ديار بكر ـ القدس العربي»: تراجعت نسبة أصوات حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في تركيا، في الانتخابات البرلمانية التي جرت الأسبوع الماضي إلى 10.66٪ بعد أن كانت 13.1٪ في انتخابات حزيران/يونيو الماضي على الرغم من التفجيرات والهجمات العسكرية التي استهدفت تجمّعاتٍ له في كلٍّ من العاصمة التركية أنقرة ومدينة برسوس (سروج) جنوبي البلاد والتي أدت لمقتل واصابة المئات من مواليه في هاتين المدينتين، وكذلك مقتل واصابة العشرات من مواليه أيضاً في جنوب شرق تركيا نتيجة غارات سلاح الجو التركي على معاقل حزب العمال الكردستاني في تلك المناطق. وبالتالي، انخفض عدد مقاعد حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان التركي من 80 مقعداً في انتخابات حزيران/يونيو الماضي إلى 59 مقعداً في انتخابات الأسبوع المنصرم، بعدما أنهى حزب الشعوب الديمقراطي الهيمنة التامة لحزب العدالة والتنمية على البرلمان منذ 13 عاماً خلال الانتخابات الماضية.
وحزب الشعوب الديمقراطي الذي يتزعّمه السياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش هو حزب سياسي يساري تأسّس في 15 تشرين الأول/اكتوبر من عام 2012، ويُعد من أبرز الأحزاب والقوى السياسية المعارضة والمنافسة لحزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ يصف هذا الحزب نفسه على أنّه يمثل كل أطياف ومكونات الشعب التركي ولا يمثل مكوناً واحداً بحد ذاتهِ في الوقت الذي يعتبره آخرون حزباً كردياً استنسخ تجربته من حزب السلام والديمقراطية الكردي، لكنه يتوجّه إلى مناطق تركيا الغربية ذات الغالبية العلوية أيضاً في لواء اسكندورن، كما يعتبره آخرون حزباً ذا توجه اشتراكي ينفّذ أجندات حزب العمال الكردستاني في تركيا شكلهُ نوابٌ سابقون عن حزب السلام والديمقراطية، ووضعوا اللبنة الأولى في تأسيسه، حيث حمل مؤتمره الأول شعار «هذه هي البداية فقط» في 27 تشرين الأول/اكتوبر من عام 2013.
أما صلاح الدين دميرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي والنجم الصاعد في السياسة التركية، فهو المسؤول الأكبر عن نجاح حزبه في انتخابات السابع من حزيران/يونيو الماضي كما يصف موالوه، وهو محام كردي يبلغ من العمر 42 عاماً، استطاع توسيع قاعدة حزبه الجماهيرية إلى ما هو أبعد من القضية الكردية وفي تحويله إلى تشكيل يساري يدافع عن حقوق النساء والأقليات في تركيا، كما يُعد دميرتاش العدو اللدود للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية اللذين يتهمانه بالتورط مع مسلحّي حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، في حين يتهم دميرتاش الرئيس أردوغان بأنّه «يرى سلطة شخصية في السياسة، ويرى نفسه زعيماً دينياً للخلافة» وفقاً لحوارات صحافية عدة أجريت معه في وقتٍ سابق.
وبالتأكيد سيكون لهذه الانتخابات التي مُنيت فيها الحركة القومية التركية بخسارة كبيرة وصلت لأكثر من نصف مؤيديها، نتائج ستمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم من تشكيل الحكومة بمفرده لكنها (حسب مقربين من الشعوب الديمقراطي) لن تسمح له بتعديل الدستور كما يطمح الرئيس أردوغان، وسيكون لهذا كلّه وقع كبير على أكراد سوريا والعراق.
فالصحافي الكُردي فتح الله الحسيني عضو اللجنة المركزية للحزب اليساري الكردي في سوريا، والمقيم في مدينة السليمانية في إقليم كُردستان العراق منذ عام 2004، يرى في حديث مع «القدس العربي» إنّ «تراجع نسبة حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة، حالة طبيعية لما كان يضمره حزب العدالة والتنمية من ناحية جلب المعارك مع العمال الكردستاني إلى شوارع المدن واللعب على وتر الأمن والاستقرار بين فترتي الانتخابات. ويضيف «لو فاز حزب الشعوب الديمقراطي ربما كان سيؤثر بشكل إيجابي أكثر على وضع الأكراد في سوريا على الأقل، لأنه آنذاك سيكون حزب الشعوب شريك القرار السياسي في أنقرة، وأيضاً كان سيكون له تأثير على السياسة الخارجية التركية.
ويعتقد الحسيني انه «لم تعد هناك عملية باسم (السلام) بين النظام التركي والأكراد بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة بلاده بعدم وجود أي قضية كردية في تركيا».
ومن جهته يقول الكاتب والصحافي الكردي السوري المستقل إبراهيم اليوسف الذي التقته «القدس العربي»إنّه «قد يكون حال القائمين على حزب الشعوب الديمقراطي (لقد استطعنا من جهتنا عرقلة أحلام حزب العدالة) وهو ما تم – في الحقيقة – ولكن، هنا، لا بد من معرفة مدى الأضرار القريبة والبعيدة التي لحقت به».
وأضاف «لا بد من التأكيد إن تركيا كان لها دور كبير في عرقلة نجاح الثورة السورية، إلى جانب سواها ممن وقفوا في وجه ثورة السوريين، عملياً، إذ يسجل عليها فتحها الأبواب أمام تدفق الراديكاليين وغض النظر عن عبورهم إلى سوريا، وإن كان هناك مَن يرى في فتح حدودها أمام تدفق اللاجئين السوريين ما يعني انحيازها لهم، إذ لا يمكن تجزيء نصرة الشعب السوري، لا سيما إذا وضعنا وعود الرئيس أردوغان وخطوطه الحمراء أمام أعيننا».
وتابع اليوسف «إن حزب العدالة والتنمية سيواصل بكل ما أوتي من قوة من أجل إنجاح مشاريعه التوسعية في سوريا نتيجة ارتفاع رصيده وحضوره بعد أشهر طويلة من كف يده، بسبب انشغاله بملفه الانتخابي، وهو ما سيزيد من حدة المواجهات القتالية في سوريا، حيث سيلتف معه كثيرون ممن لهم مواقف سلبية من الشعب الكردي في سوريا.
أما نواف خليل، مدير المركز الكردي للدراسات، فيوضح في حوار مع «القدس العربي» إنّ «عمليات الاغتيال والاعتقال ومحاصرة مدن كردية تركية مثل مدينة جزيرة بوطان، وصولاً إلى التفجير الإرهابي الذي طال المتظاهرين في أنقرة التي كان من المزمع أن يُعْلَنَ فيها وقف إطلاق النار من جانب حزب العمال الكردستاني للمرة العاشرة والذي بدأ منذ آذار/مارس 1993 في لبنان وصولاً إلى الإعلان الأخير، جاءت بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي أشار فيها إن التوجه نحو انتخابات مبكرة هو الحل لاستعادة «الاستقرار السياسي» في البلاد، وأنّ الحديث عن جهود تشكيل حكومة ائتلافية هو مضيعة للوقت» مضيفاً «هذه الأمور منعت حزب الشعوب الديمقراطي من إقامة أي تجمعات جماهيرية خشية على مناصريه، فالحزب تعرض لهجوم مماثل في السادس من حزيران/يونيو في ديار بكر وتعرض الشباب الكردي والتركي لهجوم أودى بحياة العشرات منهم حينها، يُضاف إلى هذا أن الرئيس التركي أردوغان استخدم كل ما يملك من إمكانيات الدولة لاستمالة أصوات كل المكونات، فشعاره كان قريبا من شعار النظام الاستبدادي في دمشق (أنا) أو (الفوضى). في ظل هذه الأجواء والحملة الرهيبة التي طالت الكرد وقادة الشعوب الديمقراطي، دخل الحزب الانتخابات ورغم ذلك تمكن من تجاوز العتبة الانتخابية التي سخر لها أردوغان والعدالة والتنمية كل إمكانياتهما لمنعها وهو ما فشلوا فيه، فهم لن يتمكنوا من تغيير الدستور الذي يبحث عنه أردوغان حسب مقاسه».
ورداً على سؤال لـ «القدس العربي» حول وقع هذه الانتخابات على الإدارة الذاتية المدنية الكردية في سوريا، قال نواف خليل «الكرد في غرب كردستان وسوريا كانوا يأملون نجاحاً أكبر ونتيجة أفضل، لكن دخول حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان هو أيضاً نجاح سيساهم في دعم الشعب الكردي في غرب كردستان، ومن ناحية أخرى لن يكون هناك أي تأثير سلبي على عملية البناء ومواجهة إرهابيي تنظيم الدولة، لأن القضية ليست أكثر من قضية معنوية».
وأضاف «طالما تحدث حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية عن إقامة علاقات جيدة مع الحكومة التركية التي اتهمت القوات الكردية بالإرهاب رغم أنهم دحروا إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية من على الحدود المشتركة، إنما ذهب الرئيس التركي إلى ما هو أبعد من ذلك ووصف الاتحاد الديمقراطي بالإرهاب رغم انه حزب سياسي، وبالتالي إذا استمرت الحكومة التركية في موقفها السابق فهي بذلك ستفقد الكثير وسيكون لذلك تأثير كبير على عملية بناء الثقة مع الكرد في شمال كردستان وتركيا والأجزاء الأخرى من كردستان».
واختتم نواف قائلاً « اننا نترقب جميعاً ما إذا كانت تركيا في ظل الحكومة الجديدة إلى أين ستسير، هل في اتجاه كسب ثقة الكرد أم لا؟ وبالتأكيد إن تصعيد العدوان كما شاهدنا خلال الأسبوع الماضي أثناء قصف معاقل حزب العمال الكردستاني من قبل تركيا التي رفعت شعار (صفر مشاكل) بات (صفر ثقة) مع الكثير من المكونات القومية والدينية في الداخل وصفر ثقة مع العديد من دول الجوار».
جوان سوز