بيروت ـ «القدس العربي»: أن تختار مخرجة شابة فيلماً يرصد بدقة انفعالات المشاركين في مأتم من أقرباء، ومعزين حقيقيين، وآخرين دافعهم التسلية وحب الظهور، وأن تفكر عن الراحل وتتركه يتكلم مبدياً رأيه بما يدور حوله، فهذا بحد ذاته فكرة خلاّقة فنياً. إنه فيلم «سمير شيخ الشباب» يعالج ما سبق ذكره بشفافية، واقعية وصدق. نعم هو الموت، لكنه افتقد منذ زمن وقعه المهيب، إن لم نقل بصريح العبارة التي يرددها عامة الناس «لم يعد للموت قيمة». فوق رأس الميت يدور حوار نسائي ثنائي عن جمال لون الشعر، وعن عدم تفويت فرصة العشاء القروي. ومن حوله أيضاً يدور متعهد دفن الموتى متفقداً هندام زبونه، ومدندناً لحنا رومانسياً، وكأنه يعد لحفل موسيقي وشيك. تلك الأوقات التي تسبق نقل الجثمان إلى مثواه الأخير، رصدتها المخرجة كريستيل يونس بدقة تامة حين رحل جدها سمير الذي كانت تربطها به علاقة ود خاصة، ونسقتها في سيناريو مشوق. ركزت الكاميرا في زاوية واحدة وصورت فيلمها الذي نال الجائزة الأولى عن فئة الأفلام القصيرة في مهرجان بيروت السينمائي الدولي. شارك في الفيلم 25 ممثلا، بينهم 5 فقط درسوا التمثيل، والآخرون ناس عاديون، تدربوا مع المخرجة طويلاً لإتقان الدور، ومن بينهم لويس متعهد دفن الموتى الذي أدى الشخصية باحتراف كبير، رغم كونه قليل الكلام وخجول في الحياة، بحسب وصف المخرجة.
تعلل كريستيل يونس اختيارها الموت مادة لفيلمها القصير «20 دقيقة» بالقول: انهيت دراستي الجامعية قبل ست سنوات، ومن حينها أكتب أفكاراً لأفلام أود انجازها، لكني أتراجع في اللحظة الأخيرة. حادثة شخصية جداً سرّعت حسم فكرة الفيلم، تمثلت في وفاة جدي سمير الذي تربطني به علاقة وطيدة. كنت بحال أسى شديد على رحيله. ومع ذلك لاحظت خلال مراسم الدفن وجود أشخاص يفتعلون الحب له. فأنا أعرف أنهم لم يتفقدوه في عمره الأخير حتى بزيارة واحدة. في تلك اللحظات الحزينة وجدتني أفكر بالطريقة التي يفكر بها جدي. لبست شخصيته وتخيلته يشعر بكل ما يدور حوله من تمثيل وحقيقة. تركته يبدي رأياً في موقف ما، ويعترض على آخر أو حتى يستنكره. وهكذا تكونت عندي فكرة السيناريو مستمدة من حياتي مع جدي ومعرفتي به، ومن خلال مراسم دفنه وسلوك بعض المعزين. وبدأ الفيلم ينمو في مخيلتي، ومن ثم تطورت خطوطه وصار على الورق.
«سمير شيخ الشباب» حكاية واقعية بالكامل إذاً؟
تصوب كريستيل يونس: بل هو مقتبس من الحياة اللبنانية الحالية. وتضيف: سبق وأخبرني جدي أن الموت زمان كان له وقعه المختلف، وكان الناس يحترمون الجنازة حين مرورها في الشارع، فيتم إقفال المحلات التجارية ويقف أصحابها أمامها احتراماً ومشاركة. ما أظهرته في «سمير شيخ الشباب» أن الوقاحة وصلت بالبعض لحدود التقاط صورة «سيلفي» مع الجثمان. لقطة لم ترد على سبيل المبالغة. في الحقيقة هذا ما يحدث خلال المآتم. ألم نر صورة لجثمان الراحلة صباح؟ كما أن الصور مع الموتى منتشرة على شبكة الانترنيت.
هل تشكل المآتم مكاناً لعرض الملابس وغيرها من لوازم الأناقة النسائية؟ الجواب يأتي ايجاباً دون شك. ففي فيلم «سمير شيخ الشباب» كانت زوجة الابن تسأل صديقتها إن كان لون شعرها على ما يرام؟ وهي نفسها الكنة الحنونة تبلغ صديقتها بكل فرح أن أربعين حماها يكون قد قطع حين يحل موعد العشاء القروي، وهكذا تتمكن من المشاركة في هذا الفرح الشعبي. تقول كريستيل يونس: صديقة الكنة أكثر حناناً منها «المرحوم ربّى، علّم وخلّص، راح دوره»؟ لقد بات الميت الكبير في العمر غرضاً نستغني عنه، وكأن لا روح فيه، ولا من بشر لهم صلة به.
في هذا الفيلم الوثائقي القصير بدت المهنية العالية جداً التي يتحلّى بها لويس. يقوم بمهام الدفن من صغيرها حتى كبيرها بـ»مرح مطلق». حتى أنه يدندن خلالها وكأن شيئاً لم يكن. هل هذا طبيعي أو منطقي؟ افهم أنه عمل لا بد لإنسان أن يتصدّى له. تقول كريستيل: وصلت مهنية لويس لدرجة فقد الأحاسيس بشكل مطلق وكلي. هو ينظر إلى تنامي الموت استرزاقاً مهنياً. فمصائب قوم عند قوم فوائد.
الممثل القدير بيار جماجيان أدى صوت سمير في نعشه. شكل اختياراً موفقاً للمخرجة نظراً للأبعاد التي يمنحها صوته للجملة التي ينطق بها. ففي صوت جماجيان مشهد درامي متكامل. تقول المخرجة: صحيح صوته معروف في شخصية «بيارو» من قبل كثيرين، لكني أتمنى وآمل أن يحب المشاهد شخصية سمير في صوت بيار جماجيان. فحضوره كصوت في هذا الفيلم كان شخصية متكاملة وناجحة جداً.
تضع كريستيل يونس فيلم «سمير شيخ الشباب» في خانة «الدراماتك كوميدي». تقول: لجأت إلى الفكاهة لإيصال فكرة درامية. ففي عرض الفيلم أمام جمهور واسع في مهرجان بيروت السينمائي الدولي، وفي العرض الجامعي، والعروض الافرادية كانت الملاحظة المشتركة بين الجميع هي في تنوع «المود» خلال المشاهدة. في خلال ثواني يشعر المتلقي برغبة في البكاء، ينتقل الابتسام سريعاً، ولا يلبث أن يضحك. هذا ما يشكل نسق الفيلم على مدى 20 دقيقة. لهذا أصف فيلمي بأنه حقيقي بالكامل، وليست فيه مشاهد مبالغ فيها، وهذا كان من عوامل قبوله ونجاحه. في رأيي ثمة حقائق هي في الأساس جارحة ولا حاجة مطلقاً لتحويلها إلى دراما خاصة مسألة الموت. المحزن والمضحك في الموضوع يكمن في تعامل المجتمع مع الموت.
«سمير شيخ الشباب» فيلم تمّ تصويره على مدى 20 دقيقة من زاوية واحدة، ومع ذلك تمتع بغنى المشهد. واجهت كريستيل كمخرجة صعوبة في العمل. ولهذا تتساءل: قد يقول البعض ما هو دور المخرجة طالما الكاميرا ثابتة؟ من المؤكد هم على حق. لكن في المقابل كان الجهد منصباً على إيقاع الفيلم. هذا الايقاع كان له دور في إخراجه من حال المشهد الثابت. وهذا ما حققه السيناريو. لم يشعر المتلقي لحظة بضرورة «زوم إن» على وجه هذه أو تلك السيدة لقراءة أفكارها عن قرب. كان كافياً وغنياً أن يكون سمير في صندوق الموت يتابع وينتقد ما يدور حوله. في موته كان سمير الشخصية الأكثر حيوية. نعم كنت أمام تحدي اغناء تلك اللقطة الوحيدة على مدى 20 دقيقة.
وجدت كريستيل أنها حققت النجاح من خلال شريطها السينمائي القصير وقبل فوزها بالجائزة الأولى من مهرجان بيروت السينمائي الدولي، ومن خلال تعليقات الحضور. تقول: كانت تعليقات الجمهور على الكثير من مشاهد الفيلم شهادة نجاح لي. خاصة لدى التوقف عند مشهد صورة الـ»سيلفي» مع الجثمان. ساد صمت مطبق حين كان سمير يسأل عن أولاده معلناً شوقه لهم. تفاعل الجمهور بالطريقة نفسها يقول لي بأن الجائزة التي منحت لي تمثل احساس الجمهور. عظيم جداً أن يختار الجمهور الفيلم ليفوز بالجائزة. ففي بعض المهرجانات تختار لجنة التحكيم أفلاماً لا تنال رضى الجمهور. كمخرجة احتاج لرأي لجنة التحكيم كونها تدرك بعمق تقنيات العمل السينمائي، والجهد الذي يبذله كل مخرج ليحقق عملاً جيداً. نعم تهمني جائزة لجنة التحكيم للسيناريو أو التصوير أو الإنتاج وسوى ذلك. تلك الجوائز أطمع وأطمح للفوز بها في مهرجانات مقبلة سأشارك فيها لاحقاً. فلجنة التحكيم في مهرجان بيروت السينمائي الدولي تغيبت عن الحضور بسبب الأوضاع غير المستقرّة.
زهرة مرعي