«بيري ساندرز» المرشح الأمريكي للرئاسة… هل هو ظاهرة تستحق التوقف عندها؟

حجم الخط
0

بيرني ساندرز المرشح المستقل والطامح للفوز باترشح عن الحزب الديمقراطي لمنصب الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية،برز
وخصوصا بعد المناظرة بين المرشحين الديمقراطيين، كظاهرة سياسية مؤثرة في مجريات الحملة الرئاسية المقبلة. مدى الأثر لترشحه سيظهر لاحقا في البرنامج الإنتخابي التي سيتبناه الفائز بالترشح عن الحزب الديمقراطي. في السابق برز مرشحون شعبويون إستحوذوا على تأييد واسع في بدء الحملات الرئاسية لطرحهم شعارات شعبوية» متطرفة «طالما أغفل الطاقم السياسي التقليدي الجمهوري- الديمقراطي من طرحها أوتبنيها بتفصيل واضح ودون غموض رغم حاجة الناس لها.مثل الحد من البطالة أو النهوض بالإقتصاد، أوالأقساط الجامعية،وزيادة الحد الأدنى للأجور…
والإلتفاف الشعبي حول هؤلاء المرشحين يدل على إنفضاض قسم لايستهان به من الأمريكيين عن قطبية الحزبين الديمقراطي والجمهوري الدائمة، إذ يبدو أن لافرق واضح بين الحزبين في محصلة حكمهم على الأوضاع المعيشية. المرشح المستقل روس بيرو حصل في إنتخابات 1992 على 19% وهي نسبة لايستهان بها وحاكم فيرمونت السابق هوارد دين شكل مفاجأة بتقدمه على الجميع في دورة 2004 ولكنه فشل بسبب نوبة غضب قضت على مستقبله السياسي..فإذا هناك دائما إمكانية لبروز مرشح خارج السياق التقليدي في الإنتخابات الأولية كنتيجة لطرح ما هو ملح على الصعيد الشعبي. دونالد ترامب الذي يتقدم لائحة الجمهوريين يقع في هذه الخانة بتبنيه المواقف المتطرفة لليمين كالهجرة في المقابل برز بيرني ساندرز لتبنيه المطالب الشعبية الإقتصادية الملحة للعديد من الأمريكيين.و إذا كان ترامب قد أثار ويثير عواصف من الإستنكار لدى القطاع النسائي أو لدى المكسيكيين المهاجرين إرضاء لجمهور حزب الشاي المتطرف،فإن بيرني ساندرز و ما يتميز به من صراحة ونزاهة في تاريخه السياسي قد يستطيع، إذا استطاع المحافظة على زحم الدعم الشعبي، ان يترك بصمته على مجريات العملية الإنتخابية برمتها وبالتالي على الثقافة السياسية الأمريكية.
رغم تقدمه بالسن(74 سنه) تحظى حملة بيرني بدعم الجيل الشاب وهذا ما حصل مع أوباما سابقا والذي إعتمد شعار التغيير لحملته واستطاع أن يؤمن دعم وول ستريت ليتموضع في الوسط، كما درجت العادة مع معظم الرؤساء الديمقراطيين.إذ يتم على أيديهم تنفيذ أجندة الجمهوريين المعتدلين.
تهميش اليسار في الحزب الديمقراطي والنقابات وما يعنيه ذلك من تآكل في مداخيل الفئات المتوسطة إضافة للحد من التقديمات والخدمات الحكومية للفقراء وذوي الدخل المحدود، وتشريع الحد من تدخل الدولة في صياغة وحماية المستهلكين من ممارسات المؤسسات المالية وكبار البنوك،هي سياسات ما زالت سائدة و مستمرة منذ عهد ريغان_ تاتشر الذين بشرا العالم بالليبيرالية الإقتصادية وبدور السوق المنفلت في تسيير الإقتصاد. بيل كلينتون الرئيس الديمقراطي أجهز خلال عهده على التشريعات المعروفة بإسم ( كلاس_ ستيغل _1933) والتي أعتمدت بعد الإنهيار الكبير للأسواق في عام 1929 للحماية من تغول البنوك و المؤسسات المالية وبذلك قدم أكبر خدمة لها وقد ظهرت مفاعيلها السلبية في إنهيار فقاعة العقارات 2008.
بيرني ساندرز هو من يطرح ويسمي هذه الأمور بواقعية تستهوي الإنسان العادي. فالإقتصاد يبقى الحافز الأكبرلدى معظم الناخبين من أبناء الطبقة الوسطى و أصحاب الدخل المحدود، الإحصاءات تثبت بأن 66% يرون بأن الثروة تتركز في أيدي القلة و يجب أن تراعي العدالة في توزيعها،و71% يوافقون على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15دولارا بالساعة، و74 %يوافقون على أن الشركات تتمتع بنفوذ نسبي يفوق أثر الناخبين، وأكثر من 50% يوافقون على رفع نسبة الضريبة على الأغنياء.هذه الإحصاءات تثبت أن تركيزه على الفوارق الطبقية يلقى إستجابة من الفقراء و العاطلين عن العمل والمهشمين إضافة لشريحة واسعة من الطبقة الوسطى التي تشكو من الضمور المتواصل. وهنا تنبغي الإشارة إلى التفاوت الواضح في تعريف الطبقة الوسطى فالجمهوريون يعتبرون العائلة المحافظة والتي تذهب أسبوعيا إلى الكنيسة وتعادي الإجهاض وزواج المثليين وغيرها من المعايير الإجتماعية هي النموذج المثالي للطبقة المتوسطة،طبعا التعريف يختلف عند التقدميين في الحزب الديمقراطي إذ ان تعريفها مرتبط بالدخل السنوي والذي هو أعلى من خط الفقر (حوالي 17 ألف دولار سنويا لعائلة من فردين، وحتى مبلغ 250 ألف دولار سنويا)أي أن التعريف إقتصادي، وهذا ما أعتمد عليه ساندرز،ولذلك كانت الإستحابة لسياسته ولثيمة برنامجه تنعكس في التبرعات المعتمدة فقط على الأفراد وبمعدل 30 دولارا للفرد الواحد، بينما تعتمدهيلاري كلينتون على دعم الشركات والمؤسسات المالية إضافة لكبار المتمولين والمستثمرين. ورغم الفارق بالمبلغ الذي جمعه ساندرز 41 مليونا مقابل 100مليون لكلينتون فإن أعداد الحضور لمهرجاناتهم الإنتخابية تعكس الصورة، في بوسطن جذب مهرجان بيرني أكثر من 20 ألف شخص بينما لم يتعد الحضور في مهرجان كلينتون في نفس المدينة الـ 600 شخص.
لم يكن الإعلام المؤيد لكلينتون مرتاحا لشعبية خصمها ولذلك حشدت السي أن أن كل طاقاتها إضافة لكل المحطات الناطقة بإسم المؤسسة السياسية السائدة لتسخيف شعارات حملته بدءا من التكرار بأن الولايات المتحدة ليست الدنمارك ( تذكر بتصريحات مبارك وغيره بأن مصر ليست تونس). طبعا سيستطيع هذا الحشد الإعلامي من توسيع الهوة ما بين المرشحين لمصلحة كلينتون ولكن مهما يكن فإن معطيات كثيرة تدل على أن الإنتخابات الرئاسية بعد ترشح بيرني ساندرز لن تكون كسابقاتها بل ستؤثر على مجرى الحاة السياسية لاحقا ومنها:
1-المفردات اللغوية المسيطرة على خطابه جديدة وبالنسبة للبعض دخيلة. فمصطلح الأشتراكي وإن كان مرفقا بالديمقراطي،يعتبر من المحرمات بالنسبة للسائد في الحياة السياسية الأمريكية. فالإشتراكية كمفهوم تم دفنها عندما ترشح المناضل النقابي يوجين دبس عام 1912وحصل يومها على مليون صوت كتعبير عن مدى شعبيته لدى الشغيلة الأمريكيين.المكارثية دفنت أفكار دبس وكل اليساريين وتكفلت الحرب الباردة وفشل النموذح السوفييتي بإستبعاد أي أمل بتداولها من جديد. فهل يقامر بيرني ساندرز عندما يتبناه ويحاول إحياءه؟ يبدو أن ساندرز بتبنيه لهذا المفهوم إنما يعبر عن قناعاته الشخصية المستندة إلى المثال الإسكندنافي القائم واقعيا ويمكن للمنتخب أن يتلمسه،بدون أي تنظير أو تجريب، وهنا تنبغي الإشارة بأن الإستطلاعات أظهرت أن 49 %من الأمريكيين لديهم موقف إيجابي من مفهوم الإشتراكية.
2-يعلم المشرفون على حملته على مدى سطوة الإعلام السائد والمعبر عن المؤسسات السياسية المهيمنة للديمقراطيين والجمهوريين وبالتالي ليس من مجال، للوافدين من خارج سرب التقليديين،بدون دعم الشركات والمؤسسات المسيطرة على مفاصل الحياة الساسية والإقتصادية،ولذلك وجد المشرفون، بعد ان استفادوا من حملة أوباما الأولى،بأن البديل للإعلام التقليدي هو وسائل التواصل الإجتماعي وما تحويه الشبكة من إمكانية التواصل مجانا قد يعوض أثر النقص المادي مقارنة بالمبلغ الذي جمعته هيلاري كلينتون. وهذا يعتبر بداية للحد من سلطة السي إن إن وغيرها من الإعلام المسيطر والذي يساهم في بناء الوعي السياسي المناسب لمصالح الشركات والممولين، يبدو أن السلطة الإعلامية التقليدية أصبحت بموازاة إعلام مغاير بدون كلفة. تجربة موسوعة ويكيبيديا المجانية بمواجهة موسوعة بريطانيكا أفضل مثل فنحن نعيش في عالم فيض المعلومات المجاني.
3-تركيز ساندرز على التفاوت الطبقي حتى أنه أتهم بالتشجيع على حرب طبقية، هو نهج جديد يفضي للتركيز على النهب الذي تقوم به الشركات وبصورة قانونية،هذا الأسلوب المدعوم بحقائق دامغة يدفع بقطاعات شعبية واسعة للإلتحاق بمعسكره.السياسة السائدة للديموقراطيين لم تلحظ أيا من مطالب الفئات لشعبية وآخرها كان موافقة أوباما على معاهدة التبادل التجاري(تي بي بي) مع أقطار المحيط الهادي وما يشكله ذلك من تهديد للصناعة الوطنية وعمالها.
تركيزه على الفوارق الطبقية لايعني إطلاقا عدم تبني مطالب الطبقة الوسطى الإجتماعية والتي يتبناها عادة الليبيراليون. مثل حقوق المثليين و الإثنيات وحقوق المرأة.فهذه المطالب هي ما يميز الجمهوريين عن الديمقراطيين بالمطلق، بينما الفوارق الطبقية الإقتصادية لامكان لها في قاموس الحزبين، ولذلك حذر الإقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغلتز من أن عدم المساواة وازدياد التفاوت الإقتصادي والطبقي بالمجتمع هو تهديد للديموقراطية إذ يؤدي لتدخل القلة في السياسة.
4-يتصدى ساندرز أيضا لمعضلة دور تبرعات الشركات للمرشحين في تسيير الدفة السياسية لمصالع أعمالهم وبالتالي لغير مصالح المنتخبين.ففي عهد الرئيس أوباما2010 تم التخلي عن محدودية المبالغ التي يسمح بها للشركات والمؤسسات المالية في التبرع للمرشحين بعد صدور قرار من المحكمة الدستورية يبيح ذلك و من دون حدود.يعتبر ساندرز بأن الحياة الساسية لاتستقيم ولاتتوازن إذا كان نفوذ المال السيسي طاغيا على مصالح الناخبين إذ يؤدي ذلك لتأبيد الوضع القائم ويحول دون تطويره.طبعا هذا الطرح الجديد في الحياة السياسية سيكون له مفاعيل في المستقبل على أجندة المرشحين.
5-الضعف في أجندة ساندرز برزت في موقفه الملتبس بالنسبة لحيازة السلاح الفردي مقارنة بموقف كلنتون،وسبب ذلك أن ولاية فيرمونت التي يمثلها هي مركز رئيسي لتصنيعها كما أنها ولاية ريفية والسلاح جزء لايتجزأ من ثقافة سكانها، تصحيح موقفه ووضوحة هومطلب العديد من مؤيديه والإستجابة لذلك وارد. وكذلك الضعف باد بالنسبة للسياسة الخارجية وخصوصا بالنسبة للقضية الفلسطينية. أنصاره يتوقعون تنديدا بالسياسة الإسرائيلية،وموقفه أوجزبالقول بأن الولايات المتحدة كونها الأقوى يمكنها أن تفرض الصلح الذي يؤمن الأمن لإسرائيل والدولة للفلسطنيين وهذا ما لم تفعله أي من الإدارات السابقة. هذا الموقف متطور جدا عن غيره من المرشحين. هنا تجب الإشارة بأن لافرق إطلاقا بين الجمهوريين والديمقراطيين بالنسبة للسياسة الخارجية فإستجواب هيلاري كلينتون بالنسبة لليبيا وحادث القنصلية ببنيغازي لم يمس أي موقف سياسي بل إتخذ الطابع الشخصي.
واضح بأن السياسة الخارجية الأمريكية،وهي إمبريالية بإمتياز،هي بالنهاية من صنع مجموعة مراكز البحث الفكري المدعومة من مختلف اللوبيات في واشنطن كما توصل إلى ذلك بيري أندرسون في دراسة مستفيضة ( العدد الكامل لمجلة نيو ليفت ريفيو البريطانية مخصص لذلك العدد 83 أيلول .2013)،لذلك هي ضئيلة جدا إذا لم تكن معدومة أي مراهنة على مرشح للقيام بتعديل أو تغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية دون وضع حدودلسيطرة اللوبيات القابضة على مفاصل السياسة الخارجية.
إذا استمر وحافظ ساندرز على إنطلاقته قد يضطر الديمقراطييون وعلى مضض بقبوله لمنصب نائب الرئيس وهذا بحد ذاته إنجاز لمرشح كسر كثير من التابووات وطرح على الملأ العديد من المحظورات وبصراحة وجذرية لم تعتدها الحياة السياسية الأمريكية،وهذا يعني فرض جزء من أجندته على برنامج هيلاري كلينتون و جرها بإتجاه اليسار ويعني أيضا إعادة الإعتبار للقوى التقدمية في الحزب الديمقراطي،خصوصا وأن الجمهوريين و بموافقة بعض الديموقراط قد وضعوا نصب أعينهم خصخصة أنجح البرامج الحكومية كالضمان الإجتماعي والصحي للمسنين.
الإلتفاف الشعبي حول ساندرز له ما يبرره في مطالب معظم الأمريكيين وإذْ أبدى الجيل الشاب حماسا منقطع النظير لبرنامجه فهذا يعني أن بصمته على الحياة السياسية دائمة وبإتساع وبذلك يمكن القول بأن مفهوم الربيع الأمريكي قد بزغ بترشحه.
في الشهر الماضي أعاد الراديو (إن بي آر)الوطني إذاعة مقابلة مع فيديل كاسترو كلن أجراها عام 1965في أوج الحرب الباردة وقد سُئل فيها عن مدى إمكانية أن يعم السلام بين كوبا والويات المتحدة فأجاب :» سيتم ذلك في حال وصول بابا من أمريكا اللاتينية إلى الفاتيكان وفي حال إنتخاب رئيس أسود في الولايات المتحدة.»وهذا التنبؤ يومها كان يعتبر من المستحيلات. نبوءة كاسترو وصدفة تحققها تكشف عن ضرورة المسار التقدمي للبشرية. ألم يردد نيرودا «لكم تتغير الأشياء في يوم واحد».

عون جابر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية