التقرير عن الحادثة بين رئيس شعبة الاستخبارات، اللواء هيرتسي هليفي وبين الوزير زئيف الكين يكشف النقاب عن طرف الجبل الجليدي لظاهرة مقلقة، تعرض للخطر استمرار مسار سفينة دولة اسرائيل. فحسب التقارير، احتج الكين ووزراء آخرون على أن استعراض رئيس شعبة الاستخبارات في الحكومة بدا كخطاب دفاع عن السلطة الفلسطينية. فقد بالغ اللواء في الثناء على التنسيق الامني مع ابو مازن وادعى بان السلطة تمنع الإرهاب. كما شرح كم هم يرون فينا المسؤولين عن الاضطرابات. وادعى الوزير الكين بان اللواء المحترم يعنى بشؤون سياسية خارج نطاق عمله.
صحيح أن هليفي عاود الهجوم، وشرح بانه يستعرض امام الحكومة فقط ما يفكر به العدو، ولكن حقيقة ان رئيس شعبة الاستخبارات يضع عنوانا يقول ان الفلسطينيين يقاتلون ضد الإرهاب ويقيمون تعاونا امنيا ليست أقل من فضيحة. اليوم، حين تكون لعبة السلطة وذيولها واضحة جدا، فانه يمكن في اقصى الاحوال تبليغ الوزراء بان ابو مازن يلعب لعبة مزدوجة، خطيرة وجسيمة. وانه يشعل اللهيب، يغذي النار وبالتوازي يحاول الابقاء على مظهر التعاون لاسباب
خبيثة. هذا بالضبط ما يفعله محمود عباس وطائفته اليوم، واللواء الذي لا يرى هذا يجب أن يستقيل.
لأسفنا، لا تعكس الحادثة مع رئيس شعبة الاستخبارات إلا طرف مرض طويل المدة، يعاني منه بعض من كبار جنرالاتنا. فقد بدأ هذا عندما طلب شمعون بيرس من رجال المهنة ممن عارضوا هذيانه «ان يغيروا الديسك». وقد نجح التغيير لدرجة أن بعضا من كبار رجال المسؤولين تبنوا فكر أوسلو الهزيل. هكذا من كان في حينه رئيس المخابرات، يعقوب بيري، اصبح صديقا مقربا من المخرب الاصيل جبريل الرجوب، ومنذئذ وهو من كبار المحامين عن عرفات وتلاميذه. ومنذئذ عانى الكثير من كبار رجالات الجهاز من واحدة من الظاهرتين المقلقتين: إما ان يكونوا قد استسلموا للاوهام التي تتوج الفلسطينيين كشريك للسلام أو اصيبوا بالجبن لاغراض الحفاظ على وظائفهم. القليلون نسبيا، مثل عوزي دايان وبوغي يعلون تجرأوا على كشف الحقائق والوقوف ضد المفاهيم الكاذبة.
ان الانقطاع عن الواقع هو ظاهرة شرعية، ولكن عندما يصاب بها من يفترض بهم ان يكونوا الاكثر وعيا ويقظة ـ القيادات الامنية، فان هذه ظاهرة غريبة وخطيرة. لقد سبق ان دفعنا ثمنا باهظا على التشويه الفكري والعقلي الذي تميز به بعض من كبار المسؤولين في المنظومة في الجيل الاخير. روح الاحتواء، النار المضادة، استخدام الروافع والتوازنات، كل هذا كلفنا الكثير من القتلى في حرب لبنان الثانية. فقد تسبب التضليل الذاتي بالاف القتلى منذ أوسلو وفك الارتباط. وكذا في الحملات حيال غزة جبي منا ثمن باهظ بسبب الخصي العقلي الذي اجتازه بعض من القادة. ففي حملة «الجرف الصامد»، فان رئيس الاركان، قائد المنطقة وحتى قائد لواء غولاني كانوا ملزمين بان يستقيلوا عندما صدر الامر بالدخول إلى مخيم جباليا خلافا لكل مبادىء الحرب: بدون قوة فائضة، بدون حيلة، بدون مفاجأة، رغم أن كل الفضائل كانت في جانبنا. وكانت النتائج تتناسب مع ذلك. ليس هناك جنرال سوي العقل في التاريخ كان سيوافق على اقرار مثل هذه العملية، إلا إذا كان قد اجتاز تشويشا عقليا بروح أوسلو.
في بدايات الجيش الاسرائيلي طلب بن غوريون من الضباط الكبار ان يكونوا جيادا مندفعين، وقد أخذ هو على نفسه لجمهم عند الحاجة. وفي هذه الاثناء تغيرت النوازع وأصبح الكثير من الجنرالات سياسيين ودبلوماسيين. فيما أبقونا بلا قيادة أمنية، بلا رؤيا واعية وبلا روح قتالية. وعليه فقد حان الوقت لان نغير مرة اخرى الديسك وننظم السم الفكري لأوسلو من عروق كبار رجالات الجيش. والا فان مصيرنا سيكون كمصير فرنسا في 1940، عندما تحطمت واستسلمت لهتلر بالذات بسبب الانهزامية والخصي الفكري للجنرالات القدامى.
معاريف 4/11/2015
نداف هعتسني