القاهرة ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «الموسيقى وشعر الفصحى» عقدت ندوة خاصة ضمن فعاليات مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، الذي يقام سنوياً وتنظمه دار الأوبرا المصرية، تحدث فيها من مصر أحمد يوسف أستاذ الموسيقى، الذي أكد في الورقة البحثية، التي عرضها خلال الندوة على تنوع الموسيقى العربية وألحانها ومقاماتها وأساليب وطرق تأديتها، لكنها تختلف في تناولها من ملحن لآخر، سواء في التقنيات أو في التعبير الموسيقي، وأرجع ذلك إلى وفرة المقامات الموسيقية التي تصل إلى خمسين مقاماً، بالإضافة إلى الإيقاعات والضروب التي تقدر بالعشرات، ما جعل الفرصة أكبر أمام الموسيقيين للتعامل مع الأدوات بشكل من الثراء والتنوع، واستشهد ببعض تجارب عدد من الملحنين الذين أعادوا تلحين أعمال غنائية سبق تلحينها، ربما لعدم انتشار اللحن الأول، كما في قصيدة «الأطلال» حين أعاد رياض السنباطي تلحينها لأم كلثوم، بعد أن لحنها محمد فوزي لنجاة، أو اضطرارياً مثلما لحن محمود الشريف قصيدة «أنا أنطونيو» لكارم محمود، بعد أن لحنها محمد عبد الوهاب، ويضيف الطويل أن القصيدة وردت ضمن أحداث مسلسل تلفزيوني، ولحنها أحمد صدقي في الثمانينيات، على الرغم من أن الملحن محمد القصبجي قدمها خلال فترة الثلاثينيات.
وأوضح أن تناوب أغنيتين مختلفتين لنص شعري واحد، حيث تظهر إحداهما فترة، بينما تغيب في الفترة التي يطفو فيها اللحن الآخر على السطح، كل هذا حسب ظروف فترة انتشار كل منهما، مثل أغنية «أضحي التنائي» بلحني أحمد صبري النجريدي وزكريا أحمد، وأغنية «أتوب وارجع» بلحني الكحلاوي ومحمود الشريف، ويشير إلى أن بعض الملحنين يتجهون أحياناً إلى تلحين مقاطع تراثية أو شعبية، بحيث يتناولها كل منهم بطريقته، كما حدث مع فريد الأطرش ومنير مراد، عندما لحن كل منهما أغنية «أكلك منين يا بطة»، وكذلك في الأغنيات الشعبية التي تسود بين الجمهور وتتناقل بين الناس، وقد تعاد صياغة لحن في أحداث درامية تتعلق بطرق التلحين المختلفة، يراد عرضها درامياً في أكثر من مدرسة لحنية، كما حدث في قصيدة «قولي لطيفك ينثي» لزكريا أحمد و»طاير يا حمام» لأحمد صدقي، إذ لحنت ثلاث مرات.
ويؤكد أحمد يوسف أن هذه النماذج تعد إحدى الدلائل على تنوع أساليب التلحين في الموسيقى العربية، وتنم عن اختلاف الأذواق، وقد ساعد على ذلك اختلاف ثقافات الملحنين وتعدد مصادرهم التعليمية وتأثرهم ببعضهم بعضا وانتمائهم إلى مدارس بعينها، ويرى أنه قد تحدث بين الملحنين اتفاقات في عدة عناصر لنص غنائي واحد، مثل الإيقاع والضرب، إذ يفرض عليهما البحر الشعري الذي صاغ عليه الشاعر قصيدته، الالتزام بتقطيع معين للكلمات.
ويشير إلى أن بعض الألحان الوطنية تتشابه في التناول الدرامي اللحني ومن ثم الإيقاع، حيث يقوم الملحنون بصياغة لحنيه في ميزان واحد، كما في أغنية «حماة الحمى» التي جاءت في ميزان ثنائي وعلى إيقاع المارش، عند كل من زكريا أحمد وأحمد عبد الحليم، وفرضت مناسبة التأليف الشعري حالتها على التلحين فجاء اللحنان متشابهين في الحالة الانفعالية.
ويوضح أن قصيدة «ليت للبراق عيناً» لكل من الملحن محمد القصبجي وأحمد صدقي أثير حولها الكثير من الجدل خلال فترة الستينيات، حول نسبة اللحن الأول إلى إما لمحمد القصبجي أو لبهيجة حافظ، ولم يستدل حتى الآن إلى نسب القصيدة، حيث ظل الباحثون يختلفون بين أربعة، وهم «ليلي العفيفة» أو «ليلي الأخيلية» أو «حسين حلمي المانسترلي» أو «من الشعر القديم»، وأشاروا إلى تشابه ظروف تقديم القصيدة في الحالتين حيث قدمت للمرة الأولى ضمن أحداث فيلمي «ليلي بنت الصحراء» و»ليلي البدوية». اما المرة الثانية فقدمت في مسلسل تلفزيوني تحت عنوان «ليلي العفيفة»، مؤكداً أن كلا الملحنين لم يخرجا عن الخط الذي فرضته دراما الشعر، لذلك جاء اللحنان متقاربين واتفقا في عدة عناصر واختلفا في أخرى، حيث كانت مباراة فنية بين المطربين من أجيال مختلفة، قام بغنائها كل من حياة محمد وإبراهيم حمودة وأسمهان وسوزان عطية وزينب يونس.
«التأثير المتبادل بين الصياغة الشعرية والصياغة الموسيقية في الأغنية العربية، الأغنية الفلسطينية عند الشاعرة فدوى طوقان نموذجاً»، قدم خليفة محمد جاد الله ورقه بحثية أخرى، أشار فيها إلى أنه في فلسطين هناك عدد كبير من الشعراء البارزين الذين تم تلحين عدد من قصائدهم، أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وسالم جبران وإميل حبيبي والشاعرة فدوى طوقان، وأكد على عمق انفتاح الشعر العربي الحديث على العديد من الفنون منها الموسيقى، حيث أن العلاقة بين الشعر والفن قديمة لكن العصر الحديث وضع الشعر في قلب الفنون.
ويوضح خليفة أن الشاعرة الراحلة فدوى طوقان كتبت الشعر من قلب بيئة محافظة، حيث كانت تعيش في مدينة نابلس، وراء أسوار بيت عريق يعتنق التقاليد الصارمة التي كان يقيد حرية النساء في ممارسة الفنون، وأشار إلى أنها عاشت على مدار ثلاثة عقود تحت الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، رغم ذلك حصلت على مكانة متميزة بسبب تأثيرها في حركة تطور الشعر العربي الحديث، رغم أن تجربتها تبدلت وتحولت وتقدمت تارة وسكنت وارتدت طوراً، ويضيف أن فدوى عاشت مرحلة شائكة من حياة الشعر العربي، حيث يستشهد بتحليل الكاتبة سلمى الخضراء الجيوسي، التي وضعت تجربة طوقان في سياقها، حيث شهدت فترة الخمسينيات والستينيات قيام الكثير من الفلسطينيين بدور ناشط في خلق شعر طليعي ونقد شعري، ولكن لم يبق منهم سوى فدوى طوقان، التي استطاعت خلال السنوات اللاحقة مواصلة كتابة أشعار تتميز بجزالة غير متوقعة وصدق عاطفي في معقل مدينة نابلس، حيث ولدت وتربت، ولكن وجهة نظرها لم تكن في ذلك الوقت من الشمولية ولا دراستها من التمكن بحيث يعينها على القيام بدور رائد في التغيرات العامة في الرؤية والأسلوب التي كان عليها الشعر العربي.
ويؤكد خليفة محمد جاد الله، على أن هناك تأثيرا متبادلا بين الصياغة الشعرية والصياغة الموسيقية عند الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان في القصائد التي تم تلحينها، فالمرحلة الأولى من كتاباتها نسجت على منوال الشعر العمودي، حيث ظهر ذلك جلياً في ديواني «وحدي مع الأيام» و»وجدتها» وشعرها اتسم بالنزعة الرومانسية، وفي المرحلة الثانية اتسمت أشعارها بالرمزية والواقعية وغلبة الشعر الحر وتتضح هذه السمات في ديوانيها «أمام الباب المغلق» و»الليل والفرسان»، حيث بدأت فدوى مع القصيدة التقليدية العمودية لتقتنع بعدها بقصيدة التفعيلة، مشيرة إلى أنها تعطي للشعر فسحة ومجالاً أكثر كما تقول إن القصيدة التفعيلة سهلت وجود شعر المسرح.
ويختم أن الموسيقى حاولت أن تصور الكلام بطريقة معهودة وكأن الكلمة والموسيقى متلازمتان، حيث اتفق مع ما تطمح إليه الشاعرة من تنوع، حيث يتنوع أسلوب الشاعرة في القصيدة بين الخبر والإنشاء، فمعظم ألفاظ القصيدة تنتمي إلى القاموس الشعري الموسيقي الرومانسي، لتمنح القصيدة حيوية موسيقية، كما أن استعمال ألفاظ مكررة تنوع في القوافي المتتابعة، من القصائد التي تم تلحينها للشاعرة فدوى طوقان، «يا قلعة الصمود والعرفان» للملحن فواز البسطامي، وقصيدة «الريح» من تلحين غاوي غاوي، وقصيدة «صفوف دروسنا بيدر» تلحين خالد صدوق.
من الأردن قدم محمد زهدي الطشلي خلال الندوة بحثا بعنوان «تأثير الصياغة الشعرية الفصحى على الصياغة الموسيقية في الغناء الأردني»، قال إن الأغنية الأردنية مرت بعدة مراحل من التطور، حيث بدأ فنانو الغناء الأردني في ستينيات القرن الماضي بكتابة وتلحين أغنياتهم الخاصة، التي تقاربت في جملها وبنيتها اللحنية ونصوصها الشعرية مع الأغنية الأردنية التراثية الشعبية، ومع اهتمام الدولة بالعمل الثقافي يشير إلى أن فترة السبعينيات شهدت ظهور جيل جديد أسهم في الأغنية الأردنية الإبداعية، التي كتبها ولحنها فنانون أردنيون من إبداعهم الشخصي، ولا ينفي هذا قيام بعض الملحنين باقتباس بسيط لبعض الجمل اللحنية للأغنية التراثية الشعبية وتقديمها بشكل متطور، بينما حاز شعر الفصحى على اهتمام الفنانين الأردنيين وأثر ذلك في تطور البناء اللحني والتراكيب الإيقاعية والمضامين الشعرية وطريقة أداء الأغنية الأردنية.
يوضح الطشلي أن الأغاني الأردنية اتسمت باهتمام الكتاب والملحنين بقضايا عديدة من أهمها إبراز الحماس والجيش ووصف المرأة العربية والتغزل بها، ووصف البيئة الأردنية وجماليتها، وجاءت تلك الأغاني بصورة متنوعة لقالب «الطقطوقة» الذي اعتمدت ألحانها على التسلسل النغمي واستخدام التحويلات المقامية، بالإضافة إلى اقتصارها على الأداء فرديا والتناوب مع مجموعة من الرديدة، وكانت الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب تعتمد على الآلات الشعبية مثل، الربابة والشبابة وآلات التخت الموسيقي العربي الأصيل وآلة الكمان، ويضيف أن تاثر المجتمع الأردني بالأغنية المصرية والسورية واللبنانية، أدى إلى ظهور جيل جديد أخذ قالب القصيدة في الأردن سمات القصيدة في الوطن العربي، من حيث التنوع والثراء في الألحان والجمل الموسيقية واتساع المساحة الصوتية للحن، وظهور المقدمات والفواصل الموسيقية والتنوع في الانتقالات المقامية والتحويلات النغمية وتوظيف جزء مهم من علم الهارمونية في التوزيع الموسيقي، وظهور الفرق الموسيقية الكبيرة وتوظيف آلات غربية، والتنوع في المضامين الوطنية واتساع دور الكورال، ويعد من أهم رواد هذه المرحلة كل من علي عبيد الساعي وحيدر محمود وسليمان المشيني وعبد المنعم رفاعي، حيث أبدعوا في صياغة النصوص الشعرية، ومن أبرز الملحنين برزت اسماء مثل، جميل العاص وإميل حداد.
وينهي محمد زهدي الطشلي بالقول، إن الصياغة اللحنية للتقطيع اللحني الإيقاعي الداخلي تطور بحيث أصبح مناسباً للتقطيع العروضي للشعر ومعبراً عنه، كما تطور أداء المطرب في الأغنية الأردنية التي جاءت في قالب القصيدة، بحيث أصبح الأداء يزخر بالزخارف اللحنية لإبراز الإمكانيات الصوتية والتطريب للتعبير عن معاني الكلمات والبناء اللغوي وتقطيعها العروضي، فالتنوع والثراء في الانتقالات المقامية والتحويلات النغمية من أبرز التطورات التي شهدتها أيضاً الأغنية الأردنية، خاصة توظيف علم الهارمونية الذي لم يكن موجود من قبل في الأغنية الأردنية قبل دخول قالب القصيدة.
رانيا يوسف