ثقافة الاستهلاك أم خرافة التطرف؟

في مثل هذا الشهر من عام 1965 فاز الكاتب الشاب جورج بيريك بجائزة رونودو، ثانية المكافآت الأدبية الفرنسية. كانت «الأشياء» أول رواية تنشر له وهو بعد في التاسعة والعشرين من العمر. كتبها وأعاد كتابتها أربع مرات في مدينة صفاقس التونسية، حيث أقام في شقة متواضعة تتألف من حجرتين لم يكن فيهما سوى فراش ومائدة وآلة راقنة. أما «الريح فقد كانت تأتي بالروائح المنبعثة من منشأة لتكرير النفط». ومن مصادفات العنوان المشفوعة بمصادفات المكان أن «الأشياء» صدرت قبل عام واحد من نشر الباحث الفلسفي ميشيل فوكو كتابه الشهير «الكلمات والأشياء: حفريات العلوم الإنسانية»، وذلك قبل شهرين من بدء الفترة التي أمضاها أستاذا جامعيا في تونس.
ومعروف أن فوكو كان يعتزم في الأصل تسمية الكتاب «نظام الأشياء»، ولكنه عدّل العنوان استجابة لرغبة ناشره المؤرخ بيار نورا الذي أنشأ عام 1966 سلسلة «مكتبة العلوم الإنسانية» (التي صدرت في إطارها كلاسيكيات من طراز «مراحل الفكر السوسيولوجي» للمفكر السياسي ريمون آرون) في حضن دار غاليمار للنشر.
كما أن فوكو ألف أثناء إقامته في تونس من خريف 1966 حتى صيف 1968 الكتاب المتمم لـ»الكلمات والأشياء»، أي «حفريات المعرفة» الذي نشر عام 1969. مصادفات عنوانية ومكانية ترتسم كالوشي المؤطّر لطرافة أول مؤلفات جورج بيريك الذي قرأ، وهو بعد في الثانية والعشرين، كلا من فوكو، وبارت، وفلوبير، ونابوكوف وملفيل. فقد كانت «الأشياء» عملا روائيا على غير سابق مثال. لهذا احتار النقاد في تصنيفها فعدّها بعضهم من أدب المحاولات السوسيولوجية.
وبصرف النظر عن الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه العمل، فإنه يمثل نصا نقديا لامعا للنظام الاجتماعي والاقتصادي المعاصر الذي أحل الرغبة المكسبيّة (تملّك المزيد) محل الرغبة الكيانية (تحقيق الذات)، حيث تتكفل الصناعة الدعائية ـ التي تقصف المجتمعات والأفراد ليل نهار بقذائف متواصلة من همسات الإغراء الإحباطي وغمزات الترغيب الترهيبي ـ بخلق سلسلة لامتناهية من الرغبات التي تتحول إلى احتياجات، ولكن دون أن يكون للفرد «المستهلك» أي حق في الإشباع والتملك، أي دون أن يكون له أي وسيلة للتحرر من نظام يمنّي ولا يفي، يعد ولا ينجز.
والراجح أن هذا النظام القائم على ثقافة الاستهلاك والموغل في المادية السالبة للقدرة على التجاوز ـ الذي هو أصل التحرر الروحي والديني ـ هو النظام الذي يقصده المفكر عبد النور بيدار عندما كتب أخيرا في «لوموند» أن عجز المجتمعات الغربية عن فتح آفاق روحية لأفرادها هو أصل المعضلة المعاصرة، وذلك بخلاف ما يروجه الرّهاب السائد، الذي يغذيه ويفلسفه كثير من المثقفين الغربيين، من أن تنامي «إسلام قوي في أمم (أوروبية) ضعيفة» هو التحدي أو الخطر الأكبر. حيث يرى بيدار أن الإسلام ـ سواء في حضوره السوسيولوجي القديم نسبيا داخل البلدان الأوروبية أم في ما أصبح يرمى به باطلا من أنه دين الميليشيات الهمجية التي لا دين لها أصلا وفعلا سوى خرافة التطرف الخوارجي الفتاك – ما كان ليزعزع المجتمعات الأوروبية لو لم تكن مجتمعات هشة في الأساس.
هشاشة مضاعفة: تتمثل الأولى في انغلاق أفق التجاوز الروحي، أي في عجز المجتمعات الغربية عن الإفاقة من سباتها الديني وتحقيق «الصحوة الروحية». أما الهشاشة الثانية فتتمثل في العجز عن تجديد الوعي بالذات الحضارية الغربية من حيث أن قيمها، التي بلغت تعبيرها المركز في حقوق الإنسان، لم تعد وافية بغرض إنشاء مجتمعات عادلة بل إنها صارت تؤسس للاّمساواة تأسيسا، فضلا عن أنه لم يعد لهذه القيم أي مصداقية لدى بقية العالم، بدءا بديار الإسلام. ذلك أنه «لم يعد في وسع الغرب أن يكون ‘القبلة’ التي سبق أن تحدث عنها جاك دريدا»: أي القبلة التي تقصدها الإنسانية وتهتدي بها.
وإذا ترجمنا الهشاشة الأولى إلى لغتنا، تبيّن أن المقصود هو أن الحصانة الروحية للمجتمعات الغربية قد أخذت تتآكل منذ أن بدأت تعدّ الديانات السماوية، ناهيك عن سواها، مجرد شكل من أشكال الإنتاج الثقافي المرتبط بمرحلة سحيقة من مراحل التاريخ الإنساني. أي أن انغلاق أفق التجاوز الروحي في المجتمعات التي تنعت ذاتها بأنها مجتمعات «ما بعد دينية» إنما هو ناجم عن تعميم ثقافة اللا ـ إيمان والغلو فيه إلى حد جحود المطلق وجودا واحتمالا وفرض تراتبية قيمية بين «علمية» الإلحاد أو عقلانيته و«عاطفية» الإيمان أو خرافيته.

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية