الإحساس بالخسران «في طريقي إلى أسئلة خاسرة» ليغمرنا بوجع غامر، وجع تستجمعه اللغة ليكون نشيدا أو بوحا أو إشهارا بالكراهية.
النص- هنا- صوت لمزاج تتكسر دواخله، رفض فاجع، روح تبحث عن الوجه الآخر للحياة، الحياة التي يسكنها الماء بوصفه سر الخلق الأول، ويسكنها العري بوصفه غواية قديمة وشخصية جدا لم يستطع الجندي القتيل أن يصنعها، أن يلتذ بها، أن يمارس من خلالها شغفه بالحياة وصخبه فيها وتمرده عليها ووهم انتصاره على أخطائها ورهابها..
أرجوكم لا تدفنوني بثيابي
انتظرت هذه اللحظة طويلاً لأنام عارياً
وأفيق عارياً.. وأمشي إلى بيت الحرب عارياً
أركل بابها عارياً
وأشدّها من شعرها عارياً
وأبطحها أمام أصدقائي عارياً
وأبول على وجهها وصدرها و فخذيها عارياً
وحين تظنني سأغتصبها
أنظر إليها بقرف وأدير ظهري وأعود إلى قبري
منتصراً عارياً..
كاتب عراقي
علي حسن الفواز