سيادة البلاغة

حجم الخط
3

منذ أن كتب أمين الخولي «فن القول» مبيّناً خطواته في تجديد الدرس البلاغي العربي، لم يجد هذا التجديد مكاناً له في رحلة التحوّلات الفكرية، وعليّ أن استعير بعضاً من مقدمة صلاح فضل لطبعة دار الكتب المصرية في القاهرة عام 1996 حيث يقول: «مازال «فن القول» من المشروعات الكبرى التي لم تحقق نتائجها في حياتنا الفكرية والثقافية حتى اليوم».
وظل مصطفى ناصف يتحدّث بلغة لا يرضى أن يفهمها الآخرون، وأفكاره التي يتجاهلها الدارسون والباحثون بحجة أنّها أفكار مبتورة لم تحتمِ بالتبرير، إذ قال في كتابه «النقد العربي- نحو نظرية ثانية»: «دعوتُ إلى قراءة البلاغة قراءة ثانية تتحرى ما هو أبعد من الوصف والتشبيه، تتحرّى الصراع العقلي والصراع الاجتماعي وصعوبة التركيب بين المتناقضات»، لكنّه لم يسكت حتى أن كتب «بين بلاغتين» وختمها بعمل مهم هو «دنيا من المجاز»، فستينيات، وسبعينيات، وثمانينيات، وتسعينيات القرن العشرين لم تكن أرضاً خصبة ومعطاء في المشهد البلاغي العربي، وظلت البلاغة تحت وصاية وحماية ثلاثية السكاكي (المعاني/ البيان/ البديع) وفي قبال هذا السكوت ثمة حركة ثقافية وفكرية مستمرة في الخطاب النقدي العربي يحاول أن يواكب الخطاب النقدي الغربي، مستمدا الكثير من طروحاته، ولا يعني هذا الأمر تجاهلا لجهود الرائعين محمد عبد المطلب، أو حمادي صمود، لكنّها تمتزج مع خطاب الأسلوبية أو البنيوية، ولم تبحث عن هويتها البلاغية المتفردة بعنوانها، لكنّ مع بداية القرن الواحد والعشرين ونهاية القرن العشرين، وتحديداً في العقدين الأخيرين، شهدت الساحة البلاغية تحولا ملحوظا واستثمارا غير مسبوق لطروحات النظريات اللسانية والسيميائية والفلسفية، وكأنّها تسحب البساط من بين قدم الخطاب النقدي لتستفيد من مرجعياته التي عوّل عليها عقودا من الزمن في بناء الأطروحة النقدية الحديثة، فالخطاب البلاغي الممزوج بالفلسفي واللساني وجد فيه محمد العمري منطقة البلاغة الإقناعية/ الحجاجية، حيث قدّم مشروعا ضخما يستحق الوقوف في ثنائية التخييل والتداول، لاقى صدى متميزا في الدراسات البلاغية الحديثة، حيث كُتبت العشرات من الرسائل والأطروحات والدراسات توظيفا لهذه الثنائية، لاسيما تحت عنوان «الاقناع أو الحجاج» في الخطاب القرآني، والشعري، والنثري، والسياسي، حتى أصبح الدرس اللساني العربي الحديث يخشى من سيطرة المشهد البلاغي عليه، فقام لينتفض متوسلا بنظرية أفعال الكلام/ التداولية، ليختار منطقة تحليل الخطاب سندا يحتمي به من هجمة وسيادة البلاغة، التي وجدت في سكوت النقد لحظة الانتصار، وفي العقد الأخير بدأ الاهتمام بما كتبه جورج لايكوف ومارك جونسون عام 1980 عن الاستعارة المفهومية او التصورية في كتابهما «الاستعارات التي نحيا بها» حيث بدأت مرحلة مهمة من الانشغال بالنظرية التفاعلية لتكون بديلا عن نظرية أرسطو الاستبدالية التي أخذت نصيبها في البلاغة العربية والدرس الأكاديمي، بعد أن ترجم عبد المجيد جحفة هذا العمل عام 1996، الذي يكشف عن تنشيط الاستعارة الذهنية بدلا من اللغوية، ولم تجد هذه المحاولة في التصوّر الاستعاري مكانها إلا عام 2002 عندما كتب عبد الله الحرّاصي كتابه «دراسات في الاستعارة المفهومية» حيث قال: «إنّ هذه النظرية لم تكن لها موقع في جغرافيا الفكر العربي المعاصر، على الرغم من مرور ما يزيد على العقدين على ظهورها في الغرب» وليس بعيدا صدور كتابٍ مهمٍ عن «نظرية الاستعارة التصورية والخطاب الأدبي» لعمر بن دحمان، وآخر لمحمد الصالح البوعمراني «الاستعارات التصورية وتحليل الخطاب السياسي» ومجموعة أخرى من الدراسات التي توجهت لتعرّفنا البلاغةَ منهجاً في تحليل الخطاب اليومي غير المركزي بعيدا عن النصوص (القرآنية والشعرية والنثرية) التي قرأتها البلاغة قراءة تشبيهية، حيثُ أن التشبيه أغرقنا في التيه على حد تعبير مصطفى ناصف، ومع هذه التحولات السريعة في الخطاب البلاغي العربي لا يمكننا أن نغفل عملا اختار منطقة خاصة بين «التأويل التقابلي والبلاغة» وهو مشروع محمد بازي، الذي يرى أن التأويل التقابلي يبحث عن أصل تشكل المعنى، لكنّ اللغة النقدية التي يكتب بها بازي كانت مانعا رئيسا لعدم استثمار هذا العمل في الدراسات البلاغية الحديثة، ويظل مشروعا يملك رؤية التأويل في الخطاب البلاغي الحديث، ولعل التوجه الأكثر حداثة وحضورا هو ما قدّمه عماد عبد اللطيف في أطروحة «بلاغة الجمهور»، وهو تأسيس معرفي في البلاغة العربية مادته الخطابات البلاغية الجماهيرية وموضوعه دراسة الكيفية التي تستخدمُ بها هذه الخطاباتُ اللغةَ لتحقيق الإقناع والتأثير، وأثر ذلك في تشكيل استجابة المخاطب، فهذا التوجه البلاغي يكشف عن ثنائية الخطاب والسلطة، التي تجعلنا ننظر إلى البلاغة بوصفها محورا مهما في التحليل النقدي للخطاب، ويمثّل مرحلة غنية وثرية في الدرس البلاغي العربي الحديث. وهو المنطقة التي تجعلنا ننظر إلى البلاغة وعلاقتها بتحليل الخطاب.
قد يعترض أصحابنا المشتغلون في حقل النقد أو اللسانيات فيقولون لِمَ منحتَ البلاغةَ سيادةً وقلتَ: (سيادة البلاغة) ؟ هل وجدتَ النقدَ يجرُّ أنفاسه الأخيرة؟ أمازالت اللسانيات تبحثُ عن منطقتِها التي تحتمي فيها من تداخلات البلاغة او النقد؟ جوابي على الاعتراض: التسمية برّر وجودها أصحابي في حقل النقد، فهم الذين وسموا بحوثهم وكتبهم بعنوانات منها (بلاغة السرد، وبلاغة التزوير، ونقص الصورة – تأويل بلاغة السرد، وبلاغة العنوان، وبلاغة الكذب وغيرها) وهذا مؤشر على حضور البلاغة مشهدا ثقافيا متسيّداً، ومفردة مهيمنة في ظل انحباس التحولات في المشهد النقدي، ويبدو أن الذي ساعد (البلاغة) على هذا التسيّد خروجها من البرج العاجي الذي لا يستطيع النقد أن يغادره، فمنذ صارت البلاغة علما يدرس النصوص، لم تكن منصاعة لقوانين مؤسسة اللغة التي تؤمن بعصر الاستشهاد، فإنّ رجالات النحو لم يسمح لهم الاستشهاد بنص المتنبي، أمّا كتب البلاغة فقد كانت مكانا رحباً يستأنس بنصوص أبي الطيب، مازال النحو يبحث عن الشاذ والقاعدة، لكنّ البلاغةَ دخلت في الحياة اليومية وتبحث في منطقة التمرّد، مازال النحو آلة قانونية تعصم اللسان من الزلل، لكنّ البلاغة بحثت كثيرا عن الجمال واليوم تبحث في التصورات والفهم والثقافة ولا يعنيها أن يكون البليغ غير معصوم. وإذا كان تيسير النحو مشروعا فقد الاحتضان فإن تطبيقات البلاغة ستسهم ـ بلا شك- في كسر طوق ثقافة الشرح والتلخيص. وإذا كان عماد عبد اللطيف قد قال في كتابه «استراتيجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي»: «كانت معظم الكتابات العربية تغرّد بعيدا عن السرب، مكتفية ولاتزال بدراسة الاستعارة وتدريسها بوصفها ظاهرة بلاغية زخرفية». فماذا نقول عن الدرس البلاغي في العراق في ظل عصر الاستعارة وسيادة البلاغة؟

٭ كاتب عراقي

صلاح حسن حاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية