«رجاء… لا تتكلم عن الضواحي»

في الثاني من شهر أكتوبر 2012، يندلع شجار عنيف بين الشابين ويلفريد وآبو. موضوع الشجار- ونرجو المعذرة عن هذا القول – من أكثر المواضيع ابتذالا: فتاة. يتبادل الشابان الضربات ثم يفترقان، ثم يعودان إلى المواجهة من جديد، مصحوبين بزمرة من الأصدقاء. يتلقّى صديق لآبو ضربة قوية من جرائها ينزف دما. يدعو صديق آبو اخاه، وهو عسكري، ليخوض بدوره غمار المواجهة فيؤم «حلبة الصراع» مصحوبا بزمرة جديدة من الأصدقاء. تنهال المجموعة حديثة التكوين على ويلفريد بالضرب المبرح فيهرع أخوه كيفين، الرياضي جدا، لنجدته، ومعه هو أيضا مجموعة من الأصدقاء. تتوقف مجموعة آبو عن خوض المعركة لهنيهات متوعدة بالعودة. دقائق معدودات تمضي ليتحول الوعيد إلى وعد، وقد لباه أصحابه لتخوض مجموعة آبو في تصفية حساب ويلفريد ومعه هذه المرة صديقاه سفيان وبنيامين. يتمكن ويلفريد من الفرار بينما ينقضّ ستة أشخاص على سفيان فجأة لينهالوا عليه بسيل من الضربات المتتابعة…
ليس بالأيدي، ليس باللكمات، وإنما بدقات مطرقة…
يهب بنيامين لنجدة سفيان مما يعني أن دوره جاء لينال جزاءه من الضربات هو الآخر فيتلقاها قبل أن يتمكن من الفرار. يحاول كفين انتشال سفيان من مجموعة المجرمين التي تحيط به من كل ناحية لكن بلا جدوى فيستنجد هاربا. سفيان طريح الأرض. بعد قليل، سيتلقى 31 ضربة سكين، قبل أن تمرّر عليه، تمرّر عليه نعم، دراجة نارية من طراز سكوتر لتسحقه سحقا.
المشهد لم ينته بعد. بقي كيفين، الذي تجرأ على مجابهة العصابة في محاولة إخراج جسد صديقه الآيل إلى جثة، قبل أن يتحول إليها فعلا. صارت العصابة الآن تطارد كيفن «الفار» على وجه السرعة فما تكاد تعبر مسافة ستين مترا حتى تقبض عليه لتلقيه أرضا فتشبعه 8 طعنات سكين وسط ركلات لا متناهية . يلقى كيفن حتفه في طريقه إلى المستشفى أما سفيان، فتوافيه منيته غداة ذلك اليوم الشنيع. أما عصابة المجرمين، فقيد المحاكمة حاليا.
هذه أصعب سطور كتبتها منذ بدء مسيرتي الكتابية في هذا العمود، أصعبها بلا منازع. لم كتبتها؟
كتبتها لأني سئمت الذكريات التخليدية الزهيدة التي لا تنفك وسائل إعلامنا في فرنسا تنظمها بخصوص ما اصطلح على تسميته «بأحداث الضواحي». سئمت من وسائل إعلامنا التي لا تفتأ تتدثر بميدعة الطبيب لتأتي في وقت «العلاج» لا زمن الوقاية أبدا. سئمت من وسائل إعلامنا الوطنية الفرنسية التي لا تكرس من «الحياة» الاقتصادية في الضواحي سوى تجارة المخدرات. يئست من انتقائية رؤساء التحرير الذين يتوقفون عند أشنع الأحداث – كما فعلت أنا فعلا، لكن لأنقل النقيض بعد حين- فيغمضون الطرف عمدا عن حياة الضواحي بما تحمله الكلمة من قلب نابض بالمبادرة. لقد حان وقت مراجعة الحسابات الإعلامية على عجل لنتكلم عن النقيض. والنقيض متعدد الألقاب نذكر منها الاستثمارات، نذكر منها الشركات المتوسطة والصغرى، نذكر الجمعيات المدعوة فرنسيا بـ»دور الحومة»…
ألم يحن أوان إرسال فرق العمل الإعلامية إلى هذه المؤسسات الصغرى التي «تمسكنت فتمكّنت» في الضواحي فصارت نماذج من المبادرة الفردية والجماعية؟ فهاكم شركة لمساعدة الأفراد تأسست في منطقة «لورانسي»، وهاكم شركة «أتا» للتاكسيات الجماعية أسسها الفرنسي من أصل مغربي عزيز سني في»مانت لا جولي» فلقيت نجاحا انضمت على أثره الشركة إلى الشبكة الوطنية للتاكسيات الفرنسية، فصارت تقل العشرات من المسافرين من مطارات باريس إلى قلب العاصمة. وماذا عن شركة الكهرباء العامة في مدينة «سونون» التي يصرح مديرها مصطفى يلديز أن التشغيل فيها «يجب أن ينطلق من أبناء الحومة» وهو ما تم فعلا فحققت الشركة 600000 يورو أرباحا صافية بعد مجرد ثلاث سنوات على تأسيسها… لماذا تظل هذه المعلومات حبيسة صفــــحات الجــــرائد المتخصصة؟ لماذا لا تتعدى حدود القنوات المدعوة بالموضوعاتية فلا ينالها في النهاية سوى من هم على دراية مسبقة بالموضوع ؟
«لا تتكلم عن الضواحي… رجاء… لا تتكلم عنها إلا استثناء». هذه هي التعليمات التي يتلقاها الصحافيون في غرف أخبار قنواتنا الوطنية. تعليمات تطبيق الرقابة لا أقل ولا أكثر. فالرقابة موجودة في فرنسا، بطريقة قد نراها أقل مباشرة وأكثر دهاء مراوغة من مثيلتها في بلدان أخرى، لكنها موجودة. أما الاستثناء فوارد وإلا ليس استثناء … وفي شأن الضواحي هو السبق الصحافي، ذو المضمون المشابه للجزء الأول من هذا المقال مثلا…
طالما ستظل صحافتنا حبيسة قيود الرقابة التي هي قبل كل شيء ذاتية، ستكون صحافتنا صحافة مضادة للحيوية. وطالما الحالة هذه، سنظل نتداوى بالتي كانت هي الداء…

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية