جزيرة اعتدال

حجم الخط
0

ترهات بنيامين نتنياهو التي نسب فيها لمفتي القدس، الحاج امين الحسيني، الدور الحاسم في بلورة خطة ابادة الشعب اليهودي من جانب ألمانيا النازية، أثارت وعن حق مشاعر المقت والاشمئزاز في أوساط الكثيرين. ولكن، ومع ان التشبيه بين الطاغية والمفتي مدحوض بقدر لا يقل عن التشبيه بين النازية والصهيونية، فانه ينبغي الاعتراف بأن بين مصير القومية الالمانية ومصير القومية العربية في القرن العشرين يوجد وجه شبه لا بأس به. وذلك أولا وقبل كل شيء في كل ما يتعلق بالاهانة القومية عديمة المنطق السياسي وعديمة الاساس الاخلاقي للامة الالمانية من جهة والامة العربية من جهة اخرى في أعقاب الحرب العالمية الاولى، في اطار النظام العالمي الجديد والمشوه الذي أملته، وقررته القوى العظمى الغربية المنتصرة.
في حالة المانيا كانت هذه العقوبات الاقتصادية التعسفية التي فرضت عليها في اعقاب الحرب، وفوق كل شيء اتهامها بالمسؤولية الحصرية عن حمام الدماء الاكبر في التاريخ ـ احدى الذرى في الظلم الدولي.
إذ أنه رغم أن المانيا كانت بعيدة عن أن تكون دولة محبة للسلام، واضح أن القوى العظمى المتعطشة للسيطرة الامبريالية مثل بريطانيا وفرنسا – ناهيك عن روسيا القيصرية ـ تحملت قسما من المسؤولية عن اضرام نار الاشتعال الحربي. الخطيئة الاولى لالمانيا الموحدة كانت مجرد وجودها. فمع قيامها في 1871، اختل ميزان القوى بين القوى العظمى القديمة.
وهزيمتها في الحرب منحت دول غرب اوروبا فرصة لمحاولة تحييد القوة العظمى الصاعدة التي هددت هيمنتها، وكل ذلك بحجة فرض القانون والنظام في العالم.
ان نتائج سياسة الاذلال التي انتهجتها القوى العظمى معروفة جيدا: جهاز المناعة الجماعية للامة الالمانية انهار تماما، وجرثومة العنصرية الاجرامية، التي عششت قبل ذلك في اجزاء من المجتمع الالماني، هاجت بقوة لتجتاحه كله. والمسؤولية عما حصل في حينه تقع، مثلما شددت، وعن حق المستشارة انجيلا ميركيل في لقائها مع نتنياهو، على المانيا في حينه. ولكن المسؤولية القومية ـ الاخلاقية في جهة والسببية التاريخية في جهة اخرى: لا شك ان اصرار القوى العظمى على انزال المانيا على ركبتيها ساهم كثيرا في تهيئة التربة لاستيعاب واسع للايديولوجيا القومية ـ الاجتماعية في اوساط جماهير الشعب الالماني.
واذا كانت القوى العظمى تكبدت عناء أن توجد على الاقل ذريعة لصلب المانيا المهزومة فان في بتر جسد الامة العربية إلى مناطق النفوذ الاستعماري كان خطوة طبيعية ومفهومة من تلقاء ذاتها. فالرعب العتيق للغرب من الإسلام كان كبيرا للغاية والصورة الدون انسانية عن العرب في الوعي الاوروبي مجذرة جدا.
وبخلاف حالة المانيا، كان الرد المضاد من العالم العربي على الفعل البربري، بشكل نسبي، معتدل ومنضبط.
ويخيل أنه بالذات التدين العميق للمجتمع العربي، الذي يعتبر اليوم في النظرة السطحية من الغرب كجذر لكل الشر في أوساط العرب، هو الذي منع نشوء دول دينية مريضة اجرامية في داخلها، من النوع الوثني النازي.
في العقود الاخيرة فقط، وبقوة اكبر في السنوات الاخيرة بدأت الاثار ما بعد الصدمة طويلة المدى للاستعمار، مضاف اليها العدوان الأمريكي في لب لباب العالم العربي، بدأت تعطي مؤشراتها الهدامة في شكل التطرف الديني الجديد للقاعدة وتنظيم «الدولة».
هذه الظواهر، في نظرة عميقة، تشبه الايديولوجيات المسيحانية المريضة الاوروبية في القرن العشرين اكثر بكثير مما تشبه طريق الإسلام السياسي في ماضيه التاريخي القريب.
على خلفية التطرف المبالغ فيه للميول الدينية ـ السياسية في المنطقة العربية، يبرز بسواء العقل وبالاعتدال محفل عربي سياسي واحد ـ السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس. فلا يمكن للمرء إلا يسأم في ضوء عظمة النفس التي يبديها عباس ـ ممثل آخر الشعوب في العالم الواقع تحت الحكم الاستعماري العسكري ـ بلجمه المرة تلو الاخرى الغضب المكبوت لشعبه، في ظل تنسيق امني وثيق مع إسرائيل.
وبالفعل، إذا ما انشغلنا بالتشبيهات التاريخية البائسة المحببة لدى نتنياهو، فان هوة واسعة تفتح فاها بين فقدان الصواب الاخلاقي التام الذي مر على المجتمع الالماني في اعقاب الاهانة في فرساي، وضبط النفس الهش، اليائس، ولكن الثابت الذي لا يزال تتميز به اجزاء لا بأس بها من الشعب الفلسطيني الذي قبل نحو سنة فقط فقد مئات الاطفال في القصف الإسرائيلي في غزة.
ولكن يخيل أن إسرائيل غير راضية عن ضبط النفس لدى السلطة. فالوصم النازي العبثي لعباس ـ العملية التي بدأها مؤخرا فيلسوف البلاط للاحتلال، يوفال شتاينتس، وواصله المؤرخ الجديد من شارع بلفور ـ لا يمكن شرحه إلا كانفجار اللاوعي لدى عصبة بلاط نتنياهو، التي يبدو انها تتمنى في خفاء قلبها ان تتبنى السلطة الفلسطينية نمط المقاومة العنيفة والاجرامية لحماس والجهاد الإسلامي.
في مثل هذه الحالة ستعمد إسرائيل على أن تعطي اخيرا للجيش الإسرائيلي المجال لان ينتصر ويضم، وبمناسبة ذلك أن يجسد ايضا الحلم الهاذي لحوتوبيلي بشأن علم إسرائيل فوق الحرم.
في ضوء هذا السيناريو الدموي لا يتبقى لنا إذن، نحن سكان هذه البلاد ابناء الشعبين غير الامل في أن يواصل عباس تخييب امل اصحاب الخيال المريض في اوساط اليمين الإسرائيلي، حتى لو لم يكن في ذلك، لشدة الاسف، ما يحقق لشعبه الحرية المنشودة.

هآرتس 8/11/2015

ديمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية