بيروت ـ «القدس العربي»: نسج طالب الفارماكولوجي في الجامعة اللبنانية عبد الحكيم القادري «1994» رواية تدعو للتأثر بذلك الخيال الخصب الذي يتمتع به، وتلك الدقة في وصف تفاصيل جمة من الحياة، وهو لا يزال يافعاً.
«الخلدان الصمّاء» باكورة مشجعة من 240 صفحة، مسرحها البيئة الجغرافية التي ينتمي إليها صاحبها، بلدة كفرشوبا في جنوب لبنان. ضمّن القادري روايته مواقف غير مباشرة بمجرد خوضه في هذا الجانب السياسي أو ذاك، هذا التقليد الاجتماعي أو ذاك. العمالة للعدو، المرأة، الحب، الخيانة، الحرب الأهلية والاحتلال. ربما جميعها عناوين تستدعي بعد نظر وتجربة عميقة، لكن الكاتب الصغير كان متميزاً بالدور الذي تولاّه.
من «الخلدان الصمّاء» نقتطف: «ليلة دخلت هذا القصر، سلمته نفسها، خلعت الثوب، وانتظرت على حافة السرير بثيابها الداخلية المثيرة…. إمي، مهما فعل بك لا تعترضي، أتفهمين؟ الرجل إن احب جسمك، أحبك العمر بطوله. والرجل لا ينتظر، لا تصديه إذا اقترب منك، أتسمعين؟» مع القادري كان هذا الحوار:
■ باكورتك «الخلدان الصماء» تنبئ من خلال فصولها والأبواب التي ولجتها، وكأن من صاغها له باع طويل في خبرات الحياة وأنت يافع بعد. من أين لك هذا؟
□ عالم «الخلدان الصّماء» قائم بشكل أساسي على عنصر الخيال، لذا فإن نسجه لم يتطلّب استحضار ذاك الكم من الخبرات الحياتية الشخصية، وإنما كان كافياً الاستعانة بخبرات الغير وترسّبات الذاكرة من صور وقصص ووجوه، والانطلاق منها لابتكار موازييك جديد متخيل من الشخصيات والأحداث. بمعنى آخر، أنا – وإن نثرتُ من دون قصد بعضاً من ذاتي في تكوين الخلدان النفسي – لست حاضراً في الرواية كأحد أصواتها، بخلاف الشائع عادةً في بواكير الروائيين المبتدئين.
■ غصت عميقاً في ارهاصات بشر روايتك وأحصيت أنفاس بعضهم فهل يُبنى مسار هؤلاء البشر لديك في الخيال قبل أن تخطه على الورق؟
□ لم تُكتب «الخلدان الصّماء» عن سابق تصميم على الورق. حين البدء بها، لم يكن لديّ هدف أتجشّم بلوغه، أو نهاية واضحة أسعى خلفها، أو حتى تصور بسيط بأنني أكتب رواية. كانت في ذاك الوقت (صيف 2009) مشروعاً بلا هوية، مجرّد تنفيس عن غضب ربما، أو طريقة تخلّصني من إلحاح صورة أرّقتني كثيرًا؛ صورة امرأة هاربة من الماضي تجد نفسها بعد مدة مضطرة للجلوس معه، وجهاً لوجه. فكانت هذه الصورة بمثابة الحجر الأساس للعالم الذي جعل يتبلور أمامي مشهدًا أثر مشهد، وكلما ضربت حرفًا على لوحة المفاتيح. ما اعتمدته إذن في كتابة هذه الرواية – وأرى أنه أتعبني جداً – يتماشى ومدرسة إي. أل. دوكترو، الذي يعتبر أن «الكتابة كالقيادة ليلاً في الضباب. يمكنك أن ترى ما تسمح به أضواؤك الأمامية فقط، لكنك تستطيع إكمال الرحلة حتى الأخير على هذا النحو».
■ هي الحياة في بلدتك كفرشوبا الجنوبية لم تهمل تفصيلاً إنسانياً وركزت على المرأة التي تحمل من دون زواج. ماذا ترمي من هذا المسرب الأساس في هذه الرواية؟
□ في كفرشوبا، كما في كل القرى اللبنانية والعربية المحافظة، يُنظر إلى الأم العزباء على أنها زانية، وإراقة دمها حلال. وقد حدث في ضيعتي ذات يوم أن حملت صبية في بيت أهلها، ولم يعلم أحد بالأمر حتّى ما قبل ولادتها بقليل، فهربت إلى مكان مجهول مخافة «الجرصة»، ولم يسمع لها خبر بعدها. هذه القصة لم تغب يوماً عن بالي، وبقي مصير المرأة وطفلها يشغلني ويثير فيَ الأسئلة، إلى أن قرّرتُ تضمين «الخلدان الصّماء» بهذه القصّة، ولكن في قالب جديد مغاير لما حدث حقيقةً، لعلني ألفت النظر إلى الظلم اللاحق بالمرأة التي تحمل من غير زواج، والذي لا ريب بأنه لن يدع الطفل وشأنه. ولعلني أيضاً، بشكل أو بآخر، أخلّد ذكرى تلك المرأة الهاربة، التي أرى أنها ضحية من ضحايا مجتمعاتنا عديمة الرحمة.
■ تبدو وكأنك مأخوذ بالأمومة المفقودة كما سميتها. هل تناصر المرأة من الظلم الاجتماعي القائم؟
□ قد أناصر المرأة من ظلم اجتماعي ما، وقد أناهضها في آخر لا أجده بمنظاري – خلافاً لما قد تجده هي – ظلماً. وهذا ليس لانفصام يشوبني، أو لمعايير مزدوجة أمتلكها، بل لأنني لا أحبّذ أن أكذب على نفسي وأظهرها بصورة الشاب المتحرر من قيود الفكر والضوابط الاجتماعية، فأنا أدرك أنني لست كذلك، أقله حالياً. وهذا عائد إلى كوني نشأت وسط بيئة استطاع أشخاصها – من دون إرادة مني وبحكم السلطة التي يملكونها عليَ – سجني فكرياً ونفسياً في أقفاص دينية ومجتمعية، أحاول ولم أزل التّحرر منها، قفصاً قفصاً.
■ في روايتك أفكار منثورة فيها بعض من حكمة تطلق عليها «أوراق حياة» هل هي رواية داخل رواية؟
□ أوراق المذكرات المسمّاة «أوراق حياة» والمتناثرة بين فصول الجحرين الأول والثاني من الكتاب، يمكن اعتبارها رواية قائمة بذاتها، ففيها يعيش القارئ جزءًا من القصّة مرويًّا على لسان «حياة»، الشخصية التي يظل مسار قصتها وعلاقتها بالأبطال غامضاً حتى الجحر الثالث، الذي يغدو فيه ممكناً ربط أحداث قصتها بأحداث القصة الأساسية المروية بصيغة الغائب. وقد قصدت تسمية تلك الشخصية «حياة» لأنّها تمثل الحياة بماضيها وحاضرها ومستقبلها، الحياة التي يقرر الأهل في لحظة ضعف أو قلة وعي رميها خلفهما، ظناً أن هذا هو الحل الأنسب، ولكن ما لا يدركانه هو أن تلك الحياة سترجع يوماً للاقتصاص منهما.
■ هل تلوم «الخلدان الصماء» في مجتمعنا؟ ومن هم؟
□ لست في موقع يخوّلني إطلاق الأحكام أو إلقاء اللّوم على شخصيات «الخلدان الصّماء» الذين غدوا في عتمة أنفاقهم عميان عن الحق والحقيقة، وطرشان عن موسيقى دواخلهم، فكل إنسان لا بد مر بمرحلة كان فيها خلداً أصمّاً، يختبئ ليل نهار وأسراره في جحر، إما ابتُلي به أو حفره بكلتا يديه.
■ أين تأتي الكتابة في مسار حياتك وأنت تدرس الماجستير في البيوكيمياء؟
□ أُولي الكتابة اهتماماً كبيراً منذ خمس سنوات، رغم انهماكي بدراسة البيوكيمياء سابقاً والفارماكولوجي حالياً في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية. وهنا لا يسعني إلا أن أستعين بما تقوله حياة في «الخلدان الصّماء»: «الكتابة هي ملاذي الوحيد، ومفرّي الوحيد. هي الجحر الذي حفرته بنفسي، وأضعت طريق الخروج منه في ما بعد».
■ من شجعك على الكتابة؟
□ بل أسمع من حولي يردّدون: «الكتابة ما بتطعمي خبز». وهذه للأسف حقيقة مرّة متعارف عليها في عالمنا العربي. لهذا، قلّما لاقيت تشجيعاً من الأهل، ولهذا وجدتني ألجم شغفي وأسلك مساراً مغايراً له في دراستي الجامعية. مع العلم أنّني سأكون جاحداً لتشجيع الآخرين إن تنكّرت لما قاله لي المغفور له سماحة السّيد هاني فحص ذات ندوة كتاب: «تعجبني فوضاك الخلاقة»، أو لما قالته أستاذتي الروائية هدى عيد ذات سنة دراسية: «عبد، أحبّ سردك». شهادات كهذه، من أفواه كهذه، مهما كانت بسيطة، تزيد المؤلّف إيماناً بنفسه، وتشحنه بطاقة عجيبة للاستمرار في مضمار الكتابة.
■ هل أنت قارئ جيد؟
□ إن كانت القراءة تقاس بعدد الكتب المرصوفة على الرفوف خاصتي، فأنا أعتبر نفسي قارئاً سيئاً، قد أمضي في كتاب واحد ما يقرب من ستة أشهر. لكننّي حين أقرأ، أقرأ بكلّ حواسي. وقد يحدث أن تروقني فقرة ما، فأعيد قراءتها مرةً واثنتين وثلاثاً، وبصوت مرتفع، لأندمج أكثر في المشهد، أو لأنهل من جماليته.
■ هل وافقت دار نوفل على نشر روايتك بيسر؟
□ بعد ثلاثة أشهر من إرسال «الخلدان الصّماء» إلى دار نوفل الذي أكنّ له وللقائمين عليه بالغ المحبّة والاحترام، هاتفتني مديرة التّحرير رنا حايك قائلةً إنّها أحبّت الرواية علماً بأن نشرها يتطلب مزيدًا من التنقيح. الحقّ، لم أكن أتصور كمية العمل التي كانت في انتظارنا نحن الاثنين. حذفنا وأضفنا وعدّلنا كثيراً حتّى صار العمل جاهزاً للطّباعة. وخلال تلك الفترة لفتت رنا انتباهي إلى نقاط كثيرة كنت أجهلها في فنّ الرواية، ما دفعني لأن أطّلع على مصادر تعليمية أخرى للمزيد من التعمّق.
■ ماذا في جعبتك بعد؟
□ حالياً أضع في أناة اللمسات الأخيرة على الجزء الثاني والأخير من «الخلدان الصّماء». وبموازاة ذلك أنا في طور كتابة مسلسل تلفزيوني اجتماعي يحاكي الواقع اللبناني السوري.
زهرة مرعي