عمان ـ «القدس العربي»: انطلاقاً من التساؤلات التي طرحها جبرا إبراهيم جبرا قبل 20 عاماً في مقالاته التي جمعت في كتاب «الفن والفنّان»، شارك عدد من الفنانين في جلسة نقاشية بعنوان «ماذا يعني الفن الآن؟» في دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان.
ضمن الجلسات النقاشيّة حول معرضها «طقوس الإشارات والتحولات (1975 – 1995)» نظمت دارة الفنون هذه الجلسة النقاشيّة، قدّم فيها الفنانون الأردنيون رؤيتهم عمّا يعنيه الفن الآن، ضمن التحوّلات التي تجري من حولنا وهم: خلدون حجازين، رائد إبراهيم، جهاد العامري، عدنان يحيى. وقدمها: فيصل درّاج، فيما أدار الجلسة أحمد الزعتري.
في البداية أكد فيصل دراج على أن جبرا إبراهيم جبرا مارس فنه بأشكال مختلفة. يقول بيكاسو «فنان يريد أن يضع كتاباً في فلسفة الفن. لا ضرورة لذلك لأن فلسفته تقوم في أعماله الفنية»، وهذا ما كان عليه جبرا، الذي عده دراج من الفنانين الذين تطلعوا دائماً إلى المطلق عن طريق الفن. وقال دراج إن جبرا كان رومانسياً متطرفاً، وقد استمد هذه الرومانسية من الشعراء الإنكليز على وجه الخصوص، وحمل أفكارهم وأضاف إليها نزوعه الديني، حتى وصل في رومانسيته إلى نوع خاص به. كما كان جبرا ينظر إلى الفنان بوصفه كائناً متمرداً، وكائناً خالقا يحركه الإلهام والوحي، ويلازمه السرّ الذي يجعله كائناً واضحاً وغير واضح. وأوضح دراج أن جبرا كان يرى أنه «لا فن بلا حرية، ولا فن من دون ذاتية خاصة تختلف عن الناس»، وهذه الذاتية هي ما تجعله يختلف عن الناس.
من جانبه أوضح الفنان عدنان يحيى أن الفنان لا بد أن يرتبط عمله برسالة تعبر عن وجهة نظره، وأن اللوحة الناجحة هي اللوحة المثقفة التي يستمر وجودها حتى بعد رحيل الفنان، وهنا تبرز قدرة الفنان على تجاوز الزمن. وتحدث يحيى عن التراث مشيراً إلى أن العمارة كانت أجمل تعبير عن التراث، من خلال إبراز الحرف العربي تعبيرياً، مؤكداً أن هناك من الخطوط العربية كالديواني والثلث ما يخرج هدفه عن إطار القراءة ليحقق بعداً جمالياً هدفه التزيين.
أما في ما يخص حداثة اللوحة، فقال يحيى إن الحداثة عبارة عن معركة أفكار تنشأ في نمط الإنتاج الفني، مضيفاً «التكنولوجيا وتطورات النظريات النقدية الفنية الحديثة وتعدد التقنيات عوامل ساعدت جميعها في بلورة الحداثة». وأشار إلى أن الحداثة لم تعد محددة بموضوع معين كالموضوع الديني قديماً، بل منحت الفنان حرية أكبر للتعبير عن قضايا سياسية واجتماعية وحتى اقتصادية.
ورأى جهاد العامري أن على الفنان أن يلمس القضايا الكبرى بطريقة تبتعد عن المحاكاة وتقترب من الفعل الجمالي. وقال إن الفنان العربي رفض المنظومة الفكرية الفنية الأوروبية التي أخذ منها أدوات الفن، واتجه الفنان العربي نحو الذاتية والهم الجمعي ومثّل هذه الأحداث لكن على حساب الفن الجمالي، وأن هناك من الفنانين من اتجه نحو خامات مبتكرة كتراب فلسطين أو الجلود.. وجاء كل ذلك بهدف مقاومة المنظومة الفنية الأوروبية.
واستعرض العامري مجموعة من أعماله الفنية، ومنها «حقل» الذي كان عبارة عن محاكاة لحقول الأغوار التي شهدت طفولته، كما أدخل عليها مفردات تتعلق بالحيوانات وغناء الحصادين والفلاحين في مواسم الحصاد، أما عمله «سكك الحديد» فأنجزه خلال إقامة فنية في سويسرا، وفيه قارب بين تشابك خطوط سكة الحديد وأغصان الأشجار، وفي «لوركا والبياتي» المشروع الذي أنجزه العامري بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، اتكأ على قصائد للشاعرين لإنتاج عمل فني، وتحدث الفنان عن عمله «خيط» المستوحى مما كان يقوم به الفلاحون قديماً من صنع قطع جديدة باستخدام قصاصات قماش من قطع قديمة، رأى العامري أنها كانت تنطوي على كولاج فني جمالي.
أما الفنان خلدون حجازين فتحدث عن أهمية تجسير الهوة بين الفنان والجمهور، مشيراً إلى أن أسمى حالات الفن تتمثل في ثلاثة عناصر: القيمة الفكرية، والقيمة الجمالية، والقيمة الوجدانية والعاطفية. واستعرض حجازين مراحل تطور الفن، حيث كانت الصورة قديماً أداة للتوثيق والتبشير، ثم عندما اكتشفت تقنية التصوير الفوتوغرافي سُلب من اللوحة جزء من عملها، وعندما صنعت الصورة المتحركة سلبت اللوحة جزءاً آخر من حضورها ودورها، لكن حجازين رأى أن في تعدد الاكتشافات وتطورات الصورة قيمة إيجابية حررت الفنان من عبء التوثيق أو نقل الواقع كما هو، وفتحت أمامه آفاقاً تعبيرية أكبر. واستعرض حجازين أعماله التي جاءت وفق تقنيات فنية وتعبيرية متنوعة، حاول من خلالها أن يعبر عن مفهوم الثقافة الأمريكية وتأثيرها علينا كعرب.
فيما اكتفى الفنان رائد إبراهيم بطرح مجموعة من الأسئلة حول الفجوة الموجودة بين الفنان الحديث والفنان قديماً، وكيف السبيل إلى تجسيرها والخروج من إطارها.
آية الخوالدة