لم يكن سقوط الطائرة المدنية الروسية فوق سيناء يحتاج إلى مساهمة أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم لمعرفة أن «شيئاً ما غير طبيعي» قد حصل وأدى إلى تلك الكارثة.
ولم تفعل التأكيدات المتكررة التي تنفي أي دور لتنظيم «الدولة الإسلامية» في الكارثة أو ترفض ربط الحادثة بالتدخل العسكري الروسي في سوريا، أو التي تؤجل الأمر إلى ما بعد فحص الصندوقين الأسودين، ثم إلى شهور أو سنوات لإجراء التحقيقات اللازمة، غير تأكيد أمر شديد الوضوح وهو أن هناك «فيلاً في الغرفة» (على حد التعبير العالمي عن حدث لا يمكن إخفاؤه) وأن التصريحات المصرية والروسية لا تفعل غير الإشارة إلى وجود أمر جلل في الوقت الذي تنفيه وتكرره.
وحتى بعد التصريحات الرسمية البريطانية والأمريكية بوجود احتمال كبير بأن يكون تنظيم «الدولة الإسلامية» هو من أسقط الطائرة الروسية بعبوة ناسفة، وإيقاف لندن رحلاتها الجوية من شرم الشيخ ما زلنا نسمع موسكو تقول إن المعلومات عن تحطم الطائرة «ليست إلا تكهنات»، فيما يؤكد وزير الطيران المدني المصري أن فرضية تفجير الطائرة الروسية لا تستند إلى «شواهد أو بيانات»، وكأننا نتحدث عن رحلة فضائية إلى العالم الخارجي وليس إلى منطقة تعج بالمعارك والتداخلات السياسية والعسكرية القاتلة، التي تجعل من كل ما يحصل فيها قابلاً للتأويل السياسي والتفسير والربط بأحداث العالم.
ومن الطريف أن يجيء ذلك من روسيا ومصر بالذات، فكلا البلدين ملآ وسائل الإعلام العربية والدولية صياحاً حول مخاطر الإرهاب العالمي، وساهما في تصوير «الدولة الإسلامية» وشقيقاتها باعتبارها خطراً لا يوازيه خطر آخر في العالم، وأن يد التنظيم الطائلة تصل إلى كل مكان، بما فيها حدود روسيا وداخلها، وكان اتهام هذا التنظيم بأي عمل معارض لسلطات مصر، على سبيل المثال، حتى لو كان مظاهرات أو تحركات تقوم بها جماعات أخرى، هو «العملة الصعبة» المفضلة التداول، ولكنّ فجأة، ومع سقوط الطائرة، حلّت الحكمة والهدوء والالتزام بإجراءات التحقيق الطويلة على سلطات البلدين، بدل عادتهما في المسارعة إلى الاتهام والانتقام.
تحفل قضية سقوط الطائرة الروسية بالكثير من المفارقات والمقارنات المزعجة، ليس لمصر وروسيا وحدهما، بل للعالم كله، فهي تذكر بفاجعة الطائرة الماليزية MH17 التي أسقطها صاروخ فوق أوكرانيا والتي أكدت لجنة التحقيق الدولية مسؤولية مسلحين مدعومين من روسيا (وبالتالي الكرملين نفسه) عنها.
هذه المقارنة تكشف مسؤولية روسيا أخلاقياً عن سقوط الطائرتين، فليس هناك إرهاب حميد وإرهاب خبيث: كلاهما إرهاب، وكلاهما أدّى إلى ضحايا مدنيين لا علاقة لهم بسياسات الطرفين المتنازعين، كما أنها تكشف لجوء موسكو المستمر لاستخدام أكاذيب مفبركة، وهو ما اضطر الاتحاد الأوروبي مؤخرا لإنشاء جهاز إعلامي للرد على ما سماه «التضليل الروسي».
روسيا التي رفضت التحقيق الدولي حول الطائرة الماليزية حين لم يتناسب مع مقاييسها فوجئت بوجود عشرات الأدلة الأخرى التي جمعها صحافيون متمرسون من وسائل التواصل الاجتماعي عن أكاذيب تقنية استخدمتها لتركيب «التهمة» على الحكومة الأوكرانية ومنها مقابلة مدعاة مع موظف اتصالات اسباني زعمت محطة روسية أنه يعمل في مطار كييف مع فيلم يظهر طائرة مقاتلة أوكرانية تقصف الطائرة المدنية الماليزية، ثم، حين انفرطت القصة، عرض صور «ستالايت» تم التلاعب من خلالها بمركز انطلاق الصاروخ.
التبرير الذي قد نجده لسلوك حكومة القاهرة هو كونها مشغولة بالمحافظة على السياحة العالمية في مصر (كما أنها لا تريد تحمّل مسؤولية قانونية أمام شركة الطيران الروسية لو تأكد سيناريو العمل الإرهابي في أراضيها)، وهو أمر يتناقض جذرياً مع تسويقها للعالم لقدرتها على لعب دور كبير في محاربة الإرهاب، لا في مصر وحدها، بل في ليبيا والمنطقة العربية ككل.
هدم البيوت وإغراق حدود رفح بمياه البحر وحصار الفلسطينيين في غزة والمحاولة المستحيلة لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين، كلها عوامل توتر واحتقان وغضب وتدمير للنسيج الاجتماعي والسياسي، تضرب الاستقرار المصري، وهو وحده الذي يضمن مستقبل البلاد، وليس السياحة فحسب.
رأي القدس