لماذا تم التراجع عن اعتبار جماعة الإخوان في مصر جماعة إرهابية؟

حجم الخط
2

في ظني مخطئ من يظن أن ما يسمى بالقضاء المصري يعمل، وبخاصة منذ الانقلاب العسكري، بحرية واستقلالية وبآليات داخلية ذاتية وباتباع للقوانين والأنظمة، فهو يتحرك بشكل شبه كلي بتوجيهات مباشرة من الجهات أو الشخصيات المتنفذة الممثلة للانقلاب، وعلى رأسها السيسي. ومن ثم، فإن قرار محكمة النقض المصرية بإسقاط قرار الحكومة باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، لا يرجع على الأغلب إلى خطأ قضائي، قيل إنه ارتكبه النائب العام السابق، الذي انتقل إلى العالم الآخر، وبات بإمكان العصبة الانقلابية الاستفادة من غيابه وتحميله مسؤولية أخطاء كثيرة، دون أن يجد من يدافع عنه أو يدقق في حقيقة مسؤوليته عن تلك الأخطاء.
أقول إن ذلك القرار لا يرجع إلى الرغبة في تصحيح خطأ قضائي مزعوم، بل يعود على الأرجح إلى توجه جديد متصاعد لدى سدنة الانقلاب، ربما فرضته الضرورة والضغوط الخارجية، قوامه التخفيف من حدة التهجم على الإخوان، والتراجع عن أحكام الإعدام بحق زعاماتهم، ربما خوفا من عدم احتمال كلفة المضي قدما على طريق تصفيتهم، بحيث يغدو التذرع بحدوث خطأ في إجراءات القضاء، الذي فقد على كل حال مصداقيته وموثوقيته منذ الانقلاب، ولم يعد أحد يأخذ أحكامه على محمل الجد، أقل كلفة بكثير من إعدامهم، الذي قد يفضي إلى اشتعال ثورة داخلية عنيفة ضد السيسي وزمرته، وإلى انفضاض كثير من الداعمين الخارجيين عنه.
السيسي شخص متواضع الذكاء محدود الأفق، وإن كان يتمتع بموهبة تمثيلية مميزة مكنته من الضحك على ذقون الإخوان وإيهامهم أنه في صفهم حتى أيام قليلة سبقت انقلابه عليهم. ولكنه بات يدرك دون شك، ربما بتوجيه من القوى الداعمة التي تقف خلفه، أن من المحال القضاء على الإخوان وإبعادهم عن المشهد السياسي تماما، كما كان يأمل أو يخطط. لذلك رأيناه يعلن في مقابلته الأخيرة مع محطة البي بي سي البريطانية «أن الإخوان جزء من النسيج المصري، وأن أحكام الإعدام لن تنفذ». ولذلك أيضا فإنه لن يجد بدا من السعي إلى مصالحتهم، ولو بعد حين، وذلك يتطلب تغيير الصورة الذهنية السوداء التي رسمها هو وإعلامه عنهم.
وهذا ليس بالأمر المستحيل أو الصعب، وإن كان يتطلب بعض الوقت. فإعلام عبد الناصر عمل أيضا على شيطنة الإخوان وإلصاق كل التهم والرذائل الممكنة بهم، ولكنه أخفق كل الإخفاق في تسويد صحيفتهم وإقناع الناس بافتراءاته، حيث ظل الإخوان يتمتعون بسمعة طيبة عطرة في الشارع المصري، وإلا لما كنا نراهم يكتسحون أغلبية المقاعد في كل انتخابات يدخلونها تتسم بدرجة معقولة من النزاهة والحرية.
لكن المشكلة لا تكمن في السيسي إذا أردتم الحق، فهو سيحاول الصلح مع الإخوان صاغرا، عاجلا أم آجلا. غير أنها تكمن في الإخوان أنفسهم، وفي موقفهم من سعي النظام الانقلابي للتصالح معهم. السيسي لا يقل عن عبد الناصر من حيث الجوهر كراهية للإخوان وتنكيلا بهم، ولكنهم مع ذلك تعايشوا مع حكمه، وغضوا الطرف عن الجـرائم التـي ارتكـبها بحـقهم. وأرى أنهم سيكررون في نهاية المطاف الأمر نفسه، فيقبلون بالصلح مع السيسي ونظامه، لقاء بعض التعويضات ورد الاعتبار، ومقابل الاعتراف بهم وإعادتهم إلى الحلبة السياسية والاجتماعية وفق توازنات وحسابات جديدة. والواقع إنهم لا يملكون غير ذلك الخيار فيما يبدو، أو ليس بمقدورهم، تبعا لنهجهم السلمي المتجذر الذي يتشبثون به، تبني غيره. إذ لا يمكن أن يظلوا صامدين إلى الأبد على حالتهم الراهنة، الأقرب إلى العبثية، بانتظار حدوث معجزة وسقوط النظام الانقلابي من تلقاء نفسه.
أكاد أجزم أن الإخوان يودون الصلح أيضا، ولكنهم يريدون حفظ ماء وجوههم، والحصول على عرض يضمن لهم ذلك. وأظنهم سيحصلون عليه في آخر المآل، دون أن يعني ذلك تمكنهم من إعادة الرئيس مرسي إلى الحكم كما يطالبون حتى الآن. فقبولهم بالصلح، حتى ضمن تسوية ترد إليهم الكثيرمن اعتبارهم، سيفرض عليهم تقديم تنازلات جوهرية، تتعارض مع الشعارات التي يرفعونها الآن. ولكن هذه هي السياسة، ومن يود أن يدخل لعبتها، فإنه سيجد نفسه مضطرا إلى المساومة والتفاوض والتنازل، وإلا حكم على نفسه بالإقصاء، أو الإبادة أو حتى الانتحار.
ليس هذه دعوة مني بكل تأكيد إلى قبول الصلح مع النظام الانقلابي، فالصلح سيعني إعطاء الشرعية للنظام الانقلابي والتفريط الحتمي بالقصاص لأرواح الشهداء وإلقاء كل التضحيات في سلة المهملات. لكنها تحليل للوضع القائم، وآمل، أكاد أثق أنه سيخيب، في أن يقود الإخوان ثورة جديدة حقيقية، لا تنتهي، مهما بلغت التضحيات وارتفع الثمن، إلا بتخليص مصر جذريا وجديا من الحكم الدكتاتوري الذي يهيمن عليها منذ عقود، الذي جعلها تحتل ذيل القوائم العالمية تقريبا في كل المجالات!

د. خالد سليمان
أكاديمي عربي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية