اشتعلت المواقع الاجتماعية من قبل المشاركين العرب، بين فرحٍ ومرتاح ومنزعج ومكسور الخاطر، بين (لايكات) وتغريدات أكثرها مرحبة بالنتيجة، وأخرى تسخر من الفرحين وتصفهم بأنهم مشتاقون لخوازيق العثمانيين في العراق وبلاد الشام وللسفر برلك ولمشانق جمال باشا السفاح في ساحتي البرج والمرجة في بيروت والشام، وكعادتهم انقسم العرب إلى محب غال ومبغض قال.
اعتاد العرب في القرن الأخير أن ينقسموا مع أو ضد قوى أجنبية، مع الدولة العثمانية أم مع الإنكليز والفرنسيين! مع ألمانيا أم مع الحلفاء! ثم مع الاتحاد السوفييتي ومعسكره أم مع أمريكا والغرب! الآن مع روسيا أم مع تركيا والغرب! ولم ينج من هذا التقسيم إلا حقبة المرحوم جمال عبد الناصر، الذي أسس مجموعة دول عدم الانحياز، حيث شعر العرب في الحقبة الناصرية بشخصيتهم القــومية المستقلة تتبلور، وصار قبلة ملايين العرب واعتزازهم ومصدر كبريائهم، وهذا ما حذا بالغرب أن يتخلص منه ومن نهجه الوحدوي بأسرع ما يمكن.
لقد أقبل الأتراك بنسبة زادت عن الثمانين في المئة، وهذا يعني أن الشعب يثق بأن الصندوق هو الحَكم، وأنه ليس وسيلة لتكريس الديكتاتورية ومنحها شرعية شكلية، خصوصا أنه لا توجد عقوبة لمن لا يشترك بالانتخابات! ومقارنة بانتخابات مصر التشريعية الأخيرة نعرف الأهمية والثقة التي يوليها المواطن للصندوق، في كلا البلدين، حيث كادت نسبة المشاركة في مصر أن تكون رمزية.
نعم فرح من فرح لتركيا لأنها تقف بقيادة أردوغان إلى جانب قطاع غزة المحاصر، وتخوض حربا إعلامية شرسة ضد العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني عموما، وبرز هذا الموقف جليا منذ مؤتمر دافوس في سويسرا عام 2009 في آخر يناير، عندما احتج أردوغان على رفع شمعون بيرس لصوته، وطلب وقتا مماثلا من الوقت الذي مُنح لبيريز، وهاجم سياسة إسرائيل العدوانية، ورفض مقارنة أسلحة المقاومة الفلسطينية البدائية بأسلحة الدمار التي تملكها إسرائيل، وطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين الفلسطينيين، وهاجم أولمرت لقطعه الكهرباء والمواد الأساسية عن غزة، وهاجمهم لأنهم يؤخرون المساعدات الإنسانية من الهلال الأحمر التركي على المعابر، وشدد في كلمته في دافوس على أن الديمقراطية يجب أن تعني احترام خيار الشعب الفلسطيني، مشيرا إلى اعتقال برلمانيين فلسطينيين! وأحرج بيريز بقوله «أذكرك أنكم قتلتم أطفالا على شاطئ غزة لم يكن معهم لا صواريخ ولا قنابل»! ثم انسحب محتجا لأنهم لم يمنحوه الوقت الذي منح لبيريز. ولا يقل أهمية عن هذا الموقف استقبال عشرات آلاف الأتراك له عند عودته في مطار استانبول بلافتات «مرحبا بك يا ناصر الضعفاء».
هذا الموقف المثابر ضد العدوان الصهيوني على الفلسطينيين حتى يومنا، يكفي لأن يفرح المواطن العربي العادي لأردوغان وحزبه، بينما ينافق نظام السيسي إسرائيل ويصوت إلى جانبها في محفل دولي، في الوقت الذي يتم فيه إعدام مراهقين ومراهقات فلسطينيين على الشبهة، ويتم اعتقال أطفال أحيانا من أحضان أمهاتهم، وعمليا يعمل نظام السيسي على مساعدة نتنياهو في الخروج من عزلة دولية، ولا يسمح للناس بالخروج من قطاع غزة، إلا للحالات الإنسانية الخاصة جدا وبالقطارة! رغم أن موقفه يتناقض مع موقف الشعب المصري، الذي ممكن أن نرى تعقيباته المساندة المطلقة للفلسطينيين على كل حدث من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وهتافات الجماهير المحبة لفلسطين في ملاعب كرة القدم! وفي الأردن يقمع المتضامنون بالضرب.
فرح معظم العرب لأن في تركيا تعددية حقيقية وديمقراطية إذا ما قورنت مع دول الجوار، بل لا مقارنة بين دولة مثل تركيا مقابل دول مثل سوريا وإيران والسعودية في مجال حرية التعبير والحياة الحزبية، فهي تسبقهم بمسافة شاسعة، ويبدو أن نموذج التعددية يعجب الشعوب العربية وتحلم به كمثال، فهو في تركيا المحاذية لنا والتي تشبهنا في عاداتها وتقاليدها ومعتقدها. الغريب أن الزعلانين من نصر اردوغان وحزبه يذكرون بحماس نماذج الأنظمة الديمقراطية من أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل وغيرها، ولكنهم ينزعجون من النموذج التعددي في تركيا، ويصرون على مناصرة الديكتاتور في دمشق.
ثم ما الذي أغاظ القادة الصهاينة بفوز حزب أردوغان!
عاش نتنياهو وعصابته حلما في الأشهر الأخيرة بأن تتورط تركيا في دوامة عنف مثل غيرها، أن تزداد الأعمال الإرهابية داخلها على النمط الأخير الذي حدث في أنقرة قبيل الانتخابات، والذي راح ضحيته العشرات! نتنياهو وعصابته يحلمون بدمار كل شيء من حولهم، كي يبقوا القوة الوحيدة القادرة على الفعل في المنطقة والجميع يتقي شرها، بل يعتمد عليها في الحفاظ على أمنه وسلطته! يريدون لتركيا مواجهة مع إيران وروسيا على الساحة السورية، كي يكون الدمار أعم وأشمل خصوصا بعدما فشلت محاولة تأليب العالم ضد إيران في الملف النووي لتدميرها.
فرح معظم العرب والمسلمين لتركيا لأن الاتحاد الأوروبي ما زال يرفض عضويتها معه، رغم أفضليتها الكبيرة اقتصاديا على كثير من دول الاتحاد، فتوجهت تركيا لإقامة علاقات احترام متبادل مع الدول العربية والإسلامية يستفيد منها كل الأطراف.
الزعلانون يضربون النموذج العثماني القديم ويذكّرون بخوازيق الجزار قبل قرون ويذكّرون بمشانق جمال باشا ولا يرون الأدهى والأمرّ في سوريا في أيامنا، حيث يُقتل البعض رفسا بالأقدام ودفنا وهم أحياء وتقطع أعناق بمناشير كهربائية، وهناك آلاف ممن تعفنوا وما زالوا يتعفنون في السجون! وهناك من قتلوا بالهراوات والسحل في الشوارع وبوسائل تشبه الخازوق! ولا يرون أن الغارات الروسية وغارات النظام السوري لا تميز بين المعارضين، سواء كانوا داعشيين أم غيرهم، ولا بين مدنيين ومسلحين فكل معارض للنظام هو هدف للقتل! ويصمتون عندما يصل عدد الضحايا إلى بضع مئات خلال أسبوع معظمهم من المدنيين.
فرح معظم العرب لحزب أردوغان، ولا أنكر شعوري بالارتياح مع كثير من المرارة لوضعنا العربي الموجع بل الكارثي، فمتى سنفرح بديمقراطية وتعددية في الوطن العربي بدون شلالات الدماء، ومتى سنحظى بقيادات تحترم دماء شعوبها وتجنّبها الكوارث والويلات؟
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان